نسوان زايد
تأليف : د.أسامة فوزي
جميع الحقوق محفوظة
هذا بحث في التاريخ، يحاول أن يرسم ملامح دولة صنعها رجل جمع ما بين إشباع رغباته بمشاعيه لا حدود لها من ناحية وإشباع شهوته غير المحدودة للسلطة، هذه الشهوة التي جعلته يغدر بأخيه شخبوط بالتعاون مع الأجنبي ، ضاربا عرض الحائط بتعهد قطعة على نفسه أمام والدته بالولاء لأخيه الكبير وهو التعهد والقسم الذي أخذه زايد على نفسه أمام أمه الشيخة سلامة وبناء على طلب منها، ثم أدى تنكره لهذا التعهد والقسم إلى موت الأم كمدا بعد أربع سنوات فقط من تولى زايد الحكم.

فالكتاب إذن لا يهدف إلى قدح الأعراض ولا إلى التشهير بها - حاشا لله أن نفعل ذلك - وانما يهدف إلى دراسة شخصية حاكم الإمارات من خلال علاقاته المتعددة بالنساء وهى ظاهرة لا نجد لها مثيلا في تاريخ آل نهيان منذ أن ظهرت هذه العائلة إلى الوجود على يدي الشيخ عيسى بن نهيان في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.

فالشيخ المؤسس لم يتزوج إلا من امرأة واحدة أنجبت له وليا للعهد هو ذياب ، وهذا تزوج من امرأة واحدة أنجبت له (شخبوط)، وأولاد شخبوط الثمانية (بزرتهم) امرأة واحدة ومنهم - طبعا - ولده خليفة الذي تزوج هو الآخر من امرأة واحدة أنجبت له زايد الأول - جد الحاكم الحالي - فلم يطأ هو الآخر إلا امرأة واحدة هي الشيخة (سلامة) أم زايد.. لذا فان من يتتبع شجرة آل نهيان حتى جدها الأول (ياس) لن يجد حاكما واحدا مزواجا مثل زايد، الذي أنجب من زوجاته وجواريه (19) ولدا ذكرا و (17) بنتاً، عدا (الفراطة).

هذه الدراسة تحاول أن تنقل القارئ إلى قصور زايد ، وحريم هذه القصور، وأثر الزوجات والضرائر في بناء الدولة وتسيير دفة الحكم فيها، وبغير هذه المعرفة لا يمكن أن تفهم ناموس الحكم في هذه المشيخة، لأنه - على طرافته - مليء بالأسرار والأعاجيب.. والنساء.

· الحديث عن (نسوان) الحكام وسيطرتهن وتدخلهن في شؤون السياسة والحكم مباشرة أو من وراء ستار وفى دهاليز (الكواليس) ليس بدعة جديدة ولا أنفرد بالكتابة عنها، فكتب التاريخ العربي تحفل بمثل هذه الأخبار، والمدهش انك تجد في كل مفصل من مفاصل التاريخ وأحداثه التي غيرت العالم دورا رئيسا لعبته امرأة .. زوجة أو ابنة أو عشيقة أو جارية أو أما ومن ثم فإن من حق زايد بن سلطان آل نهيان أن يرد علينا بالقول: لست وحدي في هذا الموال... ونحن نوافقه على هذا، ولكن الجديد هنا هو أن أحدا من المؤرخين أو الصحفيين الذين كتبوا عن دولة الإمارات وتاريخها لم يتطرق إلى هذا (الموال) رغم انه يعزف كل ليلة في قصور الشيخ زايد (المتروسة) بالنسوان من كل لون وبشرة ولغة وفصل.

· قلب - بتشديد اللام - كتب التاريخ الإسبانية ستجدها تكثر من الحديث حول السلطانة (مادرى بو عبديل) MADRE DE BOABDIL وهى ذاتها التي ذكرها المؤرخون العرب باسم (عائشة الحرة) .. عائشة هذه هي التي نقلت مقاليد السلطة في غرناطة من يد زوجها العجوز على أبى الحسن الذي كان تولاها في عام 1461 إلى ابنها الصغير المدلل محمد أبو عبد الله آخر ملوك غرناطة الذي فرط بالحكم والدولة وتسبب باندحار دولة الإسلام في إسبانيا وأصبح بطلا وصانعا لنقطة سوداء في تاريخنا... لقد وضعت (عائشة الحرة) - مثل فاطمة بنت مبارك - مصلحة ولدها المدلل فوق مصلحة الأمة فأدت بأنانيتها إلى أبشع هزيمة في تاريخ المسلمين، فهل يتعظ (زايد) الذي لم يقرأ التاريخ - لأنه لا يحسن القراءة - من هذه الحكاية قبل أن يرضخ لزوجته فاطمة فيسلم ولدها المدلل محمد مقاليد الرئاسة والسيطرة على الجيش الذي بدأ يتعملق دون داع على حساب مشاريع التنمية، ثم يسلم ولدها الآخر وزارة الخارجية، ويعقد لولدها الثالث على دائرة المخابرات ويتوج ولدها الرابع رئيسا لوزارة الإعلام.. هل فكر زايد بردة فعل زوجاته الكثيرات وأولادهن بعد موته، على هذا الأمر الواقع الذي تحاول فاطمة أن تفرضه على زايد وهو في الرمق الأخير.. وما الذي سيمنع العقيد سيف - ولده من ابنة الخيلي - من محاصرة القصر وإسقاط النظام ومن خلفه أخواله قبائل الخيلى الذين عرفوا بالسمسرة؟ومن سيمنع زوجته (آمنة) ومن خلفها شقيقها محمد صالح بن بدوة أن تصنع صنيعها؟!

* لقد ضربت (عائشة الحرة) ضرتها بعد أن وجدت أن زوجها السلطان العجوز يميل إلى زوجته الإسبانية (ايزابيلا) وأولادها: فعملت على تحريك النزعات الإقليمية والقبلية في قصر الحمراء إلى أن نجحت في تنفيذ انقلاب عسكري أطاح بالزوج العجوز وضرتها الإسبانية الحسناء لتضع على رأس الدولة ولدها المدلل.
* لقد عمد زايد بن سلطان إلى اضطهاد بناته الكثيرات وتفضيل الذكور عليهن، فحرم (ميثاء) من حبيبها المذيع التلفزيوني الإماراتي ليزوجها - رغم أنفها – من ابن عمه سرور، الأقرب إلى العبيد منهم إلى الشيوخ، ورمى ابنته (سلامة) في حضن خصمه ولى العهد السابق سعيد بن شخبوط لتتجسس له، و (باع) ابنته الثالثة لحاكم عجمان الذي يكبرها بثلاثين عاما في صفقة سياسة أراد بها أن يحاصر شيوخ دبي ورأس الخيمة في المواجهة التي تمت بينهما في أواخر السبعينات حول الدستور المؤقت وقرار زايد بتعيين ولده سلطان قائدا للجيش.

* لقد تمردت (ميثاء) على أبيها ، فما الذي يمنعها بعد موته من التمرد على شقيقها الحاكم بخاصة وأنها أصبحت زوجة لسرور، رئيس المخابرات السابق وابن (محمد ) الطامع في الحكم.
* ألم يسمع زايد بن سلطان بقصة (ست الحسن) التي دبرت عام 1021 انقلابا على أخيها الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي السادس فقتلته لتتولى من بعده حكم مصر.. وكانت (ست الحسن) مثل (ميثاء) جميلة وطموحة وجريئة لم تجد حرجا وهى ابنة الشيخ الحاكم من التعلق بمذيع مواطن من أبناء البلد فتحبه على طريقة ألف ليلة وليلة، لكن حسابات الأب الحاكم تختلف عن حسابات الابنة العاشقة، فالزواج والطلاق عند الشيخ وسائل للسمسرة والسيطرة وتثبيت دعائم الحكم، وزواج ابنته من (مذيع) لاينسجم وخطط الشيخ ، الذي أراد السيطرة على أولاد عمه (محمد) الطامعين بالحكم، فيدس بناته في قصورهم، زوجات يعيشن حياة العنوسة تحقيقا لرغبات وطموحات الأب (المزواج).

* مات أبوها، فوجدت (ست الحسن) شقيقها الصغير المدلل أميرا على البلاد، أدخل مصر في دوامة من الرعب، فحرق القاهرة ومنع سكانها من العمل في النهار.. أمرهم بالعمل في الليل حتى يخرج بموكبه إلى الشوارع ليلا فيراها تضج بالحركة، وفرض على شقيقته الإقامة الجبرية، فدبرت لاغتياله وأصبحت ملكة من بعده.

* لقد تصارعت في غرف نوم زايد بن سلطان امرأتان على لعب دور (الخيزران) أم هارون الرشيد، الأولى الشيخة (حصة) أولى زوجات زايد وابنة عمه وأم ولى عهده (خليفة)، والثانية فاطمة بنت مبارك العتبى حبيبة قلب زايد وأم أولاده الأربعة الذين يتولون اليوم السيطرة على الجيش والمخابرات والخارجية والإعلام.

* والخيزران امرأة من اليمن قادت ووجهت الإمبراطورية الإسلامية في عهد ثلاثة خلفاء هم: زوجها المهدى ثالث خليفة عباسي وابنها البكر الهادي وابنها الثاني هارون الرشيد أحد أشهر الخلفاء المسلمين.

* لقد لعبت الشيخة (سلامة) من قبل دور الخيزران حين تآمرت مع بعض شيوخ بنى ياس على شقيق زوجها القتيل (سلطان) لتحرمه وأولاده من الحكم وتحصره بابنها البكر شخبوط وكي تضمن (سلامة) استقرار الحكم في ذريتها من سلطان جمعت أولادها الأربعة شخبوط وخالد وهزاع وزايد وطلبت منهم القسم على عهد الولاء لأخيهم الكبير شخبوط وعدم التآمر عليه، وأقسم الأربعة أمام أمهم على هذا العهد، فمات (هزاع) في بريطانيا في ظروف غامضة وكان بصحبة (زايد) وأصيب خالد بمرض نفسي وانحصر الصراع على الحكم بين (زايد) وشخبوط، وبتشجيع من نسوانه والمخابرات البريطانية تنكر زايد للقسم والعهد الذي أعطاه لأمه فانقلب على أخيه شخبوط عام 1966 لتموت خيزران الإمارات كمدا عام 1970 بعد أن أوصت بحرمان ولدها زايد من السير في جنازتها.

* لكن (خيزران) هارون الرشيد كانت أكثر حكمة، فقد اختارت ولدها هارون وفضلته على أخيه الهادي رغم انه بكرها، فاعترف لها ابنها الصغير بالفضل وجعلها بعد توليه الحكم السيدة الأولى في الإمبراطورية الإسلامية.. لم يسجنها في (قصر الحصن) كما فعل زايد مع أمه ولم يسلم القياد لزوجاته إلا بعد أن ماتت (الخيزران).

* الخيزران عربية من اليمن وصلت إلى بلاط بغداد بصفتها جارية فدخلت قصر المنصور لتصبح زوجة لابنه المهدى وتنجب له ولدين، وظلت خيزران الجارية المفضلة لدى المهدى مع أنها لم تكن المرأة الوحيدة في حياته، فقد كانت تنافسها على قلب زوجها الخليفة جارية أخرى اسمها (مكنونة) وابنة عمه (ريطة).

* كانت (ريطة) مثل (حصة) ابنة عم الحاكم ومن الأسرة المالكة، فريطة هي ابنة الخليفة السفاح مؤسس الأسرة الحاكمة، ومثلها (حصة) كانت ابنة عم للشيخ زايد ووالدها (محمد) هو الأحق بالحكم من شخبوط وأشقائها السبعة هم الذين استند إليهم زايد يوم قرر الانقلاب على أخيه وهى - بعد ذلك - أم ولى العهد (خليفة).

* لكن الخيزران - الجارية - نجحت (مثل فاطمة بنت مبارك) في الاستئثار بقلب الحاكم، فحصلت من زوجها المهدى على تعهد بتسليم الدولة لأبنائها واستبعاد أبناء النساء الأخريات كورثة شرعيين، ولا ندرى إن كان زايد قد أعطى لفاطمة مثل هذا التعهد، لكن دراسة خريطة توزيع المناصب على أولاده الـ (19) وحصول أولاد فاطمة على حصة الأسد في هذه المناصب يؤكد أن (فاطمة) قارئة جيدة للتاريخ وأنها تسعى وراء خطى جدتها (الخيزران) .. ففاطمة (لمن لا يدرى) تنتمي إلى قبيلة انحدرت من اليمن.

* لقد حصلت (الخيزران) من المهدى على اختياره ولديها وليين للعهد، ونظن من واقع ما حدث مؤخرا في الإمارات أن (زايد) بصدد تسليم ولاية العهد لابن فاطمة البكر (محمد) متجاوزا بذلك ولده من حصة (خليفة) وولده من فاطمة بنت معضد (سلطان) ولا يعدم زايد أن يجد مبررا لقراره هذا ، فخليفة مريض، وأبله، وسلطان حرقت أوراقه على الطريق الواصل بين العين ودبى حين قطع الطريق على باص يقل طالبات جامعيات من دبي فعزله والده من منصبة كقائد للجيش وأرسله إلى سويسرا للعلاج، ويقال في أوساط (الحريم) أن فاطمة هي التي رتبت الحكاية بذكاء مع سائق الباص لتبعد سلطان فيخلو الجو لابنها (محمد).

* لعلها مصادفة أن يكون اسم أم الخليفة المنصور (سلامة) وهو اسم أم الشيخ زايد، ولكن أين زايد من المنصور؟!.. ذاك كان من أعظم خلفاء بنى العباس، فهو المؤسس الثاني للأسرة الحاكمة، وهذا (زايد) ليس أكثر من لقيط، جاهل، مزواج وصل إلى كرسى الحكم على يدي ضابط إنجليزي.

* وشتان ما بين (زايد) و (المهدى).. فالمهدى كان يحب أولاده وبناته من (خيزران) وبخاصة ابنته منها (بانوقة) التي أحبها لدرجة انه لم يكن يستطيع فراقها وكان يلبسها ثياب ولد كي يتمكن من اصطحابها معه في أسفاره.. أما (زايد) فتعامل مع بناته - كما أسلفنا - وكأنهن مخلوقات من الدرجة الثانية، فحرم ميثاء من حقها في أن تعيش كامرأة مع من تحبه، وضحى بسلامة من أجل طموحاته السياسية، ثم باع فلذة كبده لحاكم عجمان في صفقة مخجلة، وزوج الرابعة لابن عمه طحنون رغم أنها تصغر ابن طحنون (سعيد) سنا!!

* مات الخليفة المهدى فاحتلت الخيزران واجهة المسرح، فعقدت اجتماعا للوزراء ووزعت الهبات على قادة الجيش لتضمن ولاءهم، وبعثت إلى ولديها - وكانا خارج بغداد - تطلب منها العودة فورا إلى بغداد، فأخذت البيعة للهادى واستقطبت أخطر رجلين في بغداد إلى جانبها (الربيع) و (يحي البرمكى)، لكن الهادي بدأ يتوجس خيفة من سلطة أمه المطلقة فحاول تحجيم دورها وحرمان شقيقه هارون من ولاية العهد بتسمية ولده (جعفر)، وجاءت المواجهة بين الخليفة وأمه يوم توسطت عنده في أمر يخص أحد قادته العسكريين فغضب الابن منها وقال لها:
(اسمعي كلامي جيدا، إن كل من يذهب إليك من قادتي أو ممن يحيط بي أو من خدمي ليتوسطك في أمر ما سوف أقطع رأسه وأصادر أمواله.. ماذا تقصد هذه الجموع التي تقف كل يوم على بابك؟ أفلا يوجد عندك مغزل يشغلك وقرآن كي تصلين.. انتبهي والويل لك إذا فتحت فمك لمصلحة أي كان).

* يقول العارفون إن مواجهة كهذه وقعت بين (سلامة) وابنها (زايد) يوم تولى الحكم عام 1966 .. كان زايد قد حنث بالقسم وتنكر للعهد الذي قطعه لأمه بالولاء لأخيه، لكنه حاول أن يرضيها بالصلاحيات الواسعة المعطاة لها، إلى أن بدأت (سلامة) تتدخل في شؤون النفط والعسكر وتميل إلى وجهة نظر (آل المكتوم) في شؤون السياسة والحكم ، فحرمها زايد من سلطاتها ووضعها تحت الإقامة الجبرية في قصر الحصن إلى أن ماتت عام 1970م.

* كانت (سلامة) تحب حفيدها (سعيد) ابن شخبوط ولى العهد السابق وتحنو عليه وتحاول أن تدفع به إلى الواجهة كولى للعهد في صفقة حاولت إبرامها مع ولدها (زايد) لحل المشكلة مع (شخبوط).. كانت سلامة تعرض على زايد الموافقة على قراره بعزل شخبوط واقناع شخبوط به شريطة أن يتم تسمية ولده سعيد وليا للعهد، لكن زايد رفض اقتراح أمه لأنه تعهد لأولاد عمه بتسمية ولده خليفة من أختهم (حصة) وليا للعهد.... كانت تلك المواجهة هي التي قصفت عمر (سلامة) عام 1970 لتموت كمدا من خيانة ولدها.

* لقد حاول (الهادي) قتل أمه الخيزران عندما أرسل إليها أطعمة مسمومة، لكن الخيزران عملت على أن يتذوق كلب من هذا الطبق أولا، فسقط الكلب ميتا على الفور.. ويقول العارفون أن موت (سلامة) في قصر الحصن ظل مجهول الأسباب ولم تعرض على الأطباء لمعرفة سبب موتها، ولم يحمل بيان الإعلان عن وفاتها تفسيرا.. فهل قتل زايد أمه ؟!

* الوحيدة الأقدر على الإجابة عن هذا السؤال ، لأنها كانت قريبة من الأحداث، هي الشيخة فاطمة بنت مبارك.. لقد تزوج بها زايد رغم أنف أمه، ولما انتقلت فاطمة مع زايد إلى (أبو ظبي)، ووجهت بمعارضة من الشيخة سلامة، التي رفضت الظهور العلني لفاطمة في ظل مجتمع قبلي بدوي محافظ.. كانت سلامة تريد لفاطمة أن تكون مجرد زوجة من زوجات الشيخ، لا تزيد عن ضرتها حصة بنت محمد وفاطمة بنت معضد، لكن فاطمة بنت مبارك كانت تطمح إلى أكثر من ذلك، وكانت تسعى للدخول إلى عالم الأضواء عن آي طريق، ولم تتح لها الفرصة إلا بعد موت حماتها الشيخة سلامة عام 1970، ولم تجد فاطمة حرجا في أن تطلب من زوجها بعد دفن أمه أن تخرج إلى العمل العام، وبعد ذلك بعامين أعلن عن إنشاء أول تجمع نسائي في الإمارات وهو جمعية نهضة المرأة الظبيانية وكان التجمع برئاسة فاطمة.

* من خلال هذا التجمع، بدأ اسم فاطمة بنت مبارك يأخذ مكانه في الصحف ووسائل الإعلام في حين انزوت أسماء زوجات زايد الأخريات، وكان للصحافية المصرية عبلة النويس زوجة وكيل وزارة الإعلام عبد الله النويس دورها في تلميع الشيخة فاطمة.. لقد أجادت فاطمة لعبة الإعلام وفرضت نفسها كأمر واقع على الزوج والدولة والناس، واصبحت تستغل المناسبات الوطنية والدينية لتظهر إلى جانب زوجها زايد - إعلاميا على الأقل - فتتحدث عنه وعن الدولة وعن الاتحاد وعن الأسرة والقصر حديث الزوجة الواحدة التي ليس لها (ضرائر).

* بعد عودة زايد من أمريكا وإجرائه لجراحة ناجحة في عصعوصة سارعت فاطمة إلى استغلال الحادثة للدعاية إلى نفسها فطارت إلى أمريكا (هيوستون) ثم وزعت على المجلات والصحف لقاء أجرته مع نفسها تحدثت فيه وكأنها الزوجة الوحيدة لزايد متجاهلة أولاده وبناته من زوجاته الأخريات..

* في مجلة (حواء) المصرية تقول فاطمة عن نفسها: أنا من بنى كتب إحدى قبائل دولة (الإمارات).
وتسألها المجلة : كيف التقت فاطمة مع زايد؟
تقول المجلة: (ابتسمت فاطمة ابتسامة ذات مغزى وأجابت .. زايد حلم كل فتاة، وكان آنذاك حاكم المنطقة الشرقية، وأنا مثل أي فتاة تحلم بالفارس وأصبحت زوجة زايد وأم أبنائه).

* لاحظ أن فاطمة تجاهلت غيرها من زوجات زايد.. لم تقل : (أصبحت زوجة لزايد) بل قالت: (أصبحت زوجة زايد وأم أبنائه) وكأنها الزوجة الوحيدة مع أنها - في ذلك الوقت - دخلت على زايد كزوجة رابعة وضرة لثلاث شيخات ولم تكن تكبر ولده خليفة من ضرتها حصة إلا بعشر سنوات.

* هذا الشعور بالتفرد لدى (فاطمة) هو الذي أورثته لأولادها الثمانية (ستة ذكور وبنتين) من زايد، ومن يعرف أولاد زايد من فاطمة عن كثب يدرك أن نظرتهم إلى أشقائهم من زوجات أبيهم فيها دونيه واحتقار.. ابنها (هزاع) رئيس المخابرات يتعامل مع شقيقه (العقيد سيف) وكأنه شرطي في الجهاز مع أن سيف هو مدير الشرطة في أبو ظبي ، هزاع لا يخاطب سيف إلا من خلال السكرتاريا ومبنى المخابرات - الذي يقع داخل المديرية العامة للشرطة - هو الذي يحكم!!

لا نعرف على وجه التحديد عدد (نسوان) زايد وأولاده وبناته، ذلك أن الشيخ من أكثر حكام الإمارات حبا للنسوان، وهو يجمع في قصوره المتعددة في الإمارات والهند والباكستان وتركيا وبريطانيا عشرات منهن، بعضهن (زوجات) وأكثرهن من الجواري اللواتي اشتراهن الشيخ من الهند والباكستان ونظن أن الحياة الجنسية للشيخ لن تعرف بكامل أسرارها وتفاصيلها إلا بعد موته، حيث يبدأ الصراع على ولايته وثروته بين أولاده من زوجاته الحرائر وأولاده من (ما ملكت إيمانه).

إلا أن المؤكد لنا حتى تاريخ إعداد هذا الملف أن للشيخ 19 ولداً ذكرا و 17 بنتاً تتراوح إشكالهم وألوان بشراتهم بتراوح جنسيات أمهاتهم، اللواتي نجهل عددهن، ولا نعرف منهن إلا زوجاته الأربع اللواتي ظهرت بشكل متفاوت على الساحة في الإمارات لارتباط اسم كل واحدة منهن بحادثة أو ظاهرة أو قبيلة معروفة، وهن - زوجاته الأربع - يرسمن من خلال أولادهن ملامح مستقبل الدولة في المشيخة الثرية.

من الصعب الفصل ما بين رغبة الشيخ زايد الجنسية وطموحاته السياسية، فالمرأة الأولى التي ارتبط بها (الشيخة حصة بنت محمد بن خليفة بن زايد آل نهيان) كانت ابنة عمه، وكان زواجه منها في أواخر الأربعينات جسرا للوصول إلى كرسى الحكم الذي كان يتربع عليه شقيقه (شخبوط) .

لم تكن (حصة) امرأة جميلة لكنها كانت ذات نفوذ ، فهي الابنة البكر لعمه محمد، الرجل القوى الذي كان يسيطر مع أولاده حمدان وطحنون ومبارك وسرور وسيف وخليفة وسعيد على معظم مرافق المشيخة ويطلب لنفسه الإمارة لأنه أحق بها من شخبوط وفقا للتسلسل العائلي.

كان زايد يمثل أخاه شخبوط في مدينة (العين) وهى واحة ممتدة من واحات (البريمى) العمانية اقتطعها آل نهيان بمعاونة الإنجليز. ظل العمانيون في عهد السلطان سعيد ومن بعده ولده قابوس يطالبون بها ويحركون الدبابات على مشارفها كلما وقعت أزمة في المنطقة.

كان زواج (زايد) من (حصة) حدثا لفت أنظار الكثيرين، ومن بينهم المندوب السامي البريطاني الذي حضر حفلة العرس الأسطورية في مدينة العين.. كان الزواج بمثابة تحالف سياسي بين زايد وعمه، وجدت فيه بريطانيا نواة صالحة لنظام حكم جديد يخلف (شخبوط) ، المعروف بمواقفه العدائية للإنجليز، الرافض لمشروعاتهم الاقتصادية التي كانت ترمى إلى استنزاف الثروات النفطية أولاً بأول.
كان زواج (زايد) من (حصة) صفقة، أثمرت حلفا سياسيا أوصل الرجل إلى كرسى الحكم من ناحية، ولكنها من ناحية ثانية أثمرت ولدا معوقاً اسمه (خليفة) أنجبته حصة عام 1948 ، وأصبح فيما بعد وليا للعهد ولا يزال.

لم تكن حصة تحب ابن عمها زايد، وكانت تفضل عليه واحدا من شيوخ (الظواهر) وهم شيوخ العين الأصليين ، لكن ظروف المرحلة ومصلحة العائلة ثم طموح محمد وأولاده بالوصول إلى الحكم من خلال زايد جعلهم يضحون بابنتهم (حصة) التي لم تتمكن من الصبر على القهر بخاصة بعد أن وجدت أن زوجها الشيخ (ينشن) على امرأة أخرى سرعان ما تزوجها لتنجب له ولده الثاني (سلطان) بطل أكبر فضحية في أسرة آل نهيان في القرن العشرين، ونعنى بها فضيحة قطع الطريق على طالبات الجامعة ومحاولته الفاشلة لاختطاف إحداهن لولا رجولة وشهامة السائق الهندي الذي تصدى لسلطان، الذي كان (يا للمهزلة) قائد للجيش!!

في دول العالم المتحضر - وغير المتحضر - يعاقب المجرم الذي يقطع الطريق بالإعدام أو بالسجن، وفى الشرع الإسلامي ينفذ فيه حكم (الحرابة) وهو قطع الأيدي والأرجل من خلاف ، لكن شيخنا زايد اكتفى وتحت ضغط شيوخ دبي إلى إقالة ولده سلطان من منصبه وتسفيره إلى سويسرا في محاولة لمداراة الفضيحة بالإيحاء للناس بأن الشيخ المجرم سلطان مختل عقلياً.. وغاب (المختل) في سويسرا عامين، ثم عاد إلى الإمارات ليصبح رئيسا للوزراء بالوكالة ولا يزال!!

إذا كان زواج زايد من (حصة) صفقة سياسة كما ذكرنا طرفاها عمه محمد والمخابرات الإنجليزية وضحاياها (حصة) التي عاشت بعد زواجها حياة (عنوسة) لأن زوجها هجرها إلى زوجته الثانية (فاطمة)... نقول إذا كانت حصة ليست أكثر من صفقة سياسة فان فاطمة زوجته الثانية كانت هي الأخرى صفقة ولكن مع الشيخ معضد أحد وجهاء بنى ياس.. كان زايد لا يأمن كثيرا لعمه وأولاد عمه السبعة لعلمه بطموحاتهم الزعامية، لذا وجد بحسه الوصولى أن الزواج من ابنة أحد شيوخ بنى ياس سيؤمن لظهره الحماية، وهذا يفسر زواجه من (فاطمة) ابنة (معضد) وإصراره على تسليم ولده الوحيد منها (سلطان) مقاليد الجيش.
وللتوضيح فقط فان الكثيرين يخلطون ما بين الفاطمتين ، فاطمة بنت معضد زوجته الثانية وفاطمة بنت مبارك زوجته الثالثة والتي تحمل رسميا لقب (حرم سمو رئيس الدولة).
كانت أم سلطان تعد ولدها سلطان لخلافة أبيه بعد أن تبين أن ولى العهد (خليفة) مريض، وشبه أمي وغير مؤهل لحكم الدولة بعد والده زايد، وكان نجم سلطان يسطع مع كل مناسبة بخاصة وان الشيخ الشاب كان يسيطر على ميزانية الجيش الهائلة بصفته قائدا له، وكان تعيين سلطان في هذا المنصب من أهم عوامل الخلاف والفتور مع شيوخ آل المكتوم الذين احتجوا على قرار التعيين علناً فيما عرف بعد ذلك باسم (المذكرة) التي أصدرها آل المكتوم وبثها تلفزيون دبي عقب المظاهرات التي حركتها مخابرات زايد ضد حكام دبي ورأس الخيمة.
كانت جريمة (سلطان) ضربه لطموحات زايد في تأهيل أولاده لتسلم مقاليد الحكم في الإمارات المتصالحة ، لكنها - في المقابل - كانت فرصة ذهبية لزوجته الثالثة المحببة إلى قلبه (فاطمة بنت مبارك) للدخول في صراع مع ضرتها الأولى (حصة) وضرتها الثانية (فاطمة بنت معضد) لإيجاد مكان لولديها محمد وحمدان في الواجهة السياسية للدولة.

كانت مراهنة (فاطمة بنت مبارك) على ولدها (محمد) مراهنة خاسرة في بداياتها، فالمذكور ليس أفضل حالاً من أخويه خليفة وسلطان.. كان محمد (تيساً) في المدرسة، لا يراه الناس في أبو ظبي إلا على الكورنيش، مطاردا بنات المدارس ومستعرضا فنونه في (تشفيط) السيارات العجيبة التي كان يشتريها بمئات الألوف من الدولارات وبعضها كان يفصل له تفصيلا وبمواصفات كانت تثير السخرية فعلا .

لكن فاطمة الذكية سارعت إلى إبعاد ولدها المايع عن الصورة بإدخاله مدرسة القصر الملكي في المغرب، وهناك أكمل محمد تعليمه (دفشاً) وعاد إلى أبو ظبي بشهادة مدرسية مغربية ومطربة اسمها عزيزة جلال، فرضها محمد فرضا على التلفزيون حتى أصبحت مقررة على المشاهدين يوميا، ولم يكن غريبا أن يربط اسم عزيزة جلال - آنذاك - بالكثير من الإشاعات منها - مثلا - القول إن أحد الشيوخ خطفها ثم اغتصبها، وانتشرت الإشاعة بين الناس انتشار النار في الهشيم، وكانت مشيخة زايد تضطر من أجل نفي هذه الإشاعة إلى الإكثار من عرض أغنيات عزيزة جلال حتى أصبح تلفزيون أبو ظبي يعرف على سبيل التندر بتلفزيون (عزيزة).

كان من الواضح أن وراء الإشاعة جهات تهدف إلى حرق اسم الشيخ الصغير محمد وربطت جهات صحافية بين الإشاعة والصراع القائم بين الضرتين حصة وفاطمة بنت معضد من ناحية وفاطمة بنت مبارك (أم محمد) من ناحية أخرى.
لكن فاطمة (أم محمد)، التي أحاطت نفسها بعدد من المستشارات الإعلاميات على رأسهن الصحفية المصرية (عبلة) زوجة وكيل وزارة الإعلام عبد الله النويس تعاملت مع الإشاعة بذكاء ووظفت عبلة إمكانيات وزارة الإعلام لخدمة فاطمة وابنها محمد، حيث دعيت عزيزة جلال مع أمها رسميا لزيارة الإمارات وأجريت معها عشرات اللقاءات التلفزيونية والصحافية التي كانت تهدف في مجملها إلى نفى الإشاعة، وتحول كبار الصحفيين إلى محررين لصفحات الفن إكراما لعزيزة جلال ومن خلفها الشيخة فاطمة، وكان على رأس هؤلاء الأرزقيين الصحفي المصري مصطفى شردي والصحافي جمال بدوي والصحافي عباس الطرابيلى وثلاثتهم كانوا يعملون في جريدة (الاتحاد) التي تصدرها وزارة الإعلام في الإمارات، وهو الثالوث نفسه الذي عاد إلى مصر ليصدر جريدة (الوفد) ويهلك القراء بالتنظيرات السياسية ناسين معركة عزيزة جلال التي خاضوها لصالح الشيخة فاطمة، وكانت فاطمة كريمة معهم كثيرا.. يكفى أن تنظر إلى فللهم الفاخرة في القاهرة وسياراتهم الفارهة لتعرف حجم هذا الكرم، الذي تقرأ سطوره في كل عدد من (الوفد) .. فلا يكاد يصدر عدد واحد من هذه الجريدة دون خبر فيه إشادة بفاطمة أو بأحد أولادها المسؤولين - وما أكثرهم هذه الأيام فهم يحتلون المراكز الأولى في الدولة من وزارة الدفاع إلى الداخلية والخارجية والمخابرات والبترول .

سارعت فاطمة بعد عودة ولدها إلى أبو ظبي إلى إرساله إلى كلية (بيكون فيلد العسكرية) في بريطانيا، ثم أدخلته إلى كلية ساندهيرست العسكرية في بريطانيا، وهى كلية تخصصت في تخريج أبناء الحكام العرب، وعاد محمد عام 1979 إلى أبو ظبي برتبة ملازم، ثم (نط) خلال أقل من سنة إلى رتبة (عقيد) ثم أصبح برتبة (فريق) يضع على صدره أوسمة ونياشين الفيلد مارشاليه التي لم يحلم حتى (رومل) أن يحمل مثلها، وتكرس وجود محمد في السلطة بعد أن يعنه والده رئيسا للأركان.

لقد استطاعت (فاطمة) وخلال أقل من خمس سنوات من سحب (الفيلد مارشالية) من ابن ضرتها (أم سلطان) وتسليمها بكل ما فيها من امتيازات إلى ولدها ، ثم بدأت تنسج بذكاء شبكة موازية للفيلد مارشالية ولكن على الجبهة السياسية واستطاعت أن تسلم القيادة السياسية لولدها حمدان، بعد أن أدخلته إلى جامعة الإمارات وعلمته فنون الدجل والأونطة على يدي الدكتور عبد القادر الكردي ، مدير الجامعة، الذي استدعوه لرئاسة الجامعة الإماراتية من إحدى الجامعات الأمريكية غير المعترف بها حتى في أمريكا.
كان صعود نجم (حمدان) يتم أولاً بأول على حساب (خليفة) ابن ضرتها الأولى (حصة)، واستطاعت فاطمة إقناع زوجها الرئيس بتعين ولدها الذي لم يطر شاربه بعد وكيلاً لوزارة الخارجية، ثم وزيراً أصيلاً لها لتحلق فاطمة وحدها بجناحين متوازيين، محليا ودوليا، محليا من خلال سيطرتها على الجيش بميزانيته الهائلة، ودولياً من خلال سيطرتها على وزارة الخارجية وسفاراتها في حين تراجع دور (خليفة) و (سلطان) إلى الصفوف الخلفية ، وأصبح الأول لا يظهر إلا في مناسبات لها علاقة بالبلديات ومشاريعها واصبح الثاني ظلا لمكتوم بن راشد في مجلس للوزراء ليس لسلطان فيه من حل وربط رغم الوظيفة (الوجاهية) و (الاسمية) التي يحتلها كنائب للرئيس!!

كانت فاطمة تنتمي إلى أسرة (الكتبى) وهى من قبائل قتب غير المعروفة في الإمارات قد استطاعت أن توقع الشيخ في حبائلها بجمالها ورقتها وصغر سنها ثم بحصولها على قدر من التعليم لم يكن متوفراً لضرتيها الأولى والثانية بل ولزوجها الشيخ نفسه، فقد لعبت الظروف السياسية آنذاك دورا هاما في إتمام صفقة الزواج بفاطمة، فقد كانت المخابرات البريطانية التي استدعت زايد إلى لندن عام 1958 تبحث عن بديل لشخبوط ، حاكم الإمارة المعروف بعدائه الشديد للإنجليز وذلك تمهيدا لتسليمه كرسى الإمارة بعد أن تبين لها من تقارير شركات النفط البريطانية أن هذه المشيخة تسبح على بحر من النفط، الذي تفجر فعلا بكميات تجارية هائلة عام 1962.

كانت زيارة زايد إلى لندن عام 1958 هي نقطة التحول في حياته التي قضاها في (العين) ممثلا لأخيه.. في لندن وجد زايد نوعاً من الرفاهية كان دائما يطمح إليها، ولم تكن (حصة) مؤهلة لمشاركته هذا الطموح بما عرف عنها من بداوة مغرقة في السلوك، ومثل ذلك يقال عن (أم سلطان)، لذا سارع زايد بعد عودته إلى (العين) من لندن إلى البحث عن (عروس) شابة متعلمة، يمكن أن تلعب معه دور حرم رئيس الدولة، الذي وعده به الإنجليز.. وتم الزواج بفاطمة عام 1959 لتنجب له في عام 1960 ولده (محمد) ثم تتبعه بحمدان وهزاع وعبد الله ومنصور وطحنون الذين يتولون الآن إدارة دفة البلاد إلى أن أنقلب زايد على أخيه شخبوط بمساعدة الإنجليز عام 1966 وسرق منه الحكم، كانت أم محمد (فاطمة) تنتظره مع أولاد عمه في مقر السفارة البريطانية لتدخل معه - بعد طرد شخبوط من أبو ظبي - إلى قصر الحصن، والى الغرفة ذاتها التي ولد فيها (زايد) ، ثم أقسم فيها - بعد أن شب - يمين الولاء لأخيه شخبوط بطلب من أمه (سلامة)، وهو القسم الذي حنث به زايد عام 1966 بتواطؤ مع المخابرات الإنجليزية وقد أصيب أمه بكمد شديد، لما رأت الخ الصغير يغدر بأخيه الكبير، وماتت الشيخة سلامة بعد ذلك بأربع سنوات بعد أن أوصت بالا يسير زايد في جنازتها.
كانت الضربة التي قسمت ظهر بعير الشيخة الأم (سلامة) ليس فقد غدر زايد بأخيه شخبوط ، وانما - وهذا الأهم - قيام زايد بتدبير عملية اغتيال ولدى شخبوط - حفيديها - الشيخ (سعيد) ولى العهد وشقيقه (سلطان) ، وقد قتل الرجلان في بريطانيا في ظروف غامضة حتى لا يطالبان بحكم والدهما، وساعده في جريمته عمه محمد وأولاده السبعة، الذين سيدفعون الثمن نفسه بعد اقل من عشر سنوات حيث استأصل زايد شأفتهم وحولهم إلى (مطارزية) في مجالسه.
مأساة حسين كامل وشقيقه صدام ، اللذين قتلا على يد عمهما صدام حسين ، وقعت من قبل في الإمارات، فالشيخ سعيد بن شخبوط الوريث الشرعي لحكم الإمارة، كان متزوجا من (سلامة) ابنة الشيخ زايد من زوجته الرابعة التي تنمى لعائلة (بومهير) المعروفة.. كانت أم سلامة ابنة لشيخ قبيلة (دعار) وكان مقتل زوج ابنتها على يدي رجال زايد نهاية المطاف لعلاقتها بزوجها (المزواج) بل ويقول أحد الكبار في آل بومهير أن زايد (غرس) ابنته سلامة في قصر شخبوط كي توفر له أولاً بأول أسرار الشيخ الذي كان يقيم في قصر الحصن، وان (سلامة) كانت - عن حسن نية - تنقل لوالدها كل ما يدور في قصر عمها وزوجها ، ولم تكن تعلم أنها تعمل من حيث لا تدرى على قتل زوجها.

وأسلوب زايد في توظيف النساء لخدمة مصالحة معروف لدى الجميع، فقد فرض على بناته الزواج من رجال كبار في السن تحقيقا لمصالحة الأنانية، فحرم ابنته (شمة) من حبيبها المذيع التلفزيوني الإماراتي الناجح لما أجبرها على الزواج من ابن عمه ورئيس مخابراته (سرور)، ثم رمى ابنته الثانية إلى ابن عمه (طحنون) الذي يكبرها بعشرين سنة، وزوج الثالثة لحاكم عجمان وهكذا.. يغرس بناته كجواسيس له في قصور الحكام والخصوم ويدفعن هن وحدهن الثمن من حياتهن وشبابهن وسعادتهن، ليعشن إلى الأبد حياة (عنوسة) مع رجال أكل الدهر عليهم وشرب بينما (الأب) يبدل النساء والجواري كما يبدل الأحذية، ويغرف من اللذات الجنسية في قصوره المترامية الأطراف في الإمارات وتركيا والباكستان ومصر وبريطانيا ما يشبع قبيلة من الذكور.
لم تكن (فاطمة) تخشى على زايد من (حصة) لجمالها - فقد قلنا إنها لم تكن جميلة - وانما لنفوذ أشقائها السبعة ، في وقت كان فيه أولاد زايد صغارا ولا سند له من أبناء قبيلته إلا الشيخ معضد ، لكن (فاطمة) بدأت تحسب حساب (آمنة صالح بن بدوة) إحدى زوجات زايد الجميلات.. كانت آمنة متعلمة مثل فاطمة وشقيقها محمد صالح بن بدوة كان - ولا يزال - السكرتير الخاص للشيخ طحنون بن محمد ممثل الحاكم في العين وشقيق حصة.. كان لمحمد صالح بن بدوة نفوذه ولا يزال، وهو نفسه الذي طلب منى أن أضع اسمه - كمؤلف - على كتابي (مقالات في التراث الشعبي في الإمارات) نظير أن يطبع الكتاب على نفقته، وقد رفضت طلبه آنذاك، لكن فاطمة انتصرت في معركتها ضد آمنة فحجمت دورها ومن ثم دور أولادها في تركيبة النظام، وقد أشرت في الصفحات الماضية إلى حكاية الشيخ عبد الله (ابن فاطمة) الذي اختاره أبوه لمنصب (وكيل وزارة الإعلام) متجاوزا بذلك الشيخ عيسى، شقيقه الأكبر (ابن آمنة)، والشيخ العقيد سيف، شقيقه الأكبر أيضا (وهو ابن الزوجة السادسة ).. أم سيف خرجت من حلبة الصراع على قلب الزوج ونفوذه قبل أن تدخلها، رغم أنها من عائلة (الخيلى) المعروفة في العين ولعل السبب في ذلك أن طموح الشيخة كان محدودا بالرخص التجارية و (اللياسن) ، لذا ليس غريبا أن تخرج ولدها سيف من المدرسة وتدخله الشرطة ليصبح عقيدا، لا هم له إلا إصدار الرخص واللياسن وتأمين الحراسة لأبناء فاطمة.. لقد نجحت فاطمة في جعل ابن ضرتها (سيف) مطارزيا لأولادها رغم انه شقيقهم!! 

لازلت أذكر كيف (نط) تلميذي (عيسى الخيلى) من حالة فقر إلى ثراء فاحش بعد أن تزوج زايد من أخته، وأصبح الخيلى هذه الأيام من رجال (البزنس) المعدودين على الأصابع في الإمارة رغم انه كان يتهرب من دفع بعض الرسوم المدرسية الرمزية التي كنا نجمعها من تلاميذ المدرسة للإنفاق على بعض الحفلات المدرسية!!

تدخل النساء في شؤون مشيخة (آل نهيان) ليس جديدا على نظام الحكم في المشيخة التي اتسمت فيها الرئاسة بسمتين أساسيتين : الأولى غدر الأخ بأخيه .. والثانية سيطرة النساء على مقاليد الحكم.. ولكن من وراء الستار.لقد غدر زايد بأخيه شخبوط، بتحريض من زوجته حصة وفاطمة، ومن قبله قام عمه حمدان بقتل أخيه طحنون، ثم طمع الأخ الثالث سلطان - والد زايد- بالحكم فذبح شقيقه حمدان، ومات سلطان نفسه اغتيالا عام 1928 على يدي أخيه صقر وحسمت (الشيخة سلامة) أم زايد الصراع على الحكم لصالح ولدها (شخبوط) وحتى لا تتكرر مأساة غدر الأخ بأخيه، أخذت الشيخة سلامة عهدا على أولادها هزاع وزايد وخالد بالولاء لأخيهم الكبير شخبوط، لكن سرعان ما حنث زايد بالعهد والقسم عام 1966، الأمر الذي أدى إلى موت أمه كمداً وحزنا عام 1970، وأكمل زايد على أخيه خالد حين عزله من جميع مناصبه وفرض عليه ما يشبه الإقامة الجبرية في قصره إلى أن مات غريبا في إمارة يبرطع فيها زايد وأولاده ونسوا نه.

في كل دول العالم هناك سيدة واحدة هي (السيدة الأولى) إلا في الإمارات، فهناك سيدات أوائل وسيدات أواخر وسيدات نص نص .. هناك زوجات حرائر وزوجات من الجواري.. وهناك خليلات وعشيقات.. لكن هذا لا يمنع من القول إن أكثرهن بروزا اليوم الشيخة فاطمة (نمبر ثرى) ونقصد بها فاطمة بنت مبارك، التي فرضت نفسها على الدولة والناس من خلال أولادها الذين يتولون أهم الوزارات والدوائر في الدولة.... رئاسة الأركان ووزارة الخارجية ووزارة الإعلام وجهاز المخابرات ووزارة النفط .

لعل نفوذ (فاطمة) في أجهزة الدولة هو الذي جعلها دائما في المرمى، حتى أنها اتهمت من قبل ضرائرها بالشذوذ الجنسي.. كان ذلك في أواخر السبعينات حين راجت في أوساط النساء في (العين) إشاعات عن وجود علاقة ما بين فاطمة ووصيفتها (بدرية) وصاحبتها الإيرانية (بنت بركات) وقد علمت بأمر هذه الإشاعات ليس لأني نسونجى - لا سمح الله - وانما لأني كنت آنذاك أدرس اللغة العربية في ثانوية البنات الوحيدة في العين، وكان من طالباتي شيخات على قدر كبير من الجمال.. والاطلاع على خبايا القصور والحريم، ولأني كنت صغيرا في السن و (كرموشا) (ومضهوم أوى) فتحت لي الشيخات قلوبهن وأدلين لي بما يعرفن من أسرار يشيب لها الولدان..وكان صاحب نشرة الشرق الجديد عبد الوهاب الفتال – وهي نشرة شهرية تصدر في لندن – قد أشار إلى هذه العلاقة وهذا الشذوذ في إحدى نشراته وتدخلت سفارة الإمارات في لندن عن طريق التهديد والوعيد إلى أن تم إسكات الرجل بمبلغ معلوم كما علمنا .

لم يحن الآن الوقت لنشر ما نعرفه عن علاقات الشيخة فاطمة مع وصيفاتها ومن يدرى فقد أصدرها في كتاب (تكنى كلر) كي يقرأ بعض الشيوخ الصغار من الحاكمين بأمرهم في أبو ظبي بعضا من تاريخ أمهاتهم الأسود في قصور العين التي تغص بالغلمان الحلوين الذين يستوردون من الهند للعمل في القصور كخدم ثم يترقون إلى وظائف أخرى تعيد إلى الأذهان سيرة الخصيان في عصر بنى العباس مع فارق أساسي وهو أن خلفاء بنى العباس كانوا يخصون الغلمان حتى يأمنوا شرهم، أما في قصور العين فلم تكن تكنولوجيا (الخصى) معروفة.. لعل هذا يفسر سر إعجاب الشيخات بمسلسلات ألف ليلة وليلة التي كانت تعرض ويعاد عرضها أكثر من مرة في العام، وأخص بالذكر الشاهد التي تتحدث عن الملك شهريار، الذي قتل زوجته بعد أن ضبطها في الفراش مع خادمه العبد الأسود، الذي لم يكن قطعا من الهند !!
وإذا كان زايد لم يعدل بين زوجاته فانه أيضا لم يعدل بين أبنائه، وإلا ما معنى أن سلم وزارة الإعلام لابن فاطمة (عبد الله) متجاوزا أربعة من إخوانه - من ثالثة ورابعة - أكبر منه سناً هم سعيد وعيسى ونهيان وسيف!!

من يقرأ تاريخ (آل نهيان) منذ عام 1793 سيجد أن النساء قد لعبن دورا أساسيا في الصراع على السلطة وسيكتشف أيضا أن الجد المؤسس للأسرة النهيانية كان (لقيطا) أنجبته أمه من سفاح بعد أن نزل البرتغاليون على الساحل المتصالح.

لقد نزل البرتغاليون على الساحل العربي من الخليج عام 1507 ميلادي بقيادة (الفونسو دى البوكيرك) حيث استباحوا المدن وذبحوا الرجال واعتدوا على النساء وجدعوا أنوف وآذان من بقى حيا من الشيوخ والأمراء كما فعلوا في (خورفكان)... وكان من الطبيعي أن يظهر بعد هذا الاحتلال الفظيع جيل لقيط في الجبال والوديان، ويمكن لزائر بوادي وجبال الإمارات بخاصة في رأس الخيمة - منطقة الشحوح - أن يرى بدواً أوربيي المظهر، ببشرات بيضاء وشقراء وعيون زرقاء تؤكد انتمائهم لجدودهم غير الشرعيين من مشاة الأسطول البرتغالي الغازي، وتوالى تناسل هذا المزيج اللقيط بعد نزول الهولنديين والأتراك ثم الإنجليز في منطقة الخليج.

ومن هنا يمكن القول إن (فلاح) الذي ولد حوالي عام 1550 (أي بعد 43 سنة من أول نزول برتغالي على الساحل) كان واحدا من هؤلاء اللقطاء، ولم تستطع كل الكتب والسير التي نشرت في دولة الإمارات أو خارجها أن تجد لهذا الرجل نسبا صحيحا، الأمر الذي دفع المؤرخين وأشباه المؤرخين وكتبة الدواوين الأميرية إلى التكهن والزعم والظن والتخمين والافتراض، إرضاء لحكام وشيوخ أبو ظبي ودبي، لأن الأسرتين الحاكمتين في الإمارتين المذكورتين قد انحدرتا من صلب هذا الرجل.

لعل هذا (الحرج) من انقطاع نسب الأسر الحاكمة على هذا النحو هو الذي دفع محمد بن حسن، رئيس لجنة التاريخ في أبو ظبي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية وصاحب فندق (ستراند) - أكبر موزع للخمور في الإمارة - إلى حسم الحوار حول هذه التساؤلات بإصدار فتوى تقول: إن العائلتين المذكورتين - نهيان ومكتوم - تقولان انهما انحدرتا من قبائل طىء أو أزد وعلينا أن نصدقهم عملا بقول الرسول صلوات الله عليه وسلامه (الناس مصدقون في أنسابهم).
فليكن هذا إذن ، ولنسلم مع تاجر الخمور ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في الإمارات بأن الدخول في بحث تأريخي عن أنساب حكام الإمارات يعارض (السنة النبوية)، ولكن لنتفق على (حقيقة) تؤكدها منشورات وكتب وزارة الإعلام والثقافة ولجان التاريخ في الإمارات وهى أن (فلاحا) هذا ظهر بعد الغزو البرتغالي للجزيرة العربية وانه استولى على إمارة الظفرة (المسماة أبو ظبى الآن) من حاكمها السابق محمد بن سالمين شيخ قبيلة السودان، وانه أسس قبيلة (بنى ياس) التي انحدر منها حكام أبو ظبي ودبي، ومن المسلم به أن يكون الشيخ الجديد (ثرياً) على عادة شيوخ القبائل العاملين بتجارة العبيد والقرصنة آنذاك وإلا ما دانت له عشرون قبيلة في إمارة الظفرة بالطاعة والولاء.

كانت قبائل المشيخات آنذاك - بما فيها قبائل ياس التي تقطن إمارة الظفرة تعمل بالقرصنة وقطع الطرق وتجارة الرقيق - وبعضها كان يعمل بالغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك، وقد أدى ازدهار القرصنة في أعالي البحار إلى تقوية ساعد الشيخ (فلاح) الذي ابتنى بعدد من النسوة خلفن له قطيعا من الأولاد والبنات، ولما مات (فلاح) تولى الحكم من بعده ابنه (صقر) الذي تحالف مع بعض قطاع الطرق فكان عقابه الموت على يدي أحد قادة دولة اليعاربة، وبعد مقتل صقر آلت التركة لابن أخيه (زايد) الذي فقد (العرش) بانقلاب دموي دبره ابن عمه (ذياب) الذي أورثها لشخبوط.

في تقرير للضابط الإنجليزي (هينيل) HENNEL كتبه عام 1831 إلى حكومة الهند عن أتباع صاحب الجلالة في المنطقة، يرسم الضابط الإنجليزي شجرة للعائلة النهيانية فيها بعض التعديلات، فهو يرى أن (فلاح) قد أورث العرش لابنه (نهيان) وهذا أورثه لعيسى، وعيسى أورثه لولده ذياب.. وقد اختلف ذياب مع ابن عمه هزاع بن زايد، الذي حسم الخلاف بالسيف حين قطع رقبة ذياب، وجلس على رقاب الناس هو وسلالته إلى يومنا هذا.

ومع انه من الثابت تاريخيا أن (فلاح) مؤسس الدولة النهيانية مجهول النسب، إلا أن المزورين في عهد النفط وزمنه لم يعدموا طريقة في (تلزيق) نسب إليه، فمن قائل انه من الهلاليين، إلى قائل انه من دواسر نجد.. وجاء فضيلة الشيخ محمد بن حسن الخزرجى، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية وصاحب فندق ستراند - أكبر موزع للخمور في الإمارة ومؤلف كتاب "وسيلة العلاج لآلام الزواج" - بفتوى ملخصها أن العائلة النهيانية الحاكمة ترجع في نسبها إلى قبيلة الأزد.. وجاء (مؤرخ) آخر (أكثر موضوعية) فزعم أن النهيانيين ينحدرون من سلالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا يكون كل حكام وملوك وسلاطين وشيوخ وأمراء العرب الحاكمين شعوبهم (بالعدل والقسطاط ) من سلالة الرسول، بما فيهم الملك الحسن الثاني بطل محادثات افران مع الصهاينة، والإمام المخلوع جعفر النميرى بطل فضيحة (الفلاشا) ، الذي يبدو انه جاء من بطن أمة سوداء ابتنى بها الرسول صلوات الله عليه فى أخريات حياته كما يزعم النميري .

منذ ذلك التاريخ والى ما قبل دخول الإنجليز، عملت الأسرة النهيانية بوظيفة (شرطي) يتبع أحد القادة العمانيين واسمه (محمد بن ناصر الغافرى)، الذي اتخذ من (الرستاق) عاصمة له، وبدأ يغير على المدن والقرى، يسل وينهب ويقتل ويسبى النساء على أيدي عصابة من قطاع الطرق كان يتزعمهم الشيخ محمد بن زايد بن فلاح النهيانى، والتاريخ المكتوب لقرى ومدن عمان فيه الكثير من الجرائم التي ارتكبها هذا الشيخ - لعل أشهرها - جريمة استباحة ديار (الصواوفة) وهم من العرب الاقحاح ، حيث أعمل فيهم محمد بن زايد النهيانى السيف وخرب الزرع والنخل وهدم بيوتهم وسبى النساء، ولم يلبث قاطع الطريق النهيانى أن انقلب على سادته (الغوافر) إلى أن جاء الإنجليز فوجد فيهم خير معين وأصبح عميلهم وشرطيهم الأول في إمارة الظفرة.. يأتمر بأوامر ضابط إنجليزي برتبة نقيب، ويقتل ويسبى ويتجسس لصالح الأسطول الإنجليزي المتجول في الخليج ويدفع المعلوم كل شهر لضمان مناصرة الإنجليز لعرشه وإمارته، حتى اصبح - مع سلالته - من رعايا الدولة البهية ومن كلابها أيضا.

تولى الحكم في إمارة أبو ظبي شخبوط بن ذياب الذي انتقم من ابن عمه هزاع بن زايد قاتل أبيه، حيث طارده إلى منطقة (جبل على) في دبي فقتله هناك ثم أعلن عن نقل عاصمته من واحة (ليوا) في قلب الصحراء إلى جزيرة (أبو ظبي) التي بنى فيها قصرا هو (قصر الحصن).. وسيشهد هذا القصر الكثير من المؤامرات وعمليات الذبح والقتل .. وهو الآن مقر لمركز الوثائق والتاريخ في الإمارة، يعمل ليل نهار في محاولة لإيجاد نسب وشجرة عائلة لآل نهيان.

بعد أن شاخ (الشيخ) آثر حياة العزلة في واحة البريمى على بعد 170 كيلو مترا من أبو ظبي، فاغتصب جزءاً من الواحة كانت تمتلكه قبيلة (الظواهر) وأسماه (العين) حيث نصف نفسه واليا عليها، بينما استطاع ابنه البكر (محمد) أن يستقل بحكم الجزيرة ويمنع أباه من العودة إليها ثانية.. وهذا لم يرض بقية أخوته خاصة (طحنون) الذي كان يرى انه أحق بالخلافة من أخيه .. ومن يعود إلى الوثائق الموجودة في تلك الحقبة - حوالي عام 1800 إلى 1850 - يرى العجب العجاب فيها، ويقرأ عن الصراعات بين الأخوة من آل نهيان - على الحكم والنساء والرقيق والقرصنة - ما لم تصدقه أذن وتراه عين.

الشيخ محمد اغتصب الحكم من أبيه شخبوط ، الذي يغتصب بدوره أرض (الظواهر) ليقيم عليها دولة، وليسارع إلى توقيع معاهدة (سلام) مع الإنجليز في 11/1/1820م، ويبنى قصوره في منطقة (القطارة) ويجعل قلعة (المريجيب) في مدينة العين وكراً لتجارة الرقيق.

توالت الثارات بين حكام أبو ظبي من الأخوة وأبناء العمومة، فبعد عامين - وبمعاونة الإنجليز - يطيح طحنون بن شخبوط آل نهيان بحكم أخيه (محمد) الذي يلتجئ إلى قطر، وقد أدى هذا الانقلاب إلى زيادة نفوذ الإنجليز في المنطقة، وكانوا آنذاك يتعاملون مع شيوخها كقطاع طرق وقراصنة لذا فان ممثلهم فيها لم يكن أكثر من ملازم في البحرية اسمه ماكلويد (McLEoD) ، وكان هذا الملازم يجمع الشيوخ والحكام كما يجمع الراعي أغنامه، ويصدر إليهم الأوامر والتعليمات.. ولا زالت الوثائق التاريخية المحفوظة في (قصر الحصن) بأبي ظبي تتضمن قصة زيارة هذا الملازم للإمارات ونزوله في الشارقة، وكيف انه بعث في استدعاء الشيخ طحنون بن شخبوط حاكم أبو ظبي وبرفقته الشيخ زايد بن سيف شيخ دبي، وتروى كتب التاريخ - حتى تلك التي زورها مركز التراث ووزير الأوقاف - أن شيخ أبو ظبي المسمى طحنون قد أبدى استعداده للتعاون الكامل مع الملازم الإنجليزي ودفع (الجزية) له، وتقديم المعلومات الإخبارية له عن تحركات العرب الاستقلالية في المنطقة، ومنع العرب من التسلح أو تطوير أساطيلهم التجارية، وفى هذا الصدد طلب الشيخ طحنون من الملازم ماكلويد حث الحكومة البريطانية على التدخل ومساعدته في قمع ثورة منشق عربي هو الشيخ (سويدان بن زعل المحيربى) حاكم جزيرة داس، التي تفجرت بعد ذلك نفطا وثروة، وقد هدد الإنجليز حاكم الجزيرة وطردوه إلى قطر وسلموا الجزيرة إلى شيخهم وعميلهم في المنطقة فكأني بهم يرون صفحة النفط في كتاب المستقبل لهذه المنطقة حيث تشكل آبار جزيرة داس معظم إنتاج الإمارة من الذهب الأسود، ومن المسلم به أن جميع الشركات العاملة والمقيمة في الجزيرة هي إنجليزية بينما تشردت قبيلة المحيربى العربية ومالكة الجزيرة في البوادي.

قبيلة (المحيربى) ليست وحدها التي اغتصب الإنجليز أراضيها لتمنع إلى شيوخ نهيان، فقد أشرنا من قبل إلى قبيلة (الظواهر) في مدينة العين، التي تحول شيوخها إلى (مطارزية) لشيوخ آل نهيان.. ولكن الواجب يفرض علينا الإشارة إلى واحدة من أكبر قبائل (أبو ظبي) وأشدها وهى قبيلة (المناصير) المالكة الأصلية للجزيرة والتي قاتل رجالها بشرف عن كل شبر فيها.. ومشكلة هذه القبيلة أن شيوخها وقعوا في حبال آل نهيان طمعا بالمال ورغبة في ضمان جزء من السيادة على الجزيرة في مقابل قبائل اخرى تسعى لمثل هذه السيادة، لذا نجد أن (المناصير) موجودون في كل مؤامرة أو مذبحة يدبرها ويديرها ال نهيان ، فالمناصير ساعدوا الشيخ طحنون على الاستيلاء على الحكم وطرد أخيه محمد، وهم أنفسهم الذين سهلوا لمحمد (المطرود) العودة إلى (أبو ظبي) في انقلاب أحمر أطار برقاب كل أتباع الشيخ طحنون، الذي كان آنذاك خارج الجزيرة.. وعلى عادة الكر والفر بين البدو، عاد طحنون وبمساعدة المناصير أنفسهم إلى الجزيرة ليستعيد الحكم بانقلاب دموي آخر، بينما هرب أخوه إلى قطر، حيث تزعم عصابة من القراصنة ظلت تزاول عملها في قطع الطرق على السفن التابعة لأخيه ونهبها.

ويكاد يجمع المؤرخون على أن (المناصير) أولى بحكم الجزيرة ، لأنهم أكثر عددا ولأن جذورهم في الجزيرة قديمة.. ففي تقرير عن (أبو ظبي) كتبه الضابط الإنجليزي براكس عام 1829م جاء أن قبيلة بنى ياس كلها - بمن فيهم آل نهيان - تعد 2400 نسمة فقط، منهم 1200 رجل أكثرهم من الهندوس والباتان، أما (المناصير) فيعدون وحدهم خمسة آلاف نسمة، وقد دفع المناصير الآن ثمن تخاذل وتفريط شيوخهم آنذاك إذ انه لا يوجد في أبو ظبي من المناصير من يتولى مركزا واحدا له قيمة في إدارات ووزارات النفط والمال، حيث مكن آل نهيان اتباعهم من غير العرب وغير الظبيانيين من مقاليد الإدارة والمال والحكم، ولا نكشف سراً حين نقول إن معظم (القيادات) الحالية في أبو ظبي إيرانية الأصل وأكثرها مشكوك في نسبه.

في عام 1831 بدأت بوادر التذمر تظهر على الشيخين خليفة وسلطان أبناء شخبوط وأشقاء حاكم أبو ظبى طحنون، ففي ظل استئثار طحنون بحكم الجزيرة ، ولأن مداخيل الجزيرة من القرصنة وتجارة الرقيق بالكاد تكفيه وحده، فانه أصدر أمرا منع فيه أخويه من دخول جزيرة أبو ظبي خشية أن يشاركاه في الغنائم، وقد أدى هذا إلى تشكيل قوة معارضة من الأخوين المذكورين وأتباعهما بالتحالف مع أتباع الشيخ عبيد بن سعيد بن راشد بن شرارة زعيم قبيلة الرواشد، الذي كان يتطلع إلى الانفراد بحكم دبي، وقد نجح مكتوم بن سعيد بن راشد في تحقيق حلم جده فاستقل بالإمارة فيما بعد.

في عام 1833 اعطى آل نهيان للعرب درسا جديدا من دروس الغدر وسفك الدماء والغدر بالارحام من أجل مصلحة دنيوية زائلة وارضاء للإنجليزي المستعمر.. ففي هذا العام قام الشيخ خليفة بن شخبوط وأخوه سلطان بمساعدة ومباركة والدهما شخبوط بن ذياب وباتفاق مع مكتوم - الذي أسس فيما بعد إمارة دبي - بالتسلل إلى جزيرة أبو ظبي للانتقام من أخيهم الثالث طحنون، حاكم الجزيرة ، حيث كمن له أخوه خليفة فرماه في ظهره وسارع الأخ الثاني سلطان إلى ذبح أخيه الجريح كما تذبح الخرفان، وأعلن خليفة بن شخبوط نفسه حاكما على الجزيرة وذيلا من ذيول الإنجليز فيها، وتابعا للأمير السعودي تركي بن عبد الله، الذي كان يؤمن الحماية لخليفة مقابل إتاوة تدفع على أنها (زكاة).

وفى عهد (خليفة) هذا دخلت أبو ظبي عهدا جديدا في إطار القرصنة وقطع الطرق كما دخلت في صراعات دموية على النفوذ في دبي والشارقة وتبادل الشيوخ الغارات والغزوات بمباركة ضمنية من الإنجليز الذين استغلوا هذه الظروف فأجبروا أمراء وشيوخ المنطقة على توقيع معاهدة جديدة معهم تحت ستار ضمان عدم إزعاج خطوط المواصلات البريطانية في البحر خاصة خطوط شركة الهند الشرقية الإنجليزية، وتم ذلك على يدي ضابط إنجليزي اسمه (هينيل) حيث استدعى - كالعادة - في 21/5/1835 شيوخ الإمارات (المتصالحة) واحدا تلو الآخر وجعلهم يوقعون على هدنة لمدة ستة أشهر عززت الوجود الإنجليزي في المنطقة باعتباره (الحافظ) لبنود الهدنة العام لا على تطبيقها، ومكافأة للشيخ خليفة بن شخبوط سمح (هينيل) للشيخ خليفة باحتلال منطقة خور العديد على حدود قطر وضمها لأملاكه وطرد سكانها الأصليين من قبيلة القبيسات - التي ينحدر منها وزير إعلام الإمارات - خاصة بعد أن وجد الإنجليز أن القبيسات بصدد إنشاء إمارة خاصة بهم تحت حماية (تركية).

وتروى وثائق مركز الدراسات المحفوظة الآن في قصر الحصن بأبى ظبي تفاصيل إغارة الشيخ خليفة على منطقة (العديد ) وكيف انه دمر المدينة وسبى النساء وطمر آبار الماء بجثث القتلى حتى لاتعود صالحة للاستخدام البشرى، وفى هذه الأثناء أعلن الشيخ خليفة بن شخبوط تحالفه مع الإنجليز ضد الجيش المصري، الذي كان يخطط في عهد محمد على للدخول إلى الجزيرة العربية واقامة القواعد فيها.

لم يسعد خليفة بن شخبوط - قاتل أخيه الحاكم السابق طحنون - بالحكم طويلا، فدماء الغدر التي تسرى في عروقه والتي جعلته يذبح أخاه من الوريد إلى الوريد، هي ذاتها التي تسرى في عروق أولاد عمومته، الطامعين بالحكم، لذا تروى كتب التاريخ، كيف كمن عيسى بن خالد بن صقر بن خالد بن فلاح للأخوين خليفة وسلطان، وكيف قتلهما بعد أن اقتحم قصر الحصن، وكما يحدث في الأفلام السينمائية، هربت زوجة الشيخ خليفة بن شخبوط بولديها (زايد وذياب) إلى الشارقة حيث أقامت عند أخيها الشيخ عبد الله بن الهول السويدي في منطقة (اللية) ... وسيعود ابنها زايد فيما بعد ليذبح أولاد عمومته ويتولى الحكم وينجب لنا ولده سلطان والد الحاكم الحالي الشيخ زايد.

المهم أن عيسى بن خالد، الذي استولى على الحكم في أبو ظبي بانقلاب دموي، وبمعاونة اخوته وأولاد عمومته، حاول بعد أن دانت له الديار أن يستأثر بالغنائم وحده، وأن يدير تجارة الرقيق لحسابه الخاص، فدعا أولاد عمومته وجميع شيوخ آل نهيان إلى طعام الغداء، وحاول تصفيتهم، فقتل ستة وثلاثين شيخا من آل نهيان، ولكنه تعرض إلى ضربة خنجر أودت بحياته، حيث استولى ذياب بن عيسى على الحكم في واقعة (اليدافة) المشهورة، وسرعان ما قام ابن عيسى بن خالد بأخذ الثأر فقتل أبن عمه، ولم يجد آل نهيان من بينهم من يقدر على تولى الحكم، فسلموه لأمرأة من آل بو فلاح، والتي حكمت بمساعدة شيخ قبيلة (المرر) إلى أن شب ابن الشيخ السابق طحنون - القتيل - واسمه (سعيد) فتولى الحكم وهو في العشرين من عمره، لتدخل أبو ظبي في عهده تجربة جديدة من القتل وسفك الدماء والاتجار بالرقيق...

وفى الجانب الآخر كان زايد بن خليفة المقيم مع أمه في منطقة (اللية) بالشارقة يخطط للاستيلاء على الحكم في جزيرة أبو ظبي، وكان يطمح إلى الغرض نفسه الشيخ صقر بن طحنون، الأخ الأصغر للحاكم سعيد والمقيم معه فى قصر الحصن، فقد عز عليه أن يستأثر أخوه سعيد بالحكم وبالغنائم والأسلاب على هذا النحو، فدبر انقلابا حاول فيه الإطاحة بحكم أخيه سعيد، ولكن هذا تدارك الأمر فقتل صقر ومثل بجثته ، الأمر الذي لم يرق للمناصير، سكان أبو ظبي والأغلبية فيها، فثاروا ضده ونفوه إلى جزيرة قيس واستدعوا ابن عمه زايد بن خليفة المقيم في منطقة (اللية) بالشارقة لتولى الحكم، فعاد هذا مع أخيه ذياب وأمه التي هربت به إلى الجزيرة ليبدأ فصلا جديدا في تاريخ الأسرة النهيانية الحاكمة.

استدرج زايد ابن عمه الحاكم السابق سعيد بن طحنون إلى (أبو ظبي) من منفاه في جزيرة قيس مع أخويه صقر وحمدان ليذبح الثلاثة على مرأى من الناس، وحتى يضمن حماية الإنجليز ، سارع إلى تأكيد ولاء آل نهيان للكابتن المقيم البريطاني في الخليج (جونز)، ووافق على التخلي عن تجارة الرقيق نظير إطلاق يده في السيطرة على خور العديد والبريمى.
لقد حكم زايد بن خليفة (الذي اشتهر باسم زايد الأول أو زايد الكبير ) أكثر من خمسة وخمسين عاما (من عام 1855 الى عام 1909) استطاع خلالها أن يوثق صلاته بالانلجيز وأن يصبح سيفهم المسلط على رقاب كل الشيوخ والأمراء الراغبين بالاستقلال والانفلات من السيطرة الإنجليزية، وفى عهده جرت دماء العرب أنهارا في الجزيرة، حيث كان وراء كل مجزرة ، وله (فضل) تدمير مدينة الدوحة على سكانها وتهجير قبيلة القبيسات، وذبح القواسم في الشارقة ورأس الخيمة، والتلاعب بحكام عجمان وتكريس حكم آل مكتوم وبناء القصور والمزارع (مثل قلعة الجاهلي في العين)، وقد خلف زايد ثمانية أولاد وعددا لا يحصى من البنات ، وكان أكبر أولاده الشيخ خليفة وليا للعهد، وهو جد الشيوخ الحاليين في أبو ظبي (حمدان ومبارك وطحنون وسيف وخليفة وسرور وسعيد) الذين يعتبرون أنفسهم أحق بالحكم من زايد بن سلطان الحاكم الحالى، لأنهم أحفاد الابن البكر لزايد الأول.

لقد تولى أربعة من أولاد زايد الأول الحكم في جزيرة أبو ظبي وهم:
* طحنون من 1909 - 1912
* حمدان من 1912- 1922
* سلطان من 1922 - 1927
* صقر من 1927 – 1928

وقد تم اغتيال طحنون وحمدان في ظروف غامضة سهلت لسلطان - والد الرئيس الحالي - مهمة الاسيتلاء على الحكم، ولكن أخاه صقر تولى الحكم بعد موته ثم آل الحكم للشيخ شخبوط بن سلطان الذي انتزع السلطة من ابن عمه (محمد) الابن البكر لعمه البكر خليفة، وحكم شخبوط حتى عام 1966 ، وكان خلال حكمه يحرص على الاستئثار بكل دخل أبو ظبي من النفط وابقاء الجزيرة بعيدة عن المدينة والعمران حتى يتسنى له أن يسودها ، الأمر الذي لم يعجب الإنجليز حكام المنطقة الفعليين، والذين يستفيدون من اتفاقيات التنقيب عن النفط في الجزيرة من خلال شركة تطوير بترول الساحل المتصالح، فسعوا إلى إسقاط وتسليم الحكم لأخيه (زايد) المنشغل آنذاك بالصيد والتجارة في مدينة العين، بعد أن اشترطوا عليه - على زايد - أن يسلم الملايين التي كنزها شخبوط في البراميل للشركات الإنجليزية التي وعدت بتعمير الجزيرة وربطها بعجلة القرن العشرين.

كان زايد يعيش من جمع (الزكاة) عن محصول التمر في المدينة وفى ثلاث قرى أخرى في واحة البريمى، ولم يجمع الزكاة عن التمر في قرية (المويجعى) حيث كان يعيش هو لأن المنتوج ملك قبيلته، وكان يجمع الضربة عن الماء من جميع الذين يستفيدون منه عدا الأسرة الحاكمة.

لقد أعاد التاريخ نفسه من جديد، حيث وقف الأخ (زايد) - في صباح يوم السادس من آب / اغسطس سنة 1966 - شاهرا السلاح في وجه أخيه الاكبر (شخبوط) مهددا إياه بالقتل إن لم يوافق على طلبات الممثل البريطاني السياسي المقيم في (أبو ظبي) والتي تتلخص في ترك قصر الحصن فوراً لزايد ومغادرة البلاد فورا، وقد تم لزايد ما أراد حيث تولى الحكم.

وعمل خلال سنوات قليلة على (توحيد) الإمارات السبعة (المتخاصمة) وربطها بالإنجليز من خلال شبكة لاحدود لها من المصارف والشركات .. وليس عجيبا أن تحتل السفارة البريطانية في أبو ظبي أكبر مبنى في قلب العاصمة على مرمى حجر من قصر الحصن، إذ لازالت هذه السفارة الحاكمة الفعلية في الإمارة، والمسيرة لقصر الحصن، الذي شهد الكثير من المذابح والاغتيالات والانقلابات والقتل كان آخرها مقتل أولاد الشيخ شخبوط على يدي (مجهول).

إن قصة خلع الشيخ شخبوط وتولية زايد تستحق أن تروى بالتفصيل لأنها لخصت فيما انطوت عليه كل مآثر وتاريخ آل فلاح في الساحل العربي، هذا التاريخ المجبول على الغدر والتنكر للجميل والخيانة والعمالة للأجنبي وتجارة الرقيق والنساء والقرصنة.

شخبوط لم يكن بطلا أو مناضلا، وهو في أحسن الأحوال ليس بأفضل من سابقيه من آل نهيان، ولكنه تميز بخصلة واحدة دفع ثمنها كرسى الحكم، وهى كراهيته غير المحدودة للإنجليز .. هذه الكراهية التي جعلته يرفض الاستعانة بهم وبشركاتهم لتطوير الجزيرة.. لقد كان يرى أن الإنجليز هم وحدهم الذين سيستفيدون من أعمال البناء في الجزيرة لأن عائدات النفط سترد إليهم عبر مشاريع لن يستفيد منها البدو الرحل.. كان شخبوط يرى أن بدو الإمارات لن ينتفعوا من (محطة أقمار صناعية) و (مدن رياضية) و (مواخير تعمل تحت ستار الفنادق) ، ومحطات تلفزيونية ملونة إلى غير ذلك من مشاريع تكلف مليارات ولا تعود بفائدة على الشعب الجائع.

لقد أنفق زايد المليارات على هذه المشاريع، في الوقت الذي لازالت فيه قرى الإمارات تعانى من الفقر... وانقطاع الكهرباء.. وانعدام الخدمات اليومية.. وقلة المدارس والعيادات الصحية.
هناك مناطق كثيرة في الإمارات الشمالية تعانى من فقر ومجاعة كتلك التي تعانى منها أدغال إفريقيا، ولما بدأت مجلة (الأزمنة العربية) تفتح ملف (الوطن المنسي) وتسأل عن مصير المليارات التي تدخل في الحسابات الشخصية للحكام ، صدر قرار بإلغاء ترخيصها!!

كيف تولى زايد الحكم.. وما الظروف التي أحاطت بانقلابه على أخيه شخبوط .. وما الدور الذي لعبته السفارة الإنجليزية في هذا الانقلاب؟

ظل شخبوط ضد منح امتياز بترولي لشركة نفط العراق المملوكة لبريطانيا حتى يناير 1939 أي بعد سنة كاملة من قيام جيرانه الشيوخ بمنح الامتيازات لها، وبعد عشرين سنة على ذلك، اكتشف النفط بكميات تجارية على بعد 80 ميلا غرب أبو ظبي في جزيرة داس التي اغتصبها آل نهيان من قبيلة (المحاربة)، وقد ساء الإنجليز أن يمنع شخبوط واردات النفط عنها ويحرم شركاتها من استثماره ونهبه، فروجوا القصص الكثيرة عن (بخله) واستغلوا تبرعه بمائتي ألف جنيه إسترليني عام 1965 لضحايا الفيضان في العقبة/ الأردن ليؤلبوا عليه القبائل في (أبو ظبي) بدعوى انه يبذر أموال الجزيرة، كما دفعوا قبائل لقيطة (مثل القبيسات) إلى الهجرة أو التهديد بها لخلق ظروف داخلية مواتية لإسقاطه، ولعب هذا الدور شيخ القبيسات أحمد بن حامد وزير الثقافة والإعلام في أبو ظبي وصاحب قرار تعيين عدد من راقصات هز الوسط في وزارة الإعلام بوظيفة رئيس قسم وبشروط العقد الخارجي!!

بدأت وفود السلطات البريطانية تصل إلى الجزيرة لوضع تصوراتها وخططها حول أفضل السبل وأقصرها للتخلص من شخبوط والاستيلاء على عائدات النفط الضخمة دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر قد يغضب عبد الناصر، وفى هذا الاتجاه قام عضو مجلس العموم البريطاني (كريستوفر تجندات) بزيارة أبو ظبي في مايو/ أيار 1966 في مهمة استطلاع اكتشف خلالها أن شقيق الحاكم (زايد) يطمح بالحكم ويدين للإنجليز بالولاء وعلى اثر ذلك أوصى المذكور بدعوة (زايد) إلى لندن واستمالته والاتفاق معه على قلب نظام الحكم.

بعد ذلك بشهرين (في أواخر تموز/ يوليو) وصل زايد فعلا إلى لندن ونزل في قصره الذي اشتراه في بيكونزفيلد في باكنغهام شاير، وزار المقر الملكي في اسكوت، وقد تمت الزيارة تحت ستار تلبية دعوة خاصة من البنك العثماني، لكنه في الواقع كان ضيفا على المخابرات والخارجية البريطانية، وقد اجتمع بالشركات الإنجليزية العديدة ذات المصالح والمطامع في أبو ظبي، وفى تلك الزيارة تم ترتيب كل شئ، وعاد زايد إلى (أبو ظبي) وهو يحلم بالرئاسة والثروة معاً.

في الحادية عشرة والربع من صباح السبت السادس من آب/ أغسطس عام 1966 - أي بعد أقل من أسبوع من عودة زايد من لندن - حطت طائرة تابعة للسلاح الجوى البريطاني في مطار أبو ظبي واعلنت حالة الطوارئ بين القوات الإنجليزية المرابطة في الجزيرة .. وعسكر زايد في مقر الشرطة في العاصمة على مقربة من السفارة الإنجليزية وقصر الحصن، يرافقه عدد من البدو المسلحين، بينما اقتحم (هيو بلفور بول) الممثل البريطاني السياسي المقيم قصر الحصن يرافقه العقيد (فريدى دى بطس) قائد القوات الإنجليزية في الجزيرة، ومعهما قرار الحكومة البريطانية بعزل شخبوط وتنصيب زايد بدلا منه، وتم نقل شخبوط إلى المطار وتسفيره إلى البحرين، ثم إلى بيروت فلندن حيث وضع تحت الإقامة والمراقبة في قصر كان يمتلكه هناك، وكما هو متوقع أصدرت الخارجية البريطانية بيانا زعمت فيه أن التغيير الذي حصل في أبو ظبي مسألة داخلية، وان بريطانيا مسؤولة عن الشؤون الخارجية فقط (إلى جانب الدفاع).. ولأن زايد يتمتع بوفاء فطرى متوارث وولاء آل نهيانى أصيل للإنجليز، فقد سارع باتخاذ أو قرار رئاسي في تاريخ عهده الزاهر وهو تعيين قائد القوة البريطانية التي اقتحمت القصر (العقيد فريدى) مستشارا عسكريا له، ثم عقد على الفور اتفاقيات مع شركة استشارات بريطانية ضمن برنامج (إنعاش) بلغت قيمته ستة ملايين جنيه إسترليني، وعهد إلى إحدى الشركات البريطانية الكبيرة بتخطيط المدن وبناء الطرق مقابل خمسة عشر مليون جنيه إسترليني.. وبعد سنوات قليلة تشققت الطرق، وتآكلت العمارات التي بنتها الشركة فاضطر زايد إلى عقد اتفاقات جديدة مع الشركات بلغت تكلفتها مليارات الدراهم، ولازالت الشركات الإنجليزية (تخطط) المدينة حتى الآن حيث تحفر شارعا وتردم آخر وتزيل دوارا وتبنى آخر.

درءاً لمخاطر انقلاب شخبوط على زايد استدعى المذكور إلى (أبو ظبي) ووضع تحت الإقامة الجبرية في مدينة العين،حيث أقام فيها إلى يوم وفاته، بأمرة الشيخ طحنون، أما الابن الأكبر لشخبوط وولى العهد الشرعي للإمارة، فقد تم اغتياله على يد مجهول - وكان آنذاك في العشرين من عمره - وتم زج ولده (سعيد) في السجن بدعوى انه قتل سائقا هنديا على طريق العين.. وتحت ستار الوحدة، أمرت بريطانيا الإمارات الست المجاورة بالولاء لزايد، الذي ربط مقدرات شعب الإمارات بشبكة لانهاية لها من المصالح والشركات الاستعمارية، واعطى الإنجليز حرية دخول الإمارات والخروج منها دون تأشيرات، بينما أنشأ سلسلة لا نهاية لها من أجهزة المخابرات، التي لا تعمل إلا في أوساط المواطنين والعرب الوافدين، الذين يتعرضون الآن إلى عملية طرد مبرمجة من خلال الزعم بتوطين الوظائف وشد الحزام.. ثم أوعز لعدد من الإيرانيين المسيطرين على وزارة التربية والتعليم بإلغاء كل التوجهات القومية في المناهج المدرسية (الكويتية) واستبدالها بمسخ يلغى شخصية ابن الإمارات ويبعده عن قضاياه ويربطه بأفغانستان وباكستان وإيران والهند، بينما أطلق يد الشيعي عبد الله النويسى في كل وسائل الإعلام واستكمالا للديمقراطية الزائفة كلف (آل تريم) بتشكيل جبهة معارضة من خلال جريدة الخليج، يكون همها امتصاص نقمة الناس والتنفيس عنها، والحديث المتواصل عن المنجزات النهيانية، رغم أن الأكثرية من سكان الإمارات تعيش في العشش والكهوف والبراكيات.

استكمالا للمظهر العصري الذي أراد زايد أن يظهر به، وتلبية لمطالب الشركات الإنجليزية التي تعيش في مدنها الخاصة في أبو ظبي ودبي ، أقام زايد (سليل النبي كما تزعم بعض كتب الإمارات) أول ماخور رسمي في تاريخ الدولة والجزيرة العربية وهو المعروف بماخور (سكة الخيل) على مرمى حجر من قصر الحصن، كما أنشأ جامعة الإمارات في مدينة العين وسلم رئاستها لابن الشيخ مبارك (نهيان) الذي لا يحمل أية مؤهلات تذكر، وبدأ بإصدار المراسيم التي تكفل له طول العمر في الحكم، فوسع من دوائر المخابرات والاستخبارات بالتعاون مع جعفر النميرى، ورقى ولده خليفة - الذي لم يكمل تعليمه المدرسي - إلى رتبة فيلد مارشال (فريق) وجعله قائدا للجيش وسمح لشاه إيران بابتلاع جزر أبو موسى وطمب الصغرى والكبرى ، واقطع السعودية ثلاثة أرباع قراره السياسي ووزع المليارات على الأفارقة كي يشترى لنفسه مركزا في المجتمع الدولي، وختم كل ذلك بلعب دور الوسيط بين العرب وإسرائيل من خلال استقباله لمبارك أحد عرابي كامب ديفي، وعندما بدأت أعين مثقفي الإمارات تتفتح على الواقع الرهيب الذي تعيشه بلادهم شرع بإصدار قوانين ملجمة للأفواه.. ومنها قانون المطبوعات والنشر، الذي أتبعه بقرار إغلاق مجلة الأزمنة العربية المعارضة واستبدالها بجريدة لقيطة تدعى المعارضة، ويمتلكها عائلة لقيطة من الشارقة، وفتح أبواب الإمارات لتجار المخدرات، الذين كانوا يهربون المخدر بالحقائب الدبلوماسية عبر سفارة الإمارات في لندن، وقد أدى اكتشاف بعض هذه الحقائب في مطار هيثرو إلى ضجة عالمية دفعت الحكومة البريطانية إلى تحميل مهدى التاجر سفير الإمارات المسؤولية.

لقد لعبت الأسرة النهيانية دورا أساسيا في تكريس الوجود البريطاني في المنطقة العربية، ولم يحدث في تاريخ الأمم أن تباكى زعيم دولة على رحيل دولة أخرى كانت تستعمره وتحكمه بالحديد والنار كما فعل سليل الأسرة النهيانية الشيخ زايد الذي صرح لـ (كوليد موريس) في عام 1974 بما يلي: (لقد كانت بريطانيا صديقتنا الأولى في هذا الجزء من العالم من خلال نظام المحميات.. لقد تركتنا نحن في الإمارات فجأة لوحدنا.. لقد كان قرار بريطانيا بالانحساب قرارا متسرعا).

الزيارة الأولى للشيخ زايد لم تحظ - آنذاك - بتغطية إعلامية ، فالشيخ الشاب جاء بدعوة من البنك العثماني في لندن للاستجمام، ولأنه لم يكن يومها الآمر الناهي في أبو ظبي وبالتالي لا يمتلك أن يشترى قصورا ويخوتا، فقد اكتفى باستئجار بيت متواضع في بيكونز فيلد فى باكنغهام شاير، ولن نعجب لو أن الشيخ اشترى - الآن - هذا المنزل وضمه إلى ممتلكاته في العاصمة البريطانية أو حوله إلى متحف ذلك أن مقدرات دولة الإمارات وضعت ورسمت وطبخت آنذاك في هذا البيت، الذي أمه رجال العمال وأصحاب شركات النفط الساعية إلى ابتلاع خيرات الإمارة واقتلاع شيخها المشاكس شخبوط، كما أمته وفود سرية من وزارات الخارجية والداخلية فضلا عن المخابرات والاستخبارات، وكان تموز/ يوليو - آنذاك - كافيا لاقناع الشيخ زايد بضرورة الاستيلاء على الحكم مع وعود عريضة له بالدعم والمساندة.

لم تكن تلك الزيارة هي الأولى للشيخ، فقد تغرب لأول مرة في حياته عام 1953 حين زار لندن وباريس، واكتشف كم كانت الهوة شاسعة بين مدينته التي يحكمها (العين)، وبين العاصمتين. ولعله شغف أكثر بحياة الترف والرفاهية التي يعيشها الأوربيون والتي لايجد لها مثيلا في صحارى أبو ظبي القاسية، التي تزداد قسوة وشظفا بممارسات أخيه الحاكم شخبوط، وببخله الشديد، وإصراره على أن تحافظ البلاد على عذريتها، فلا تمنح لشركات النفط البريطانية ولا تستباح مدخولاتها الضئيلة في مشروعات كان شخبوط يرى أن البلاد في ظرفها التاريخي آنذاك لم تكن تحتاج إليها !!

في زيارته الأولى لم يجرؤ الشيخ زايد على بحث إمكانية انقلابه على أخيه، فقد كان شخبوط حاكما متمرسا شديد البأس تدين له القبائل بالولاء والطاعة، كما كانت قضية ولاية العهد محسومة لسلطا، الابن البكر لشخبوط، فضلا عن أن بريطانيا كانت - آنذاك - تحرص على استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة ضمانا لمصالحها وتجنبا للمنطقة من الدخول في صراعات قد تجذب إليها الدول الأخرى الطامعة بالنفوذ!!.

لقد حاول بعض المؤرخين والصحافيين الذين كتبوا عن هذه المرحلة، والذين صدرت كتبهم عن وزارة الإعلام والثقافة في الإمارات - مثل كتب صقر الصحراء لكلود موريس - أن يزوروا في التاريخ حين زعموا أن الشيخ شخبوط كان من تلقاء نفسه يحبذ الاستقالة والتنحى لصالح اخوته أو أولاد عمومته، لا بل إن موريس قد وضع هذا الزعم في إطار مسرحي لا يصدقه كل من عرف شخبوط، أو سمع عنه.. يقول موريس في صفحة 62 من كتابه العجيب الذي نشرته له وزارة الإعلام في الإمارات ما يلي: (ومرة زار الشيخ شخبوط والدته وأخته واعترف لهما صراحة بأنه تعب ويود أن يرتاح وأعرب شخبوط بعد درس طويل من اعتقاده انه من المنطق والحكمة أن يتخلى عن الحكم لأخيه الشيخ زايد)!!

وعلى طريقة إحسان عبد القدوس في الاستطراد برواياته يتابع كلود موريس قائلا : (وكانت استجابة الام المباشرة ووافقت فوراً .. قائلة : أجل، يجب أن تراح قبل أن تنهار، وحري بك أن تتذكر أن لك اخوة وعائلة يستمرون في حمل الرسالة ذاتها وعليك أن ترتاح)!!
ولأن هذا الموقف العاطفي الرومانسي المستوحى من ألف ليلة وليلة لن يجد له مصدقا واحدا فقد أدخل كلود موريس موقفا دراميا على النحو التالي: (وفيما كان شخبوط يتحدث إلى أمه وأخته دخل ابنه سلطان إلى الغرفة فاستمع إلى الحديث لحظة وكان قد بلغ الثامنة عشرة آنئذ ثم تدخل في الحديث مقاطعا أباه: لا ! لا ! لا ! أحد يحق له أن يحكم وأنت حي)!!!

ما حدث بعد ذلك يكذب رواية موريس ومن نشر له كتابه في وزارة الإعلام والثقافة في الإمارات، فشخبوط لم يستقل ولم يتنح وانما سقط بانقلاب عسكري بريطاني قاده في السادس من آب / أغسطس 1966 هيو بلفور بول نائب الممثل البريطاني السياسي المقيم، الذي دخل على رأس قوة عسكرية قصر الديوان الأميري في أبو ظبي ليبلغ شخبوط قرار بريطانيا بإقالته لصالح الشيخ زايد، الذي كان ينتظر على رأس قوة من رجال القبائل في مقر الشرطة المواجهة للقصر، وقد تولى العقيد البريطاني (بطس) مهمة مرافقة شخبوط -مخفورا - إلى مطار أبو ظبي، وكوفئ العقيد بطس على ذلك بتعيينه مستشارا عسكرياً للشيخ زايد!!

لقد عرف عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كرمه الزائد ، خصوصا مع الوفود البريطانية التي تزور أبو ظبي، ولعلنا لا نذيع سراً حين نذكر أن المواطن البريطاني لا يحتاج إلى تأشيرة دخول مسبقة إلى أبو ظبي - بلده الثاني - بينما ينتظر العرب أمام سفارات الإمارات في دمشق والقاهرة وعمان أياما وأشهرا للحصول على أذونات السفر.. أو حتى زيارة قصيرة لأقاربهم.

مراسل رويتر كان أول من طير خبر تولى الشيخ زايد للحكم في بلاده ، وصحافة لندن كانت السباقة في الإشادة بحكمة الشيخ الجديد ومساوئ الشيخ شخبوط، أما بيان وزارة الخارجية والدافع كما جاء في المعاهدة القائمة بين الجانبين، ولم يوضح بيان الخارجية أسباب تولى اثنين من كبار موظفيها في أبو ظبي مهمة اقتحام القصر على رأس كشافة عمان المتصالحة ، ونقل شخبوط إلى المطار ثم تسفيره بطائرة عسكرية بريطانية إلى لندن، كما لم توضح الخارجية البريطانية - بعد ذلك - أسرار مقتل الشيخ سلطان الابن البكر لشخبوط، ولم نقرأ بعد ذلك شيئا عن مصير شخبوط وأولاده، حتى عندنا أذن له بالعودة إلى مدينة العين ليعيش باقي عمره رهين قصره، مرصودا من عيون الشيخ طحنون بن محمد حاكم المدينة!!

لم يخيب الشيخ زايد بن سلطان - إذن - ظن الشركات البريطانية الاحتكارية التي استضافته في لندن، وساعدته على تسلم كرسى المشيخة في إمارته ، فلم تكد تمر أسابيع على توليه الحكم حتى سلم إحدى شركات الاستشارات البريطانية ستة ملايين جنيه إسترليني كي تضع له مخططات للعاصمة الجديدة، وبعد أقل من أربع سنوات تم ردم جميع المنشآت والعمارات والدوارات التي بنتها الشركة الإنجليزية المذكورة لعدم صلاحيتها، وسلمت شركات أخرى - إنجليزية - أيضا ملايين الدولارات من أجل وضع خطط استشارية أخرى.. ومنذ 23 عاما والشركات البريطانية تشفط خيرات البلاد أولا بأول، تحت ستار بناء مشاريع استثمارية أو عمرانية.

الشيخ زايد هو الحاكم الوحيد في التاريخ الذي احتج علنا على الدولة التي تستعمر بلاده ليس لأنها أصرت على مواصلة احتلالها لبلاده، بل لأنها أعلنت عن نيتها الانسحاب، لقد كان وصفه للقرار البريطاني بالانحساب بأنه (كان قرارا متسرعا) علامة لم يتوقف عند مغزاها مؤرخو القرن العشرين بعد، لكن مؤرخي الأجيال المقبلة سيحاكمون المرحلة كلها على ضوء هذه (العبارة) التي لم يكتشفها حتى ميكافيلى في (أميره) !!

في تموز/ يوليو المقبل سينزل الشيخ زايد في قصره الفخم بمنطقة هامستيد اللندنية، ولن ينشغل كثيرا بانتقادات الصحافة البريطانية للبذخ غير المعقول على حديقة قصره أو للتوسعات الفوضوية التي أدخلها على القصر ، فجعله أشبه بخيمة واسعة، كما لن ينشغل بستار المنزل وألوان بواباته، فهو لن يقطن القصر، ولن يكحل عينيه بحلاوته إلا لأيام قليلة في كل تموز من كل عام، وحسبه أنه أوفى نذرا يبدو انه أخذه على نفسه قبل 23 عاما، عندما استأجر في بريطانيا بيتا لمدة شهر، رسم خلاله بمساعدة أعوانه ومريديه من البريطانيين خريطة ما يسمى الآن بدولة الإمارات العربية المتحدة.

والحق يقال: إن الشيخ زايد قد نجح في تحقيق طموحاته الخاصة، أما طموحات شعبه فالوقت الآن مبكر للحكم عليها، بخاصة ضمن أجواء التلويث النفطي للشعب بأكمله، هذا التلويث الذي جعل أبا ظبي - هذه الإمارة الصحراوية البدوية - وكرا لأكثر من ماخور ومحطة ترانزيت للتهريب وعاصمة دولية لتجارة المخدرات.

لقد أردنا في عرب تايمز منذ البدء أن تؤرخ للعائلات الحاكمة في الخليج الشرقي (المتصالح) ليس لأن المؤرخين العرب والأعاجم أهملوا كتابة تاريخ هذه العائلات، فما كتب عنها ويكتب يزيد أحيانا عن عدد سكانها، وانما لأننا في عرب تايمز - أدركنا - من البدء أن العائلات الحاكمة نجحت في (رشوة) المؤرخين ومن ثم في تزوير صفحات كثيرة من تاريخها، ومن هذه العائلات (آل مكتوم) الذين يحكمون الآن إمارة دبي، التي تتحول إلى قاعدة للتهريب ومحطة لبواخر السلاح الإيرانية ووكرا لتجار الحشيش وتجار الأطفال.. فمن هؤلاء (آل مكتوم) وما أصلهم .. وما فصلهم.. وكيف ابتلينا بهم؟!!