كتب : أسامة فوزي


قامت الدنيا على رأسي ولم تقعد بسبب مقالي عن الصحف والمجلات التي صدرت في لندن وباريس بتمويل من المخابرات العراقية ولم يكن اكثر الناقدين لي يحتجون على مبدأ التمويل بل هم يعترفون به من باب ان تمويل الصحف والمجلات العربية في المهاجر هو واجب قومي عروبي .... ولكن الاحتجاج انصب على حكاية " المخابرات العراقية " حيث يقول اصحاب هذه المجلات ان التمويل تم عبر وزارة الاعلام او عبر لجان حزبية مرتبطة بالقصر الجمهوري مما يعني نفي تهمة التمويل المخابراتي الذي يحمل في طياته تهمة العمالة والتخابر .

* لكن اخرين ممن عملوا في هذه الصحف او المجلات وكانوا على معرفة بما يدور وراء الكواليس اعجبتهم الحكاية فانهالوا علي باتصالاتهم وايميلاتهم عارضين تقديم المزيد من المعلومات عن هذه المؤسسات شريطة ان تبقى اسهاماتهم مكتومة بمعنى ان " اقعد " وحدي على بوز المدفع في مواجة " غضبة " هذه المؤسسات وأصحابها ومموليها .... وقد قبلت عروضهم من باب اني كنت دائما وخلال عملي الصحافي اقوم بمهمة " البوز " وادفع الثمن وحدي في حين يحصد اخرون " الارباح " .

* والتركيز - على اي حال - سيتم على الصحف والمجلات التي تصدر في اوروبا وتحديدا في بريطانيا بخاصة وان الصحف والمجلات التي تصدر في " لندن " تذكرني بصحف رصيف " المحكمة المختلطة " في " العتبة الخضراء " بالقاهرة وتحديدا عام 1907  مع فارق بسيط وهو ان زبائن المحكمة كانوا يومها يمولون هذه الصحف بينما تقبض صحف ومجلات لندن من " الحكومات ".

* كان المرء انذاك اذا ما اراد ان يشتم وزيرا او مسئولا او حتى شخصا عاديا يتوجه الى احد الكتاب او الصحفيين الذين يملأون مقاهي باب الخلق والفجالة والحسين ليطلب منه ان يقوم بالمهمة شعرا او نثرا مقابل اجر يتم الاتفاق عليه وغالبا ما يقوم الزبون بتزويد الصحافي بخامة الموضوع ( المعلومات ) ليقوم الكاتب بتفصيل المقالة او القصيدة حسب رغبة الزبون وطلبه  ثم يحملها الى احدى الصحف الشعبية التي تصدر من الرصيف لنشرها .... وكانت اسعار النشر تختلف وتتفاوت باختلاف طول المقال وعرضه وشهرة كاتبه كما كانت اسعار النشر تختلف باختلاف شهرة الجريدة او المجلة ... فأسعار جريدة " الكرباج " كانت اعلى من اسعار جرائد اقل شهرة مثل " البعبع " و " الجاسوس " و " اللجام " و " الصاعقة " و " الغندورة " والمرصاد" و" عفريت المقاولين " و " الخلاعة " و " المرستان " وغيرها من صحف " العتبة الخضراء ".

* الحكاية تكررت في لندن ... حيث تحول شارعا " اجوار روود " و " كوينزويه " الى " رصيف المحكمة المختلطة " ففيهما تجد مكتبات واكشاك تغص بجرائد البعبع والجاسوس والغندورة والمرصاد .... الخ ولكن بمسميات جديدة سوف نعرض لها بالتفصيل في سلسلة مقالات سننشرها على التوالي في موقع " عرب تايمز " .

* ومع انتشار برامج الكومبيوتر والنشر الصحفي والمكتبي واخيرا الالكتروني اصبح كل من يفك الحرف رئيسا للتحرير ... وأصبحت مهنة الصحافة " مولد وصاحبه غايب " كما يقول المصريون ... صحافة العشرينات من القرن الماضي لم تكن " مولد وصاحبه غايب " رغم انها كانت تصدر عن الرصيف  ورغم طرافة مسمياتها لان فرسان تلك الصحف والمجلات كانوا من اباطرة القلم وفرسان المقال ... بدءا بالعقاد ... وانتهاء بالكاتب الساخر المازني .... اما اباطرة الصحف والمجلات هذه الايام فمنهم من لم يكتب في حياته سطرا واحدا ومع ذلك اصبح " ناشرا " يشار اليه بالبنان والبرطة بالدولار والدينار .... والريال .

* صحافة لندن العربية " الصفراء " و " الخضراء " و " الحمراء " كانت موضوعا لتقرير مهر بعبارة " سري جدا " قدم الى وزراء الاعلام في دول مجلس التعاون عام 1988 وتسرب التقرير الذي يقال ان صحافيا عربيا مشهورا كتبه - وهو يعمل حاليا في جريدة الحياة - الى الصحف فنشرت مقاطع منه وانفردت مجلة " الازمنة العربية " بنشر النص الكامل لهذا التقرير الذي تناول 55 مطبوعة عربية اكثرها صدر في اوروبا وبعضها صدر في بعض العواصم العربية غير الخليجية .

* هدف وزراء الاعلام انذاك من تبادل هذا التقرير هو الاتفاق على اتخاذ استراتيجية موحدة في مواجهة هذه المجلات التي اتهمت بأنها تقوم على الابتزاز والتشهير وتم توصيف كل جريدة او مجلة على حدة وربطها باسم الممول وكشف بعض المعلومات " الاستخبارية " عن العاملين فيها ولوحظ ان المجلات او الصحف المعنية كانت من تمويل عراقي او ليبي او فلسطيني او سوري بينما لم يتطرق " التقرير " الى الاصدارات التي كانت تمولها دول مجلس التعاون .... واتفق الوزراء على مخاطبة وزراء الاعلام في الدول العربية بخصوص هذه المجلات كما اتفق الوزراء على تبادل المعلومات الخاصة بهذه الصحف او المجلات ومن يعمل فيها واشراك وزارات الخارجية في محاربتها ... وقد قدم وزير الاعلام العماني في هذا الاجتماع ورقة عمل تقترح اتخاذ مواقف جماعية من هذه الصحف او المجلات  والامتناع عن تقديم دعم لها.

* بدأ التقرير بمطبوعة " الشرق الجديد " التي كانت فاتحة لهذه النوعية من الصحافة ووصفها التقرير بأنها " من اقدم المجلات العربية التي ظهرت في لندن حيث صدر العدد الاول منها في عام 1972 ومازالت تصدر حتى الان من عشرين صفحة باللون الازرق " ووفقا لكاتب التقرير فان صاحب المجلة " عبد الوهاب الفتال " سوري  كان معارضا لعبد الناصر وقد هرب الى السعودية بعد الوحدة المصرية السورية حيث عمل مع الملك سعود وبعدها انتقل الى لندن حيث اصدر المجلة التي بدأت بالهجوم على مصر ثم " تهاجم المجلة من لا يدفع " وقد عرفت " باتجاهها المناويء للامارات ... وجاء في التقرير الذي تضمن الكثير من المعلومات المغلوطة عن " الشرق الجديد " ان عددا من الصحفيين الاردنيين والفلسطينيين ساهموا في تحريرها منهم نادر حجازي شقيق ياسر وعرفات حجازي ... وعمل فيها العراقي عبد المعين الراوي ومعن الزوائدي وهو فلسطيني سوري وفاضل محفوظ اللبناني ومحمد الرامي فلسطيني لبناني ومصطفى الخالدي وهو فلسطيني تقيم اسرته في الولايات المتحدة " وجاء في التقرير ان " الامانة العامة لمجلس دول التعاون الخليجي قد تلقت تقريرا بشأنها من دولة الامارات وسوف يعرض على الوزراء لاتخاذ موقف جماعي وحازم تجاهها " .

* معلومات " المخبر " عن مجلة او نشرة " الشرق الجديد " ليست دقيقة ... فصاحبها " الفتال " لم يعمل مع الملك سعود وانما عمل مع الملك فيصل وحصل على الجنسية السعودية قبل ان يهاجر الى لندن ووفقا لما كتبه الفتال نفسه بل وذكر الفتال في احدى مقالاته ان الملك فيصل هو الذي اعطاه المبلغ الذي اصدر به المجلة ... وقد صدرت " الشرق الجديد " في يناير عام 1973 وليس عام 1972 كما ورد في " التقرير " ... ففي مقال بعنوان " الفيصل العظيم " نشره عبد الوهاب الفتال في ديسكبر عام 1982 روى حكاية " الشرق الجديد " فقال  ان الملك فيصل هو الذي اشار عليه بالسفر الى لندن واصدار المجلة  وذكر في مقاله انه كان مستشارا للملك ويضيف :" ثم خرج وعاد وفي يده مظروف كبير سلمني اياه وقال : تفتح هذا المظروف يا ولدي حيث تقرر المقام ففيه نصائحي اليك وكنا في نوفمبر من عام 1972 وعدت الى لندن في العشرين منه واحتجبت لصدور الشرق الجديد وادرس امكان الاستقرار في لندن واصدارها منها فلما اكتمل المخطط وذللت العقبات القانونية فتحت المظروف واذ به مظروف مغلق ورسالة قرأتها واذا بها تعليمات تنصحني بأن استعين على حوائجي بالكتمان ولا يظهر من شأن الجريدة الا اعدادها وان تكون شهرية وصفحاتها قليلة واخبارها قصيرة وصادقة ومقالاتها مكثفة والا تقبل اعلانا ولا تنافق بكلمة وفتحت المظروف الثاني لاجد فيه مبلغا من المال وكلمة تقول : هذا ما استطيع تقديمه لك من حر مالي ... وصدرت الشرق الجديد في يناير 1973 وما زالت وكنت كلما صدر عدد جديد من الشرق الجديد اكتب الى القنصل منتقدا وموجها ورسائله محفوظة لدى بخط يده واعترف بأنني لولاه لما كنت اصدرت الا اعدادا قليلة ".

* لقد حصلت على الاعداد القديمة من الشرق الجديد من الفتال نفسه عندما طيرت له رسالة اخبرته فيها اني بصدد اعداد مقالة او دراسة عن الصحافة العربية في لندن .... والمجموعة التي طيرها الفتال الي تعطي فكرة عن المجلة التي اختار لها الفتال شكل المنشور press release وحافظت الشرق الجديد على شكلها العام وورقها الازرق واخراجها البدائي .... ولا يمكن تصنيف الشرق الجديد كمجلة او كصحيفة فهي لا تعتمد على نشر الاخبار وانما تقوم على نشر التعليقات والاراء ونادرا ما تجد فيها مقالة سياسية كاملة ... ويشك كثيرون في ان الملك فيصل قد اقترح مخطط المجلة للفتال وان كان ليس بعيدا ان يكون الفتال قد قبض من فيصل .... ولعل الميزة الوحيدة للشرق الجديد هي " الريادة " فهي اول مجلة او مطبوعة او منشور يصدر بالعربية في لندن اذا ما استثنينا مجلة اذاعة البي بي سي التي صدرت بالعربية .

* ليس للشرق الجديد " ملامح " سياسية ... فهي مع السعودية وضدها .... ومع المنظمة وضدها .... ومع الكويت وضدها .... ويبدو واضحا انها تقيم علاقات مع بعض الامراء والشيوخ على حساب اخرين من منافسيهم وقد دخل ضمن الممولين لاحقا الشيخ الفاسي الذي مول عدة نشرات ومطبوعات في لندن ومنها سوراقيا والفاسي - كما هو معروف - كان يتصرف بأموال الامير تركي زوج ابنته هند وبالتالي عكست " الشرق الجديد " الكثير من مواقف " تركي " ضد اخوانه في السعودية .

* ولعل اهم معارك " الشرق الجديد " ان تكون تلك التي شنها  الفتال على الشيخ زايد حتى قيل ان الشيخ هدد بقتله فقد كتب الفتال عن ابنة الشيخ زايد المتزوجة من ابن عمه ومدير مخابراته انذاك الشيخ سرور وكيف انها كانت تحب مذيعا في تلفزيون ابو ظبي وانها لا زالت على علاقة بالمذيع وكتب الفتال نفسه ما معناه انه تعرض الى تهديد بالقتل من قبل دبلوماسيين اماراتيين ... ولوحظ ايضا تذبذب موقف الفتال من سوريا فقد ايد في اصداراته الاولى حافظ الاسد ثم انقلب عليه ومن تصفح العدد رقم 357 الذي نشرنا صورته هنا والصادر في اب اغسطس عام 2002 يمكن فهم مواقف " الشرق الجديد " الجديدة من الانظمة العربية .... فالنشرة تؤيد بشار الاسد وتصفه ب " الاسد بشار " .... وتصف حافظ الاسد ب " العظيم حافظ الاسد " ... بالنسبة للاردن لا زالت النشرة تصف الملك عبدالله بأنه " ابن الانجليزية " ... وفي العدد هجوم كاسح على وزير الاعلام السعودي ومدح للملك فهد وغمز من طرف الامير سلطان .... ومدح لملك المغرب .... وهناك مدح يصل الى درجة النفاق لوزير الاعلام في سلطنة عمان ....وعن الوزير الاردني المعشر كتب الفتال انه " وزير كذاب "  والملك " قبض الثمن " ... وتضمن العدد مدحا للاميرة هند الفاسي وردا على الحكم الذي صدر بحقها في مصر بتهمة سرقة المجوهرات .... وتصف النشرة حاكم قطر بأنه " صبي عاق " .... وتضمن العدد هجوما على حركة الجهاد الاسلامي .... ووصفت رفيق الحريري بأنه " مجرد ثري لا يستطيع التفريق بين السياسة والوطنية " .... ووصف الفتال الامارات بأنها " امبراطورية " وذلك في معرض حديثه عن الاتفاقية التي وقعها " الجنرال " محمد بن زايد مع فرنسا لشراء بوارج حربية .... وتضمن العدد نصيحة لعرفات بالنزول الى تحت الارض ليعود بطلا بعد ان تحول الى " بصام " .... وتضمن العدد هجوما على القذافي .... وعلى الوزير المغربي محمد بن عيسى الذي وصفه بأنه " وزير النفاق " ....كما هاجم الدكتور الربعي ووصفه ساخرا بأنه " فقيه العرب والعروبة "... ونشرت مقالا بعنوان " قطر كانت دولة للفلسطينيين في الخليج وصارت قاعدة للاميركان لمصلحة غزاة فلسطين خوفا من احتلال سعودي يضمها للمملكة " .

* هذه ملامح عامه " للشرق الجديد " ... فما هي ملامح " المطرقة " وهي المجلة التي صدرت في لندن لتنافس الشرق الجديد وتوقفت عن الصدور .... وماذا قال عنها الصحافي " المخبر " في تقريره لوزراء اعلام دول مجلس التعاون الخليجي ؟

* هذا هو موضوع الحلقة القادمة .... فانتظروها .