الحضارة لاتساوي حماراً

بقلم : محيي الدين ابراهيم
خاص بعرب تايمز
vob5@hotmail.com
 


في مقال سابق تحدثت عن خطأ استعانة الادارة الامريكية بخبراء اسرائيليين في محاولة منها لقمع المقاومة العراقية بسبب ما يتمتع به هؤلاء الخبراء حسب زعمهم- من خبرة وباع طويل في التعامل مع ثوار الإنتفاضة، وقلت ان الخطأ يكمن في ان الخبراء الاسرائيليين ليسوا على هذا القدر من الزعم الذي اولتهم اياه الادارة الامريكية لانهم لا خبرة لهم في الصراع الا بناء الجدر العازلة التي تقيهم ثورة مقاوميهم فقط ولعل اقرب الشواهد يتمثل في خط بارليف منذ 40 عاما والذي اثبت فشله والسياج الامني الذي يحاولون تشييدة الان وايضاً اثبت فشله لأكبر دليل على عدم جدواهم كخبراء في مقاومة حرب المدن لان منهج الصراع عندهم يتبع فلسفة استلاب الامن مقابل منح السلام وهي علاقة اشبه بعلاقات السيد والعبد وليس اشاعة السلام والامن معاً مقابل التعايش كبشر وعليه فهم أي الاسرائيليون - لم يقضوا طيلة 50 عاماً ليلة واحدة مطمئنين في صراعهم داخل الأرض المحتلة بسبب منهجهم هذا وعقليتهم تلك.

لقد دفع هؤلاء الخبراء بالجنود الامريكان داخل العراق للتقوقع داخل حواجز وسياج امنية لايبرحونها ولايخرجون منها الا تحت حماية الطائرات وقاذفات القنابل حتى ولو كان الواحد منهم خارجا من معسكره ليتبول، ومن ثم اذا كانت الادارة الامريكية قد استعانت بهؤلاء الخبراء للقضاء على المقاومة العراقية في تحدي مبالغ فيه - لمشاعر العرب والمسلمين فان المقاومين العراقيين كان بديهياً ان يستعينوا" بمنهج" الفلسطينيين " ومنهج " حزب الله في الصراع الدائر الآن ليصدوا به العقليه الاسرائيلية التي اصبح لها دوراً فعالاً في " تكتيك " حرب الشوارع داخل بغداد وخارجها وهو امر وعاه جيداً عرب فلسطين واحرزوا ضده نجاحات ووعاه رجالات حزب الله واحرزوا من خلاله استقلالاً ، ومن ثم ستكون الكفة في حالة مقارنة المنهجين - في صالح المقاوم العراقي دون شك- الذي ربما لايبغي وصولا لنصر بقدر رجاؤه في تحقيق الفوضى على الاقل داخل عقلية المحتل كما فعلها حزب الله وكما يفعلها حالياً الفلسطينيون في محاولة منه اي المقاوم العراقي - للوصول الى نفس النتيجة وهي الاستقلال او الموت بعد احلال الفوضى الى جانب دفع المحتل لأن يكفر بحضارته وتكنولوجيته التي اثبتت الاحداث الاخيرة انها لاتملك زمام الامر كما اوحى لنا تجار هذه الحضارة واوهمونا بها لنفيق ونحن نشاهد بأم أعيننا " البعبع " النووي والقطب الوحيد مجرد اسد عجوز تصطاد جنوده عربات تجرها الحمير في بغداد ويتملك زمام امره في الصراع - وان كان يرتدى العباءة الأمريكية - نفس الخصم الاسرائيلي صاحب المنهج التوسعي القائم على اذلال الشعوب.

لقد اصبح العالم المتحضر اليوم قاب قوسين او ادني من " الذل" او هو بالفعل يعيشه، مليارات الدولارات التي تنفق على السلاح والاقمار الصناعية والقنابل الذكية ثم نجد منهج حزب الله وثوار الانتفاضة هو المسيطر حتى الآن - بعد ان صارت المقاومة العراقية تستخدم نفس الحمير الذي كان يستخدمها حزب الله كمنصات لاطلاق الصواريخ والتي بعد ان يطلقوها من فوق ظهورها يتركوها تسعى الأمر الذي يجعل كومبيوترات قوات التحالف تفقد بسعيها تحديد مكان الاطلاق فتخرج طائراتهم لتقصف اماكن عشوائية وضحايا عشوائيين لايوجد بينهم " حماراً واحداً " ربما بسبب ذهابه بكل ما يحمله فوق ظهره من صواريخ الى اقرب مزرعة ليقتات منها بعد عناء يوم ثقيل مشحون بالحرب الغير متكافئة بينه وبين عساكر الاحتلال او يتم القبض عليه وهو يتجول في شوارع بغداد بالقرب من فندق الرشيد بكل مايحمله من قذائف كما لو كان يمعن كحمار أسير حرب - في التأكيد على فضيحة المحتل.

ان انفاق العالم اليوم بعد حرب العراق على الأمن وحده - وليس على الحرب - قد فاق ميزانيات نصف دول العالم الثالث مجتمعة في عام واحد ، وبالرغم من ذلك لانستشعر أمناً بل نستشعر غباءً، ولعل الرسائل " الأنتحارية" التي ارسلها منفذي عمليات الرياض واستانبول وفرنسا اثناء وقبل زيارة " الرئيس بوش " لأنجلترا تعبر بجلاء على ان بن لادن بعد عملية احتلال العراق اصبح منهجاً تمارسه جماعات كثيرة متفرقة في انحاء العالم ربما لم تحدث بينهم وبينه اي اتصالات من اي نوع سوى اتصالهم العقائدي فقط في " كره امريكا " ومن ثم فمن السهل علينا الان وبعد ان " استفزت " امريكا " بحربها على العراق وتحالفها المنحاز مع اسرائيل مشاعر اكثر من مليار مسلم ان نسمع عن عشرات من هؤلاء وهم يقومون بعمليات عسكرية تنتهج نفس منهج "القاعدة" ضد امريكا وحلفاء امريكا في بقاع مختلفة ومتفرقة من العالم يستلزم معها انفاق الآلآف من المليارات سنوياً بغية الامن العالمي وهو الامر الذي لن يحدث وسيفلس العالم دون أن يحدث وسيبقى " مايزعمون انه " ارهاباً " ماثلاً امام اعيننا وربما وجدناه يوماً بعد اشهار الافلاس واعتلاء اسنمة الغباء - يحكم العالم خاصة وقد تفوقت " حميره وبغاله " على الآله العسكرية الجبارة واخترقت انظمتها وسخرت منها، ولن يوقف زحفه - الذي تم استفزازة - سلطات العالم المتحضر مجتمعة و لن تجد هذه السلطات العالمية مفراً امامه الا ان تستنزف مقداراتها واقتصادها وتقليص حرياتها المدنية تحت زعم مكافحتة ولن تستطيع مادام اصبح منهج احتلال الامم سلوكها وبعد ان اصبح مايطلقون عليه ارهاباً - له يداً طولى في تحريك دفة السياسة العالمية اليوم شئنا هذا ام ابينا.

ليس هناك حلول وسط في زمن الفوضى، وليس هناك أمن في زمن الاحتلال، وعلى الادارة الامريكية معرفة ان " مسمار جحا " لمن تطلق عليهم "الارهاب العالمي" هو القضية الفلسطينية وعليه فليس هناك مفر إلا من حل المشكلة الفلسطينية للقضاء على الارهاب ومنح الفلسطينيين حقهم في بناء دولتهم وكذلك حل مشكلة القدس والنظر بعين المصلحة " الامنية " - ان كان العالم المتحضر يريد امنا - تجاه التحالف مع اسرائيل التي لا يرفضها العرب والمسلمون الا لكونها قائمة على اذلال الشعب الفلسطيني ورجل الشارع المسلم في شتى بقاع الأرض وهو الامر الذي لن يزول ارهابة رغم عدم جواز هذا التعبير - لمجرد مواجهته وصراعه في بلد كأفغانستان او احتلال العراق او احتلال كل الوطن العربي او حتى القبض على بن لادن ومن شابهه حيا او ميتاً لان بن لادن مجرد " حالة " سيستمر نزيفها للعالم المتحضر كله بواسطة منتهجي فلسفته سنيناً طوالاً او تعود القدس عربية لانه قد اثبت الصراع رغم عدم تكافؤ القوى وبعد اتخاذ العربات الكارو منصات للصواريخ في بغداد وماحولها ان الحضارة الانسانية بكل ماتوصلت اليه من علم وتكنولوجيا ذكية ومتطورة لاتقوى على مجابهة " حمار " ومن ثم اثبت الواقع في ارض الرافدين ان الحضارة التي نعيشها اليوم لاتساوي حماراً.

بقلم : محيي الدين ابراهيم ـ رئيس تحرير القسم الانجليزي جريدة صوت بلادي الولايات المتحدة