القرضاوي يهدد فرنسا
وحجاب الشفرة ترف ديني
جمال أبو شادي

abushadijamal@hotmail.com



كثر في الآونة الأخيرة الحديث والكتابة والتصريحات والمقابلات عن الحجاب وموقف الحكومة الفرنسية من منع الرموز الدينية ومن ضمنها الحجاب ومنعه فقط في المدارس وليس في كل نواحي الحياة في فرنسا.

وآخر ما جادت به قريحة الشيخ يوسف القرضاوي هو أنه "يهدد برفع قضية في حال حظر الحجاب في فرنسا". هنا لابد من وقفة وكلمة تقال في حق كل من أدلى بدلوه في هذا الموضوع وذلك من خلال تحليل للشخصية العربية - بناءاً على رد الفعل العنيف في موضوع الحجاب كما وصفها وحددها بعض علماء النفس:

الشخصية العربية شخصية إنفعالية، درامية تُسقط كل مشاكلها على الآخرين. هذه الشخصية الإنفعالية صوتها عالٍ ودرامية لأنها شخصية غير ناضجة عاطفياً وفكرياً، شخصية طفيلية لا تستطيع الإعتماد على نفسها، وعدم النضوج العاطفي والفكري يجعلها أكثر تمركزية حول ذاتها من تمركزها حول مشكلاتها وما أكثرها -.

هذا الكلام ليس بجديد على مثل هذه الظاهرة الصوتية العربية الإنفعالية، إنما هو مجرد تأكيد من حين لآخر لذلك الوصف وهذا التحليل. فنحن أمة فشلت في حل معظم أو قل كل مشاكلها إبتداءاً من قمة هرم المشاكل وهي السلطة والدكتاتوريات مروراً بالإقتصاد المتآكل والبطالة الى تهجير وإرهاب المواطن وحتى أبسط حقوق المواطنة في منحه بعض أساسيات ومتطلبات الحياة الكريمة والعيش بسلام في ظل عدالة إجتماعية يسودها القانون.

كل هذه المصائب والنكبات التي نعيش بها ومعها منذ سنيين بل وعقود، فلا تجد لها حلاً ولا حتى من يتكلم عنها بصوت واضح ومسموع وصريح، لا من النخبة ولا من رجال الدين والمشايخ. الخلل موجود فينا وفي كل نواحي الحياة عندنا وحتى مشكلة الحجاب في معظم الدول العربية والمنافقة إسلامياً لم تُحل بشكل جذري لحد الآن.

هذه مشكلة ليست من أولويات المشاكل ولا هي مطروحة على أجندة المشاكل الحيوية والمعقدة لهذه الامة، وهي ليست بتلك الأهمية حتى نجعل منها قضية مصيرية لكل المجتمع العربي والمسلم وينشغل بها القاصي والداني عن ما هو أهم وأخطر ولا بد من معالجته على سبيل المثال لا الحصر قضية الجدار العنصري العازل في الأراضي المحتلة وغيرها من مشاكل الجوع والفقر المدقع عداك عن حرية الرأي والتعبير الخ..الخ..الخ.

فإنشغال الكل ومن هم على وزن القرضاوي بهذا الموضوع يُأكد وبشكل قاطع على أننا أمة غير ناضجة ولا حتى واعية لمشاكلها المصيرية ونحارب في معارك خاسرة بأدوات قديمة كمن يحارب طواحين الهواء.

كنت أتمنى أن يقوم الشيخ القرضاوي و شيخ الأزهر أبراهيم الخولي - الذي صدعنا في كلامه في الإتجاه المعاكس عن العِلمانية أو العَلمانية وشرحها بأسلوب متعجرف لا يقبل نقد أحد ويستخف بكل من خالفه الرأي من محاوريه بتهديد أمريكا والضغط عليها لتسحب قواتها وقواعدها من قطر وهو موجود على أرضها، ويحث حكام هذه الدول بالإعتماد على أنفسهم في كل نواحي الحياة وعدم الإعتماد على أمريكا قبل الإعتماد على الله وطلب النُصرة من أمريكا وجعلها محمية أمريكية من دون الحماية الإلآهية. وكنت أتمنى لو أنه رد وبكل ذاك الإنفعال والحماس عندما صرح وزير خارجية قطر وبكل فخر وإعتزاز في برنامج قناة الجزيرة بلا حدود وقال: إن قطر تعتمد في حمايتها على هذه القواعد وهي تحترم العهود الموصولة مع إمريكا والمقطوعة مع الله وشرعه. العهود والمواثيق والقوانين الأمريكية لابد من إحترامها وعدم المساس بها، أما القانون الفرنسي في منع الرموز الدينية في المدارس لابد من محاربته وتغييره ووضع حد للتعسف الفرنسي في بلادهم والتهديد برفع قضية على فرنسا إن لم تكف عن هذا المنع وعلى ما أظن أن القرضاوي نفسه قد أفتى في إحدى حلقات الشريعة والحياة، بأنه يجوز للمرأة التي تعيش في الغرب ويمنعها رب العمل من وضع الحجاب أن تخلعه أثناء العمل وأن ترتديه بعد الإنتهاء منه، فلماذا لم يفتى كذلك لطالبات العلم في فرنسا؟ عندها لما إحتجنا لكل هذا التهديد وذاك الوعيد وعلى ما أظن أن ذلك كله لن يفيد.

قبل أن نحاكم فرنسا على قرارها، علينا أولاً أن نهدد بمحاكمة كل من أجرم في حق هذه الأمة ودمر مقدراتها وجعلها عرضة للنهب والسلب، قبل أن تحاكموا فرنسا على قرارها حاكموا وحاسبوا حاكم دبي في قراره بدفع 40 مليون درهم لكل ضابط شرطة أقاله من منصبه كمكافئة على إنهاء خدماتهم الجليلة في خدمة الشرطة للشعب، لماذا لم يحتج أحد من علماء الدين ولم يقل له أحدهم من إين لك هذا ولماذا تدفع لهؤلاء وليس لمن جارت عليه مصائب الدهر وهاجر أو هُجّر الى فرنسا وغيرها لكسب قوته وقوت عياله.

لماذا لا يحاسب ويهدد بالمحاكمة مثل هؤلاء وغيرهم على هدر أموال المسلمين والتي كان من الممكن أن تساهم وغيرها من الأموال المهدورة في بناء حياة أسلامية نموذجية لكل من هو موجود في بلاد الغرب الفاسق، وعندها يقوموا بوضع الحجاب كما يحلوا لهم في بلادهم ولن تستطيع فرنسا ولا أمريكا فرض أية قوانين عليهم تتعارض مع أفكارهم ومبادئهم.

عندما تفكر بكل ما حدث خلال هذه الفترة القصيرة من تصريح وزير خارجية قطر بأن الحماية من أمريكا وليس من الله وعهود أمريكا أقوى من عهود الإسلام وإعتمادهم على أمريكا بدل الإعتماد على الله، وعندما ترى وتسمع تصريح حاكم دبي بصرف مبلغ 40 مليون درهم لضابط شرطة متقاعد ربما لم يطلق رصاصة واحدة على عدو، وعندما تقرأ تهديد القرضاوي بمحاكمة فرنسا في عُكر دارها ولا يهدد بعدم جواز قيام المكتب الإسرائيلي والقواعد الأمريكية على أرض قطر. أقول عندما ترى وتسمع وتقرأ كل هذه الأمور وغيرها الكثير الكثير مما يحدث على الساحة العربية والإسلامية، وتجد بعد ذلك أنه لا همَ لنا ولا حديث سوى حجاب المرأة وكيف نحجبها أو ننقبها وما هي الطرق المثلى في التحجيب والتخفي.

واصبح الكل يناقش طبيعة الحجاب من حيث الشكل والمظهر لا من حيث المضمون والجوهر، والهدف من الحجاب لم يعد واضح في خضم هذه المعركة المصيرية، والعلة تمركزت فقط في وضع الحجاب أو منعه ولا أهمية لمن تلبس الحجاب فيما إذا كانت مقتنعة أم غير مقتنعة، واعية أم غير واعية، متعلمة أم جاهلة، مثقفة أم أمية، لها رأي يجب إحترامه أم لا رأي لها، كل ما سبق لا يهم المهم في الموضوع الشكل والقالب وليس المضمون والحشوة.

المشكلة أني لا أعرف عن أي حجاب يتكلمون فالحجب كثيره والضباب الفكري في هذا الموضوع أكثر وأكثف ومن خلال متابعتي لامور الحجاب وجدتُ نفسي محتاراً في ماهية وطبيعة الحجاب الأمثل:

فهل الحجاب الأمثل هو حجاب الفنانات والراقصات اللواتي تحجبن حديثاً وحصلن على وظائف عمل في فضائية إقرأ أم هو حجاب مقدمات البرامج في إقرأ على شاكلة مقدمة البرنامج المأساوي " قبل أن تحاسبوا "، فحجابها برأيي أنه نوع من أنواع الترف الديني وأحد مظاهر النعمة على عباده المتميزين وخاصه أنه لا يقل في صرعته عن أحدث ما توصلت له صرعات الملبوسات في دور عرض الأزياء الفرنسية مثل "شانيل"، فهي من قمة الرأس وحتى أخمص القدم تلبس حجاب له مواصفات ومقاييس فرنسية.

فغطاء الرأس له عدة قطع وعدة ألوان مثل عصفور الجنة لابد من تناسقها مع ألوان الميك أب في منطقة الوجه، فظل العيون لابد أن يكون واحد من ألوان غطاء الرأس وأحمر الشفاه على لون القندرة ولون الجزدان على لون التنورة ولون النظارة شبيه بلون الإكسسوارات إكسسوار لغير المتحجبات معناها كمية الخواتم والأساور وبعض الخراخيش والدنديش المتناثرة هنا وهنا- وبعد هذا كله كيف لنا أن نحتج على فرنسا ونحن نستورد كل قطع الحجاب ومستلزماته من عندهم. والأغرب من ذلك أن هذه السيدة تقدم برنامج كله لناس غلابه ليس بمقدورهم حتى لو أرادوا التحجب لما إستطاعوا الى مثل هذا سبيلاً.

وأما حجاب مذيعة الجزيرة فحدث ولا حرج وكما قيل فقد أصبحت أكثر إثارة بعد الحجاب ولا زالت تستخدم المساحيق الباريسية للوقار فقط وليس للزينة.

ومن لا يقبل بمثل هذه الحجب يُنصح بحجاب دول الخليج، فهو أكثر سواداً من غيره وأقل بقع من حيث الغسيل. ولا يظهر من المحجبة سوى العيون، ولأن حديث العيون ذو شجون، فأنك وبالنظر غير المقصود طبعاً الى تفاصيل تلك العيون لايمكن لك إلا أن تصطدم بكمية هائلة من المكياج الفرنسي مجتمعة بقدرة قادر في هذه المساحة المحدودة والمفتوحة فقط للنظر وليس للزينة لا سمح الله. وبهذا ينقلب هدف الحجاب الفعلي من عدم الإبهار والإغواء والفتنة الى حب الفضول والنظر والتمحيص في هذا المكان وما تُخفي هذه العيون.

أما في نظر المتشددين، فكل ما ورد سابقاً من أشكال وألوان وموضات الحجاب، هي حرام ولا بديل لهم عن النقاب وهو اللباس الأسود الكامل والمعتم كلياً وهذا النوع من الحجاب يطلق عليه المشفر وتكون المرأة هنا مشفرة بالكامل لا تفك شفرتها إلا بكود معين.

وهناك رأي عاشر كما هو معروف في مثل هذه القضايا، وهو حجاب طالبان الأفغاني وهو حل وسط بين حجاب دول الخليج والنقاب المشفر، بحيث تكون منطقة حرة للعيون والفم ولكن بشباك مخزوق ومخرم بعددة خزوق، حتى تستطيع المرأة أن تتكلم من خلاله وأن تشرب من خلال مسامات الشباك بمصاصة بلاستيك، هذا في حالة الضرورة القسوى إن هي عطشت لا سمح الله أثناء الطريق.

وحتى لا يقال عني أنني أخفف دمي الثقيل في عرض هذه المشكلة منع الرموز الدينية في المدارس الفرنسية - والتي هي في ملتي وإعتقادي مشكلة، ولكنها وإن إستحقت حلاً ما، فهي بالتأكيد لا تستحق كل هذا الإنفعال والعنف والتهديد والوعيد وكأن كل مشاكل المسلمين وواقعهم المزري، ومقدساتهم المحتلة، وكل الظلم الواقع على المرأة في مجتمعاتهم، لا يستحق ولو جزء من هذه الحملة وهذه الغليان.

وحتى نكون عمليين ونبتعد عن التنظير في قضية فيها كل مواصفات اللغو و التنظير، فالعملية بسيطة وسهلة:

من وجد نفسه في فرنسا محارباً الى هذا الحد في دينه ومعتقداته، فله أن يترك دار الكفر والرحيل الى بلده، أو تغيير الواقع الموجود في تلك الدول بطرق سليمة وبالحكمة والموعظة الحسنة، أو يحاول إيجاد بدائل أخرى لحل هذه المشكلة والخروج منها بأقل الخسائر.

هذه نصيحة أخيرة لمن يفضل حل الرحيل عن تلك البلاد، عليك أن تتذكر قبل المغادرة أن هذه البلاد هي التي فتحت لك ولغيرك أبواب النجاة وسبل العيش الكريم والحرية، بعد أن أغلقت كل الأبواب في بلدك الام وأصبحت حياتك لا معنى لها هناك، ومن يحلم ويظن أن الوضع قد تغير في بلاده الآن وسوف يحقق في بلده ما قد حققه هنا فهو وآهم.