كتب السرقة الأدبية: هل سيقيس الفقهاء حكمها بسرقة الدينار والدرهم؟
رشيد الخيُّون
كاتب عراقي مقيم في لندن
عن موقع ايلاف

 


كتبت عدة رسائل إلي علماء الدين الإسلامي علي مختلف مذاهبهم السبعة: الشيعي الإمامي، الحنفي، الشافعي، المالكي، الحنبلي، الشيعي الزيدي، والإباضي. استفتيتهم فيها بحكم ديني في السرقة الأدبية والعلمية. ففي تاريخ البلاد العربية والإسلامية لم يقف حرامي الحروف في قفص اتهام، مثلما يقف حرامي البقر والدينار والدرهم. ولحد الآن استلمت فتوة واحدة، وكتب لي آخرون أن فيها تعقيدا فلا بد من الدراسة والتريث، لأن لم يأت نص صريح في القرآن والسنة النبوية حولها، وآخرون سيتأخرون لزحمة طلبات الفتوي علي مكاتبهم، مثل آية الله محمد حسين فضل الله. جاء في الفتوي الوحيدة: بسمه تعالي..رغم أن مصطلح السرقة بالوصف القانوني قد لا ينطبق علي القضية المذكورة أعلاه، فإن أخذ نتاج الآخرين، ونسبته إلي مَنْ أخذه خيانة واضحة، ومخالفة صريحة لآداب المعاشرة والاعتراف بسلطة الكاتب والمؤلف، والشاعر ونحوهم علي نتاجهم الفكري والأدبي. بل ربّما كانت هذه العملية أشد علي صاحبها من اختطاف ولده الصلبي، ونسبته إلي غير أبيه. ومن الواضح أن الخيانة محرمة في الشريعة الإسلامية. وإذا استفاد (السارق) من هذه العملية فلا يبعد أن يكون مسؤولاً عن التعويض، والله العالم (سلخ جمادي الأولي 1423).
قرن المفتي السرقة الأدبية بسرقة الولد الصلبي، فكم هي خطيرة إذن؟ دون أن يعطي حكماً فيها، والتعويض قد لا يكفي حكماً وعقوبة. ربما لأن الحكم قانون، وصياغة القانون الفقهي أو الرسمي تحتاج إلي إجماع ومداولة ومراكز مخولة. فالكتب المقدسة من شريعة حمورابي وقبلها شرائع السومريين و الكنـزاربا كتاب الصابئة المندائيين، و الجلوة و مصحف رش كتابا الإيزيديين و إنجيل بوذا والكتاب المقدس بعهديه، القديم والجديد، والقرآن الكريم، وكتابا البابية البيان (منتصف القرن التاسع عشر) والبهائية كتاب أقدس (نهاية القرن التاسع عشر) وكتب الأحبار و فقهاء المسلمين، شيعتهم وسنتهم لا تجد حرفاً واحداً يدين حرامية الحروف، بعقوبة تعزير أو توبيخ أو زجر أو أي من أشكال النهي والردع، مع أن الكلمة أنفس كثيراً من الذهب والفضة والدرهم والدينار، فبمن يفسر هذا السكوت المطبق عبر التاريخ؟
فإن كان عذر الأولين، في عهود الرقم الطينية والكتاب المنسوخ باليد، أنها زلة قلم يحل الناسخ محل المؤلف أو المصنف، فبمن يفسر سكوت الفقهاء في عهد الكتاب المطبوع، ولو يطلع القارئ علي كتب تفسير القرآن والفقه المعاصرة سيحبس نفسه عن قراءة بعضها، لأنها استنساخ حرفي من التي سبقتها، ومع ذلك لم يتكلم أحد عن سرقة فكرية. وكذا الحال في كتب الملل والنحل، والسيرة النبوية والتاريخ العام، لكن الأولين احتفظوا بأصول التأليف، وإن كانوا لم يفقهوا استخدام أرقام الصفحات في تصانيفهم إلا أنهم كانوا يذكرون اسم المؤلف المتفضل عليهم، فأكثرَ الجاحظ من ذكر أرسطو وكتابه الحيوان وأكثر المؤرخون من ذكر الطبري ومحمد بن حبيب، وأكثر أصحاب السير من ذكر محمد بن إسحاق وابن هشام، بينما أمتنع آخرون من الاعتراف بفضل غيرهم، لأن الأمر يتعلق بنهب الكتاب كاملاً، وهذا ما فعله سعد الأشعري (القرن الثالث والرابع الهجريين)، إذ أدخل كتاب فرق الشيعة للنوبختي (القرن الثالث الهجري) كاملاً في كتابه المقالات والفرق بعد أن غيب اسم مصنفه، ومع ذلك وجد المعاصرون حيلة لستر هذه السرقة فأخذوا يذكـرون كلمات وحروفا ميزت ما بين المصنفين، وهي بالغالب حروف جر وعطف وعبارات استدراك.
لكن الكتب المقدسة اهتمت بحفظ حروفها، وحذرت بالعقاب الصارم من تحريفها أو انتحالها، مع أنها متواردة النصوص والأفكار حسب التقادم، فجعلت الله حامياً لكلامه من يد الإنسان، فقد ورد في التوراة لا تزيدوا كلمة علي ما آمركم به ولا تنقصوا منه، حافظين وصايا الرب إلهكم (سفر تثنية الاشتراع)، وجاء في القرآن الكريم إنا نحن أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون (سورة الحجر)، ومع ذلك تحدث القرآن كثيراً عن تحريف التوراة و الإنجيل بعد الخلاف مع الملتين، وأنها ليست التوراة التي كتبها الله بيده مثلما ورد في الحديث النبوي: إن الله خلق آدم بيده، وخلق جنّة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وأنزله عليه (شهرستاني، الملل والنحل، 2ص211). و الإنجيل ليس هو الإنجيل الذي أنزله الله علي عيسي بن مريم.
ومع أن سرقة الشعر أو ما عرف بالإغارة كان غير محمود من زمن الجاهلية وحتي عصرنا الحالي، وموصوف صاحبه بالسارق إلا أن الشرائع الدينية السابقة واللاحقة جعلت حفظ الكلمة أو الفكرة من حق كلام الله فقط، ولم تُسن للبشر شريعة أو قانوناً، لا في الوصايا العشر اليهودية ولا في سورة النور و التوبة وكل النصوص القرآنية التي عنيت بالأوامر والنواهي لكبح حرامية الحروف وتطفـــلهـم علي إبداع غيرهم. فلو لم يتحدث الأقدمون عن السرقة وذموها أســــوة بسرقة الأموال ومتعلقات الناس المادية، وعدوها شراً، فما معني قول الشاعر المقتول والشريد طرفة بن العبد (القرن السادس الميلادي):
ولا أغيرُ علي الأشعار أسرقُها
عنها غَنيتُ وشرُّ الناس مَنْ سرقا
وربما جعل خلو الشرائع الدينية من قانون يحمي المال الفكري المؤرخ أبا الحسن المسعودي (ت346هـ)، يستهل ويختم كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر ، بالتحذير الآتي: من حرف شيئاً من معناه، أو أزال ركناً من مبناه، أو طمس واضحةً من معالمهِ، أو لّبس شاهدةً من تراجمه، أو غيّره أو بدله، أو أنتخبه أو أختصره، أو نسبه إلي غيرنا، أو أضافه إلي سوانا، فوافاه من غضب الله، وسرعة نقمته وفوادح بلاياه، ما يعجز عن صبره، ويحار له فكره، وجعله مثلةً للعالمين، وعبرة للمعتبرين، وآية للمتوسّمين، وسلبه الله ما أعطاه، وحال بينه وبين ما أنعم به عليه من قوّة ونعمة مبدع السموات والأرض، من أي الملل كان والآراء، إنه علي كل شيء قدير، وقد جعلت هذا التخويف في أول كتابي هذا وآخره (مروج الذهب: 1ص19و5ص301).
وإن اكتفي المسعودي تضمين مروجه التخويف الآنف، فآخرون دفعهم قلقلهم إلي دفن أو إحراق كتبهم أو رميها بالماء، وقد أعتبر ابن الجوزي (ت597هـ) هذا العمل من تلبيس إبليس (الكتاب). وقال أبو حيان التوحيدي، وهو يهم بإحراق كتبه: فلي في إحراق كتبي أسوة بأئمة يُقتدي بهم، ويؤخذ بهديهم، ويُعشي إلي نارهم، منهم: أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد في ظاهر، وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض (الكيلاني، رسائل التوحيدي). ولكن ليس كل مَنْ أتلف كتبه كان خشية من تحريفها أو سرقتها، فمنهم من اكتفي بعلمه منها، أو خاف من الملامة وسوء الفهم، أو لم يجد من يعتبر بها.
ظهر أدب السرقات مبكراً، بداية من القرن الثالث الهجري، وإن كانت بوادر هذا النوع من الأدب معروفة منذ العصر الجاهلي، مثلما أتضح في قول طرفة بن العبد، وما قاله القاضي الجرجاني(ت366هـ): السرق أيدك الله داء قديم، وعيب عتيق، وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر، ويستمد منه قريحته، ويعتمد علي معناه ولفظه، وكان أكثر ظاهراً كالتوارد (الوساطة بين المتنبي وخصومه)، وعدَّ أبو الفرج النديم (ت375هـ) من كتب أدب السرقات: سرقات البحتري من أبي تمام و سرقات الشعراء لابن طيفور(ت280هـ)، و السرقات لابن المعتز (ت 296هـ) وغيرها. وشغلت سرقات المتنبي (354هـ) كُتاب القرن الرابع الهجري. فصنف محمد بن الحسن الكاتب (ت388هـ) الرسالة الموضحة في ذكر سرقات أبي الطيب المتنبي ، والحسن بن علي بن وكيع(ت393هـ) المنصف في نقد الشعر وبيان سرقات المتنبي .
ولم يتوقف التأليف في سرقات المتنبي عند ذلك القرن، فألف أبو سعد العميدي (ت433هـ) الإبانة عن سرقات المتنبي ، وأعتبر أشعاره منسوخة كافة، وعاب علي أنصاره فتنتهم بمعانٍ مسلوخة، علي حد زعمه، أما ابن بسام النحوي (ت542هـ) صاحب سرقات المتنبي ومشكل معانيه ، فعده سارقاً من خمسين شاعراً. غير أن القاضي الجرجاني برر سرقات المبدعين الكبار من وزن المتنبي بالبيت الآتي:
وإذا أراد الله نشر فضيلة
طويت أتاح لها لسان حسود
لكن الشعر غير النثر، قد تجوز فيه الإغارة، بمعني السلب، لذا أغار صفي الدين الحلي (752هـ) علي ما قاله ناصح الدين الأرَّجاني (ت544هـ) في الشمعة (نهاية الأرب):
صفرٌ غلائلها حمرٌ عمائمها
سودٌ ذوائبها، بيضٌ لياليها
فأنشد الحلي:
بيض صنائعنا سود وقائعنا
خضر مرابعنا حمر مواضينا
ليقترن ما أنشده لنفسه بأول علم عراقي بعد جلاء العثمانيين والبريطانيين عن بغداد، وأن ينشد تلاميذ المدارس هذا البيت للحلي وينسخ وجود الأرجاني تماماً. وأن يغيّر الشاعر الشريد عبد الأمير الحصيري (ت1978م) علي بيت شاعر الخوارج في العصر الأموي الطرماح:
إذا قبضت نفس الطرماح اخلقت
عري المجد واسترخي عنان القصائد
ليستولي عليه بقوله:
وأن ذهبت نفس الحصيري اخلقت
عري الشعر واسترخي
عنان القصائد
هذا في الشعر، الذي تنتشر عيونه سريعاً في الآفاق، ويجوز له ما لا يجوز لغيره من فنون الأدب، فليس هناك من بلوي تبريرية مثل بلوي الضرورة الشعرية . أما النثر فانتشاره كان محدوداً، ونصوصه مقيدة، ويمكن للسارق أن يختفي وراء الألفاظ بسهولة، لذا قلت التهم الموجه للناثرين. مع أن سرقات النثر تفوق سرقات الشعر بكثير، ومَنْ أعترف بفضل الآخرين ولو بإشارة عابرة لم يعد آنذاك سارقاً، وأحياناً قد يعذر المستفيد من عدم الاعتراف بصاحب الفضل عليه. فعبد الرحمن بن خلدون (ت808هـ) شيد فصول من مقدمته علي هيكل رسائل إخوان الصفا، وكان ذنبه كبيراً لعدم إشارته إليهم بفضل أو سابقة، مثلما أعترف بفضل آخرين، أخذ عنهم الفكرة أو الرواية.
وفي عصر الفضائح الأدبية أيضاً يُنقل عن المرزباني (ت384هـ) أنه أتهم المؤرخ ابن حبيب (ت245هـ) بقوله: كان يغير علي كتب الناس، فيدعيها ويسقط أسماءهم (معجم الأدباء). بيد أن كتب المرزباني كانت خالية من هذا القول، وأن ياقوت الحموي قال في صاحب المُحبر ابن حبيب: من علماء بغداد باللغة والشعر والأخبار والأنساب الثقات ، وقال النديم: كتبه صحيحة (الفهرست)، ويبدو أن ابن حبيب، وهي أمه، ابتلي بذنب أمه فقيل كان من أولاد الزِني، فاستكثروا عليه أن يكون مؤرخاً مع أنه من مؤسسي علم التاريخ الإسلامي.
هل ينظر الفقهاء في حماية المال الروحية أو الفكري، المكتوب بالعربية، فيقفوا أمام ظاهرة السرقة العلمية والأدبية، فلا رأي للفقه في سارق الحروف، ولا قياس لهذه القضية ذات الآثار السلبية علي العقول بمقاس سرقة الدرهم والدينار ومواد الكتابة، مثل الحبر والقلم، فإذا كانت هذه المواد محروسة بقطع اليد أو الحبس فلماذا لا يرقي الفقه لحفظ إنتاجها وهي الكتابة والأفكار المخطوطة.


مؤخراً وفي مجال محدود الاهتمام وهو مجال الأديان عثرت علي عدة سرقات، الواحدة تتقدم علي الأخري في غفلة السارق، منها كتاب المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني اليزيديون في حاضرهم وماضيهم الذي سطا عليه الدكتور السوري محمد ألتونجي ليظهر في طبعتين (الكويت 1988، بيروت 1999) تحت عنوان اليزيديون واقعهم وتاريخهم ومعتقداتهم ، وألتونجي، الذي معني أسمه بالعربية الذهبي(!) كان أستاذاً في عدة جامعات عربية وآخرها جامعة حلب، إذ يتولي مهام رئاسة قسم الجغرافية فيها، ويدعي أنه حصل علي كتبه التي بلغت (110) كتب، علي أوسمة وجوائز عالمية من الهند إلي روما وبنغازي (الشرق الأوسط 21/8/2001).

 و السطو الآخر قام به كاتب وناقد عراقي ورئيس تحرير مجلة فنون ببغداد محمد الجزائري، وقيل عنه أنه مستعد أن يكتب كتاباً يستغرق 600 صفحة! وقال رئيس تحرير جريدة كان يكتب فيها، أنه يوثق مقالاته بمصادر فرنسية وإنكليزية وهو، علي الأغلب، لا يعرف اللغتين لا قراءة ولا كتابة ولا محادثة، ومع ذلك شق طريقه في عالم الصحافة والنقد الأدبي وترأس تحرير مجلة واستقبلته إحدي الصحف الخليجية ليكون محرراً فيها. والكتاب عبارة عن فصول أغار عليها من كتابين مترجمين إلي العربية الصابئة المندائيون لليدي دراوور، و النشوء والخلق في النصوص المندائية لكورت رودولف، وصفحات كاملة أيضاً من كتاب ثالث هو الصابئة لغضبان رومي، نشر هذا الكتاب المعهد الملكي الأردني للدراسات الدينية (2000)، وقد أخبرنا الباحث كمال صليبي، مدير المعهد، أنه سيجري تحقيقاً في الأمر، وان الكتاب لن يطبع طبعة ثانية، لكن لجنة مختصة أوصت بطبعه أول الأمر لتوسط جماعة، وحين سئل محمد الجزائري عن الامر في (الشرق الأوسط 2001/12/18) أجاب بالقول: أترفع عن الدخول في مهاترات جانبية خاصة خارج العراق ، وهو الآن بين نخبة الصحفيين العرب في أبوظبي ولا يفوت موسم إلا ويلقي محاضرة أو يحظي بمقابلة صحافية.؟ ونحن ننتظر من المعهد الملكي الأردني أن يصدر بياناً يوضح فيه هذا الأمر، ولا يكتفي بطبعه طبعة ثانية.


حادثة أخري لم تعد غريبة إلا أن صاحبها تخلي عن الاقتباسات والضوابط البحثية التي التزم بها مَنْ انتحل منهم، فقد صنف الأستاذ الجامعي والدكتور المصري المتخصص عبد المنعم حنفي موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية التي استغرقت (759) صفحة أصدرها بلا هامش ومصدر اقتباس، وأن موسوعة الفرق الإسلامية محمد جواد مشكور المترجمة عن الإيرانية التي غرف منها الدكتور حنفي بلا رحمة كانت في مقدمة المنسيين.
وكل هذا والشرائع السماوية خالية من تشريع يكبح جرائم الانتحال الفكري، فالفقهاء صامتون وحرامية الحروف يتكلمون.
وفي الختام تجدر الإشارة إلي صرخة السريّ الرفاء (ت362 أو366 هـ)، صاحب موســـوعة المحب والمحبوب والمشمــــوم والمشروب ، وكان متألماً من حرامية حروفه الأخوين محمد بن هاشم وسعيد بن هاشم الخالديين فقال:


باعا عرائس شعري بالعراق فلا
في جحفل من شنيع الظلم جرار
والله ما مدحا حياً ولا رثيا
ميتاً ولا افتخرا إلا بأشعاري.