كتب : أسامة فوزي
  • التقيت في مطلع عام 1978 بشاب أردني كان قد أنهى دراسته الجامعية في القاهرة وجاء إلى أبو ظبي للعمل في جريدة " الوحدة " ولسبب أجهله كان الشباب في الجريدة ينادونه باسم " سليمان ضبان " بينما يصر هو على أن اسمه الصحيح هو " سليمان نمر " وكانت كلمة " ضبان " تزعله وتنرفزه ربما لان الكلمة متداولة في الأردن في أوساط " الكندرجية " أي الذين يقومون بتصليح الأحذية ولعل هذا هو الذي جعلنا نتندر أحيانا وفي معرض " مداعبته " إلى مناداته باسم " سليمان نص نعل " .

  • كان سليمان محدود الموهبة ... كثير التباهي بعلاقاته النسائية الواسعة في أوساط بنات الجامعة في القاهرة رغم ان " شكله " لم يكن ينبئ بالدونجوانية ... وباختصار كان سليمان موضوعا للتندر في كل الجلسات التي كانت تجمعنا في غرفة حقيرة كان صاحب الجريدة " راشد بن عويضة " يستأجرها لموظفيه في " مدينة زايد " مع اعترافي بمقدرة الشاب سليمان غير المحدودة على مجاراة الآخرين حتى انه اصبح " صديقا " لي من طرف واحد... أي من طرفه .

  • توطدت هذه الصداقة بعد شهرين حين سافرت إلى القاهرة لقضاء إجازة الصيف فيها ... يومها اتصل بي " سليمان " من أبو ظبي وطلب أن أستضيفه في الشقة المفروشة التي كنت قد استأجرتها في شارع شامبليون وهي شقة أقمت فيها ثلاثة اشهر واصبحت محطة لكل من يرغب بالسفر إلى القاهرة من الأصدقاء والأعداء على حد سواء ... ففيها نزل بدر عبد الحق وفايز محمود وإبراهيم ضمرة وسعادة سوداح وفاروق وادي ومحي الدين اللاذقاني وصديقي احمد الزعبي الذي اصبح فيما بعد أستاذا للأدب الحديث في الجامعات الأردنية وغيرهم ... وفيها علقت أول خناقة بين أمل دنقل وابراهيم ضمرة ... وفيها التقيت بأحمد فؤاد نجم وعزة بلبع ... وقد تكون أول شقة يلتقي فيها أمل دنقل بنصفه الحلو عبلة الرويني ... ولا زلت احتفظ بلقاء صحافي مسجل على شريط كاسيت أجريته في هذه الشقة مع المرحوم الفنان الكبير صلاح منصور قبل وفاته .

  • في هذه الشقة استضفت " سليمان ضبان " الذي جاء لزيارتي وبرفقته شاب قدمه لي على انه شقيق الأميرة فريال زوجة الأمير محمد شقيق الملك حسين ...وعلمت من سليمان انه جاء من أبو ظبي في رحلة سريعة وفي جيبه مائة درهم لا اكثر ولا اقل للالتقاء بحبيبته " ليلى " وهي كما قال لي طالبة أنهت دراستها في كلية الإعلام وابنة وحيدة لمدير بنك .... وقال لي سليمان انه يحب ليلى ولا يستطيع أن يعيش بدونها إلى آخر هذه العواطف الجياشة التي غالبا ما نراها في أفلام عبد الحليم وفريد الأطرش .

  • ومن غرفة النوم في شقتي في القاهرة اتصل سليمان بليلى خمس مرات ... وكان كلما رد رجل على الهاتف يغلق سليمان السماعة إلى أن ردت في الاتصال السادس " ليلى " وقالت له كما اخبرني أنها فاتحت والدها بعلاقتها مع سليمان وان عليه أن يحضر فورا لمقابلة الوالد ليخطبها منه .

  • لم أشاهد" ضبان " وجه " سليمان ضبان " منشرحا كما شاهدته في تلك اللحظة ... فالشاب ثقيل الدم كاد يطير من الفرح ويبدو أن وقع موافقة الأهل عليه كان له مفعول الصاعقة لان سليمان لم يكن متأملا لولو لثانية واحدة أن يوافق مدير البنك على تزويج ابنته الوحيدة من شاب أردني صايع ... وهو التوقع ذاته الذي كان يخالجني ... ولعل هذا هو الذي جعلني أوافق على الذهاب مع سليمان إلى بيت الخطيبة لمقابلة الأب " ليس لاني ارغب بلعب دور ولي أمر العريس سليمان ...وانما فقط لاني أردت أن أرى " ليلى " هذه التي عجمت أعواد الشباب في الجامعة فلم تجد افضل من هذا الكائن العجيب بسحنته التي تذكرني بدارون ونظريته .... وكنت قد رسمت لها صورة في مخيلتي قريبة من شكل سليمان ... حاجة كدة ... ماري منيب على سيد زيان .

  • لم احترم " سليمان ضبان " لحظة واحدة كما احترمته يوم قدمني إلى " ليلى " ولم اصدق أن هذا الولد الصايع يمكن أن يوقع في حبائله صبية حسناء بارعة الجمال ومن عائلة ميسورة مثل " ليلى " .... كانت ليلى جميلة فعلا ... وكان شعرها الطويل المنسدل على كتفيها وبشرتها الناعمة وتقاطيع وجهها التي تذكرني بفاتنات السينما المصرية في الستينات مفاجأة بالنسبة لي جعلتني احسد " سليمان " من كل قلبي واحترمه.

  • طلب مني سليمان أن أعيره قميصا وكرافتة ... ومائة جنيه ... ولانه يكبرني حجما فقد ظهر بالقميص المفتوح الأزرار مضحكا ... لكن الذي أثار دهشتي هو انه توجه إلى بيت الخطيبة في المساء بسيارة ليموزين مع سائق استأجرها بالجنيهات المائة التي اقترضها مني وكانت آنذاك عام 1978 تعتبر ثروة بحق وحقيق ولما سألته عن السر في هذا التبذير قال ضاحكا : " لزوم الشغل " .

  • نزلنا أنا وسليمان من سيارة الليموزين أمام فيلا فخمة تقع في حي سكني فاخر على مشارف القاهرة وكان في استقبالنا رب الأسرة " مدير البنك " وابنه وبعض أقارب " العروس " وعجبت من قدرة سليمان وهو المفلس وثقيل الدم على التكيف في القعدة حيث بدأ يلقي النكات بلهجة مصرية متكلفة ... وكان ينادي " حماته " بعبارة " يا طنط " بل وتبسط في مخاطبة العروس رغم انه لم يتقدم بعد لخطبتها فناداها باسم " لوللا " على طريقة سمير غانم... وزادت دهشتي حين سحب سليمان ساعة رولكس ذهبية من جيبه وقدمها لوالد العروس كهدية بخاصة واني كنت اعرف أن هذه الساعة أمانة أرسلها مدير الإعلانات في الجريدة مع سليمان إلى أخيه في القاهرة ... وعلمت بعد ذلك أن سليمان ادعى أن الساعة قد صودرت منه في المطار وطلب مني أن اشهد زورا بذلك حتى لا يلاحقه مدير الإعلانات قضائيا مع أن الساعة كانت آنذاك تزنر معصم والد العروس ... وفهمت من " القعدة " أن أهل العروس يظنون أن الشاب الذي جاء إليهم بقميص ضيق نايلون وهو قميصي وبسيارة ليموزين استأجرها بفلوسي وبساعة روليكس كان يفترض أن يسلمها لصاحبها في القاهرة لانها أمانة هو مستشار الشيخ زايد الإعلامي وهي الصفة التي تقدم بها سليمان لاهل العروس الذين صدقوها... وبعد التقاط صور عديدة للمناسبة والاتفاق على أن يعود سليمان إلى القاهرة بعد أسبوع وبصحبته الأهل لخطبة ليلى رسميا انفض السامر .

  • قلت لسليمان ونحن في طريق العودة إلى الشقة : ولك يا زلمة ... كيف ورطت نفسك هذه الورطة ؟ ... فالكذب في هذه المسائل حبله قصير واهل العروس والعروس نفسها سيكتشفون إن آجلا أو عاجلا انك كذاب وانك لست اكثر من " صايع " في ابو ظبي بمرتب ألف درهم في الشهر ثم انك أخبرتني أن والدك كحيان ... وانه لم يكن موافقا في الأصل على زواجك من فتاة مصرية .

  • طار سليمان إلى الأردن وعاد بعد أسبوع ومعه " أمه " ... كانت "أم سليمان " امرأة كبيرة في السن ليس لها في العير ولا في النفير تضع العباءة الأردنية التقليدية ولا تجيد فن التحاور والمجاملة... كانت امرأة فلاحة تقليدية جدا ... وقد رافقت ابنها إلى القاهرة دون أن تعرف " شو الطبخة " أما الأب فقد رفض الحضور ... ولانني لم أتمكن من استضافة سليمان وامه في الشقة التي تحولت إلى فندق مجاني للأصدقاء فقد نزل الاثنان في غرفة حقيرة في فندق قديم يقع على شارع معروف المتفرع من شارع سليمان باشا ... وكانت أم سليمان عندما التقيتها في صباح اليوم التالي تشكو من قرصات "البق " و " القمل " و" الآكلان " .

  • عاد سليمان من الأردن وفي جيبته مائة دينار أردني خصص منها تسعين دينارا لاستئجار سيارة ليموزين مع سائق وابقى الدنانير العشرة لمصاريف الإقامة والأكل له ولامه في القاهرة .... ومرة أخرى برر ذلك بأنه " لزوم الشغل " فأهل العروس لن يروا منه إلا سيارة الليموزين ومن المؤكد انهم لن يسألوا عن الفندق الذي نزل فيه العريس ... وقطعا لن ينتبهوا إلى أن جسم الام المسكينة قد تورم من " الأكالان " .

  • ذهبنا مرة أخرى بسيارة ليموزين إلى بيت العروس ... وتمت الخطبة بعد أن ادعى سليمان أن صحة الوالد بعافية " حبتين " وطار سليمان إلى أبو ظبي بعد أن شحن أمه إلى الأردن .... وعدت أنا إلى الشقة لاخبر الأصدقاء بورطة سليمان ... وحلاوة العروس التي قبلت به ... وطرائف " الفيلم " الذي سحبه سليمان على أهلها .... بدءا بسيارة الليموزين وساعة الرولكس ... وانتهاء بحكاية " مستشار الشيخ زايد الإعلامي " .

  • بعد اشهر اتصل بي سليمان وكنت في مدينة العين يطلب مني أسماء وعناوين الكتاب والصحفيين الذين اعرفهم في الأردن لعلهم يساعدونه في إيجاد عمل له بعد أن أنهت جريدة الوحدة خدماته .

  • ولشدة دهشتي بدأ سليمان حياته العملية في الأردن بنشر إعلان تهنئة صفحة كاملة في جريدة الرأي بمناسبة عيد الجلوس الملكي ... ثم علمت أن سليمان توجه إلى السعودية للعمل ... ومن هناك وبعد سنوات جاء من يخبرني أن " سليمان ضبان " أو " سليمان نمر " اصبح مستشارا إعلاميا لاحد الأمراء بل وقيل لي انه اصبح أهم شخصية إعلامية في ديوان الأمير سلمان .

  • ويوم أمس ... وبعد مرور اكثر من ثلاثين سنة على هذه الواقعة رأيت سليمان على شاشة إحدى الفضائيات وهو يقدم رسالة إخبارية من الرياض ... فانقلبت على ظهري من الضحك وجلست على مكتبي لاخط هذه المقالة عن مفارقات القدر فلعل سليمان ضبان يقرأ هذه المقالة فيعيد الجنيهات المائة التي اقترضها مني والتي بفضلها فاز بأحلى فتاة كنت احسده عليها من كل قلبي .... واصبحت اكثر قناعة بالمثل الشعبي المصري " يعطي الحلق للي ما له ودان "

* وقررت ... بعد هذا ... أن ابدأ بكتابة مذكراتي والتوقف عند أسماء لها في عالم الصحافة والإعلام في منطقة الخليج طنة ورنة رغم أن حكاية بعضها قد تكون اطرف من حكاية" سليمان ضبان " ... بدءا بأحمد الجارالله وعبدالله تريم وراشد عويضة وحبيب الصايغ ..... وانتهاء بابراهيم العابد ومحمد عودة وشوكت كتانة وعشرات غيرهم....فإلى لقاء .