كتب : أسامة فوزي

* فقعت من الضحك وأنا اقرأ تصريحات وزير الخارجية السوري التي قال فيها " ان سوريا ليست عاجزة عن خلق رد رادع " و " انها تمارس اقسى حالات ضبط النفس حتى تفضح اسرائيل امام العالم " الى اخر المقولة التي زهقناها من ان سوريا لا ترد على الاعتداءات لانها لا تريد ان تعطي اسرائيل فرصة تحديد موعد وتاريخ المعركة الفاصلة ....الخ .

* وسبب " فقعاني " من الضحك اني تذكرت على الفور ما كان يقوله ويردده صديقي الاديب السوري الساخر حسيب كيالي .... فقد كان " ابو محمد " رحمه الله يسخر من هذه الادعاءات التي يطلقها حكام سوريا ويزيد عليها بتوجيه الاتهام للرئيس السوري حافظ الاسد بأنه باع الجولان ... وكنت اعتقد في حينه ان كيالي يبالغ في توصيفه للمسألة بسبب موقفه المعادي للاسد وللبعثيين بشكل عام بخاصة وانه كان من ضمن الذين دخلوا زنازين سجن " المزة " الا ان " احمد ابو صالح " احد قادة حزب البعث والذي تولى عدة مناصب وزارية وكان يمكن ان يكون رئيسا لسوريا قبل ان يعتقل ويسجن في " المزة " ويهرب الى الخارج بعد ذلك ذكر صراحة في لقاءات اجريت معه مؤخرا في برنامج " شاهد على العصر " الذي تبثه فضائية الجزيرة ان وزير الدفاع السوري لم يكن يعرف خلال حرب حزيران يونيو اين تقع غرفة العمليات العسكرية السورية التي يفترض انها تقود العمليات العسكرية على الجبهة بقيادته ... وان حافظ الاسد اطلق سراح جميع الجواسيس الاسرائيليين وسمح لهم بالسفر الى اسرائيل للعلاج .

* لا جدال في ان موقف سوريا من مسالة الصراع مع اسرائيل اصبحت مثيرة للتساؤلات التي تنطوي على قدر كبير من الاتهامات بخاصة وان ما تحاول ان تروجه اجهزة الاعلام السورية عربيا من انها مستهدفة امريكيا لانها تقف موقفا " عروبيا " يتناقض احيانا مع ما تكشفه سوريا عن تعاونها مع الاستخبارات الامريكية بخاصة حيال تنظيم القاعدة والمنظمات الاسلامية حيث تبين ان سوريا زودت الاستخبارات الامريكية بعشرات الالوف من الوثائق وهو ما لم تفعله حتى اكثر الدول تحالفا مع امريكا في حربها ضد الارهاب مثل الاردن او السعودية ... والاعجب من هذا ان  القذافي ينافس سوريا في التعاون مع الاستخبارات الامريكية مع ان اجهزة الاعلام في النظامين السوري والليبي تشتم الولايات المتحدة ليل نهار !!( الكاريكاتيور المرفق للرسام رياض خاص بعرب تايمز... انقر هنا للمزيد من رسومات رياض ).

* ما كنت اسمعه من المرحوم " ابو محمد " في مطلع الثمانينات عندما تزاملنا وتصادقنا خلال عملنا في تلفزيون دبي بدأت اسمعه من جميع المواطنين السوريين الذين التقيت بهم هنا في أمريكا واستطيع ان اجزم انه ومن بين مائة سوري تحدثت معهم بخصوص هذا الامر فان 99 واحدا منهم ايد الاتهامات التي وجهها حسيب كيالي  للنظام الحاكم في سوريا .... والوحيد الذي شذ هو مواطن سوري تبين ان زوج اخته  يعمل مستشارا اعلاميا في قصر الرئيس وقد علمت انه يستغل هذه العلاقة في ارهاب السوريين الذين يعيشون في امريكا ... وابتزازهم .

* لا اظن ان صديقي المرحوم حسيب كيالي " ابو محمد " قد ابتكر حكاية ان الحزب الحاكم في سوريا قد انتصر في كل حروبه مع اسرائيل - التي خسرها عسكريا - بدعوى ان الهدف من الحروب كان اسقاط الحزب وبما ان الحزب ورئيسه لم يسقطا فان سوريا اذن هي التي انتصرت على اسرائيل  حتى لو طارت الجولان كلها ... هذه النظرية العجيبة شاهدتها من قبل في مسرحية " ضيعة تشرين " لغوار الطوشة .... ويبدو ان عقلية وزير الخارجية السوري لا زالت حتى اليوم تستمد فلسفتها في الصراع مع اسرائيل من مسرحيات ومسلسلات " غوار الطوشة " ومن المؤكد ان مصطفى طلاس وزير الدفاع والذي يعلم بالغارات الاسرائيلية على دمشق - مثلنا - من الاذاعات يشبه طيب الذكر " ابو عنتر " القبضاي النصاب في مسلسلات غوار الطوشة انفة الذكر .

* الغارة الاسرائيلية الاخيرة على دمشق والتي تكتمت سوريا عنها ولم تكن ترغب بالاعلان  عنها لولا ان اسرائيل اصدرت فيها بيانا  اعاد طرح عشرات الاسئلة التي تبدو لغزا مبهما والتي يتم الان تداولها في كل الصحف ووسائل الاعلام والصالونات والمقاهي والبيوت في طول العالم العربي وعرضه ... ونحن نجمع ونلخص هذه التساؤلات ونضعها امام القيادة السورية بشكل عشوائي فقد تنظر فيها ... وتجيب عنها لتريح مواطنيها  وتستريح حتى لا تظل هدفا للاتهامات وعمليات التشويه والتشكيك والتخوين التي يطلقها السوريون قبل غيرهم وان كانوا يفعلون ذلك وراء الجدران خوفا من طيب الذكر " ابو كلبشة "..... وهذه جردة بهذه الاسئلة فهل من مجيب ؟

* اولا: ثلاثة ارباع الكتب التي تصدر في سوريا هذه الايام تحمل اسم وزير الدفاع " مصطفى طلاس " اما كمؤلف او كناشر او ككاتب مقدمة ... فهل لوزير الدفاع السوري اوقات كافية لا تتوفر مثلا لوزير الدفاع الاسرائيلي موفاز تجعله يؤلف كل هذا الكم الهائل من الكتب .... بل ويكتب قصائد غزل في الاميرة هند الفاسي بمناسبة اعياد ميلادها وهل صحيح ان الوزير - مثلنا - لم يعلم بالغارة الاسرائيلية على دمشق الا من اذاعة لندن ربما لانه كان منشغلا بكتابة قصيدة غزل جديدة بهند الفاسي ؟( انقر هنا واقرأ احدى قصائده فيها ) .

* ثانيا: وعلى ذكر مؤسسات النشر الضخمة المسجلة باسم مصطفى طلاس نسأل : سيادة الوزير بدأ حياته ضابطا صغيرا في الجيش وبمرتب محدود ومعروف .... ولو جمعنا كل مرتباته منذ اشتغل في الجيش وحتى وقوع الغارة الاسرائيلية وضربناها بعشرة الاف ضعف فانها لن تبني له قصرا واحدا من قصوره في دمشق واللاذقية وحلب عدا عنه قصوره في باريس ولن تنشر له كتابا واحدا من كتبه ومؤلفاته الكثيره فمن اين له كل هذه الثروة ؟ ارجو ان لا يقول انها من ابنته ناهد التي تزوجت مليونيرا سعوديا يكبر اباها سنا من اصل سوري وورثته بعد موته فكلنا نعلم ان المليونير كتب ثروته لابنه واعطى ناهد كمشة لا اظنها تكفي لهذا الانفاق الباذخ لابيها .

* ثالثا: لماذا لم تطلق سوريا رصاصة واحدة على اسرائيل منذ حرب تشرين اكتوبر ولم تسمح لفدائي واحد سواء كان سوريا او فلسطينيا او لبنانيا بعبور الحدود الى الجولان ومع ذلك ارتكب الجيش السوري السبعة وذمتها في لبنان وسجل انجازات عسكرية رائعة في مخيم " تل الزعتر " حين اباد المخيم وطمره على من فيه وهو ما لم يفعله شارون في صبرا وشاتيلا .... ولم تبز انجازات الجيش السوري في تل الزعتر الا انتصاراته الكاسحة في جبهة " حماة " التي قادها البطل المغوار رفعت الاسد الذي ينتشر فضائيا هذه الايام مع اولاده في اوروبا ؟

* رابعا:  اسرائيل في حالة حرب مع سوريا .... وسوريا في حالة حرب مع اسرائيل .... ومع ذلك تجد في اسرائيل برلمانا منتخبا ... ورئيس وزرائها ينتخب ايضا وقد ذوب مصطفى طلاس اكثر من عشرين وزيرا للدفاع في اسرائيل تغيروا في عهده بينما ظل هو صامدا كوزير دفاع ويبدو انه سيظل كذلك الى ان يفتكره ربنا بمعرفته .... سؤالنا - وسؤال الاخرين هو - لماذا لا يكون لدى سوريا "برلمان منتخب" ايضا( لا تقولوا لي مجلس الشعب حتى لا افرط من الضحك ) ... ولماذا لا يتم انتخاب رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ولماذا لا يتم اطلاق الحريات كما هو الحال في اسرائيل  وكيف سيثق المواطن السوري بصلابة دولته وهو يراها ترتعد خوفا من جريدة مثل جريدة " الدومري " فيغلقها وكأنها جريدة اسرائيلية معارضة !!

* خامسا:  اسرائيل في حالة حرب مع سوريا وموازنتها تذهب كلها تقريبا للدفاع ومع ذلك فان دخل المواطن الاسرائيلي يعادل دخل مائة مواطن سوري .... صحيح ان الولايات المتحدة تدعم اسرائيل ماليا ولكن الصحيح ايضا ان مزاريب دول الخليج تصب منذ ثلاثين عاما في جيوب المسئولين السوريين بدليل ان اصغر مسئول سوري " كبير " يمتلك تشكيلة من سيارات المرسيدس الشبح لا يمتلكها جورج بوش شخصيا !! والقصور التي يبنيها هؤلاء في دمشق وحلب واللاذقية من الحجر الاحمر الخالص تعتبر تحفة معمارية بحد ذاتها في حين ان رئيس وزراء اسرائيل السابق " نيتنياهو " كان ولا يزال يسكن في شقة مستأجرة .... فلماذا اذن لا يتم رفع اجر المواطن السوري حتى يعيش بكرامة ؟ نحن طبعا لا نطلب ان يصبح مرتب الموظف السوري الف دولار مثلا .... ولكن على الاقل لا يجوز ان يقل مرتب الموظف في سوريا التي تجمع المليارات من دول الخليج عن مرتب الموظف في افقر دول افريقيا الموغلة في التوحش .... مرتب الخمسين دولارا هذا للموظف الجامعي ... ومائة دولار لاستاذ الجامعة لم يعد معمولا به الا في سوريا بخاصة وان تكاليف الحياة في دمشق تزيد في بعض جوانبها عن تكاليف الحياة في واشنطن .... وسعر وجبة كباب في مطعم ابو كمال في دمشق لا يستطيع ان يدفعها الا واحد من اثنين .... موظف سوري " حوش " ثمن الوجبة على امتداد سنة كاملة .... او موظف سوري " يرتشي " في عمله .... وهذه النوعية هي الغالبة وهم معظم زوار وزبائن مطاعم الخمس نجوم في سوريا .

* سادسا:  سوريا دولة زراعية .... والمواطن السوري في عهد الاستعمار الفرنسي وحتى في عهد شكري القوتلي كان مكتفيا ذاتيا من حيث احتياجاته من الفواكه ولحوم الخرفان والدجاج والبط والوز وكانت اسواق الخضار في سوريا من المعالم السياحية لكثرة ما فيها من انتاج زراعي منوع ومثير للدهشة .... فما الذي حدث في سوريا وجعل زر " البندورة " اندر من الكبريت الاحمر ؟

* سابعا:  من المسئول عن ادخال سيارات وموتورات سوزوكي الى سوريا وفرضها على الناس حتى اصبحت اصوات موتورات سيارات ودراجات سوزوكي المزعجة علامة مميزة في المدن السورية ... واصبح المواطن السوري يبني فوق دراجة سوزوكي قفصا فيحولها الى " باص " والى " شاحنة " لان استيراد الباصات والشاحنات والماركات المحترمة من السيارات كان ممنوعا لان وكيل " سوزوكي " فرضها بمازوتها المقرف وصوتها المزعج وشكلها المضحك على الشعب السوري .... وكان يبيع " الموتور " بسعر يمكن ان تشتري به - هنا في امريكا - خمس سيارات شوفورليه اخر طراز .

* ثامنا:  كيف سيواجه الجيش السوري الجيش الاسرائيلي في حرب حديثة تعتمد على التكنولوجيا .... ودخول جهاز الفاكس الى سوريا - مثلا - كان مشروطا بموافقة جهاز المخابرات وكان على التاجر السوري الذي يرغب باستخدام جهاز فاكس ان يدفع رسما سنويا يصل الى الف وخمسمائة دولارا .... وعلى ذلك قس .... فالمواطن السوري الذي مرتبه الشهري خمسون دولارا كيف سيدخل عالم الانترنيت مثلا وثمن اهمل جهاز كومبيوتر في دمشق يصل الى الف دولار ؟

* تاسعا:  شخصية المخبر التي قدمها غوار الطوشة في مسلسلاته وشخصية الشرطي ورجل الامن " ابو كلبشة " لا زالت موجودة في سوريا وان تطورت اساليبها .... فالمواطن السوري يحاسب على كل كلمة يقولها .... ومنهم من يحاسب على احلامه .... ودخول المواطن السوري الى " مجلس الشعب " لن يعفيه بدليل ان سجن المزة يستضيف اعضاء في هذا المجلس تجرأوا على " الكلام " .... والكلام في سوريا ممنوع الا اذا كان في مجال المديح وكتابة القصائد وتطريز المقالات في جرائد الحزب .... فكيف ستتم تعبئة الشعب السوري ضد العدوان الاسرائيلي اذا كان سفير سوريا في اسبانيا قد ارتكب جريمة لمجرد انه رمى كلمة لاجهزة الاعلام في اوروبا " هدد " فيها بالرد على العدوان الاسرائيلي فاستدعي الى دمشق .... ويقال انه الان في بيت خالته في " المزة " ؟

* عاشرا:  اذا كانت سوريا " ليست عاجزة عن خلق" رد رادع " كما قال وزير خارجيتها .... واذا كان هذا " الرد الرادع " لا يظهر والطائرات الاسرائيلية تحلق فوق بيت الرئيس السوري فمتى اذن سيظهر " الرد الرادع " .... وهل سننتظر حتى يصل شارون بدبابته الى سوق الحميدية ليأكل بوظة في محلات بكداش !!

* وأخيرا... هناك اتهامات صريحة توجه الى سوريا من قبل مواطنين سوريين ومنهم من كان يحتل مناصب قيادية في الحزب الحاكم ملخصها ان سوريا لا تريد عمليا تحرير الجولان او حل القضية الفلسطينية لانه باسم هذه وتلك سيظل الحكم في سوريا يبرر احكامه العرفية بوجود احتلال يحتاج الى اجراءات عرفية لمواجهته .... بدءا من كتم انفاس المواطن السوري وتجويعه .... وانتهاء بملء السجون بكل من يتجرأ على فتح فمه بحجة ان فتح الفم في ظل وجود احتلال هو الخيانة بعينها  ... فهل هذا صحيح ؟