في مقالي السابق بعنوان "بودحروجة والجنة التي انقلبت جحيما، المنشور في حلقتين - انقر هنا لقراءة الحلقة الالوى - وانقر هنا لقراءة الثانية -  تعرضنا إلى تاسيس شركة تام أويل سويسرا والذي جاء نتيجة لاقتناء شركة غات أويل (أس أيه) GATOIL SA. واستعرضنا أيضا نماذج من تصرفات أعضاء إدارة تلك الشركة، على وعد بتغطية المزيد من أعراض سرطان الفساد المالي الذي أخذ ينتشر في جميع مفاصل وأعضاء مجموعة شركات تام أويل العاملة خارج ليبيا والمملوكة بالكامل للدولة الليبية عن طريق مؤسسة الإستثمارات الخارجية.

ونستعرض في هذا المقال المزيد من الحقائق المخفية حول شركة تام أويل سويسرا. وسنبدأ من حيث انتهينا في المقال السابق إذ أشرنا إلى "اشاعات" تقول إن السلطات السويسرية أصدرت رسالة تزكية لصالح السيد صادق الشويد عضو مجلس إدارة الشركة ومديرها العام الذي اشتهر بين زملائه وأعوانه في قطاع النفط الليبي باسم "شيخ المرتشين". وأن تلك الرسالة صدرت في عز تدهور العلاقات السويسرية الليبية بسبب قرار السلطات السويسرية بعدم منح سيف الإسلام نجل العقيد معمر القذافي تأشيرة للإقامة في سويسرا لاستكمال دراسته العليا في الجامعة الأمريكية في جنيف.

وقالت تلك الإشاعات أن القرار السويسري جاء بناء على "نصيحة" من شيخ المرتشين الشويد الذي كان يخشى من وجود سيف الإسلام في سويسرا لمدة طويلة لأن ذلك سيمكنه (أي يمكن سيف الإسلام) من التعرف على نشاطات تام أويل سويسرا، وربما الاستفسار أو الإطلاع عن بعض التفاصيل التي قد تمكنه من اكتشاف ما كان يجري وراء الكواليس من اختلاسات وسوء إدارة وتوظيف خاص لأموال الشركة، و"صفقات مشبوهة" وترتيبات خاصة مع الحكومة السويسرية للتغطية عن ضرائب مسترجعة وخسائر فادحة تكبدتها الشركة في "مشاريع استثمارية" وهمية أو خاسرة، كما بينا في المقال المشار إليه أعلاه.

واشرنا إلى أن انكشاف أمر هذه الرسالة المزعومة ينطوي على ثلاثة أمور ذات أهمية خاصة هي:

  1. صدور الرسالة عن سلطات كانتون فوود VAUD، بينما كان طلب الإقامة الدائمة خاصا بكانتون جنيفا، وهو إجراء يتعارض مع لوائح وقوانين الإتحاد الفيدرالي السويسري (Standards of Confederation Hevetica).
     
  2. كي تتمكن السلطات السويسرية من أخذ تخفيض مدة الحد الأدنى للإقامة من عشر الى خمس سنوات في الإعتبار وقبل رفع درجة ترخيص العمل الخاصة بالمواطن الليبي المقيم في سويسرا من الفئة (ب) الى الفئة (جـ)، يستلزم عليه أن تكون استثماراته في سويسرا شخصية وخاصة به.
     
  3. المدة التي كان صادق الشويد قد قضاها فعلا في كانتون جنيف عندما أشيع وجود تلك "الرسالة" المزعومة (أي 20 يناير 1998) هي ثلاث سنوات وعشرة أشهر وخمسة وعشرون يوما، حسب التاريخ الرسمي لوصوله في كانتون جنيف، كما هو مبين في تصريح عمله، وهو 25 فبراير 1994. (راجع هنا.. وايضا هنا)

فإن ثبت وجود هذه "الرسالة" المزعومة - كما نوهنا في المقال السابق – فإن المسألة تتجاوز مجرد كونها مسألة اختلاسات مالية أو سوء تصرف في أموال الشعب. المسأل في هذه الحالة تتحول إلى خانة المؤامرة.. أي التآمر مع دولة أجنبية ضد مصلحة الشعب الليبي. وبتعبير آخر هي: خـيانة وطنـية.

إلا أن هذا كله يتوقف على شرط أن الرسالة المزعومة حقيقية وموجودة فعلا.


 

 

 

 

 
الرسالة في الأصل بالفرنسية

 


 

ويؤسفنا أن نزف لمن يعنيه الأمر خبر تحقق هذا الشرط مؤكدين أن الرسالة إياها حقيقية وموجودة فعلاوقد تمكنا من خلال مصادر خاصة من الحصول على نسخة من هذه الرسالة المحررة في الأصل بالفرنسية. ولمزيد الفائدة نرفق ترجمة بالعربية لهذه الرسالة


 


 

ويجدر التنبيه هنا إلى أن التصحيح الوحيد لما ورد في "الإشاعة" هو أن الرسالة صادرة عن كانتون فاليس Vallis حيث تقع المصفاة وليس كانتون فوود Vaud كما قالت الإشاعة. فيما عدا ذلك فإن محتوى الرسالة هو تماما كما أشيع وتظل النقاط الثلاث المذكورة أعلاه مصدر قلق شديد لكل من يهمه الأمر من المسؤولين الليبيين.


 

 

 

 
ترجمة الرسالة بالعربية

 


 

ويتضح من الرسالة لكل ذي عينين أن صادق شويد ظل على طول الخط يعمل لصالح الحكومة السويسرية – هذا على افتراض إخلاصه لأيجهة أخرى عدا شخصه وجيبه الخاص!! – لدرجة استعداداه لأن يتآمر ضد القيادة الليبية ويخاطر بالإشتراك في مؤامرة من هذا القبيل لصالح الحكومة السويسرية (بما يخدم مصلحته الشخصية بطبيعة الحال.. عملا بالمثل الليبي القائل: خادم جهنم ما يباتش بلاش!!)

ولا يهمنا كثيرا هنا ما إذا كانت القيادة الليبية ستتخذ أي إجراءات ضد صادق شويد أم لا بسبب ضلوعه في هذه المؤامرة ضد الدولة الليبية والشعب الليبي. ولكن همنا الأكبر هو اعتداء صادق الشويد وعصابته على أموال الشعب الليبي بغير وجه حق، ولجوؤه إلى اساليب ملتوية وغير مشروعة لتحويل تلك الأموال لصالح السلطات السويسرية كما هو مبين بالأرقام والتفصيل في مقالنا السابق (راجع المقال رقم 2). فقد بلغت الأموال الليبية التي دخلت على الخزينة السويسرية خلال الفترة 1991 – 2001 مليارا و661 مليون فرنك سويسري. وإذا أضفنا العام 2002 سنجد أن المبلغ وصل ماليارا و716 مليون فرنك سويسري. أضف الى ذلك معدل خسائر عام 2002 وهو 55 مليون فرنك سويسري.

كما تمكنا من الحصول على أدلة ومعلومات إضافية تؤكد تآمر شيخ المرتشين صادق شويد مع أسياده في الحكومة السويسرية ضد الدولة الليبية وقيادتها السياسية، كما توضح الرسالة المؤرخة في 20 يناير 1998.

فقد علمنا أن اجتماع مجلس إدارة تام أويل سويسرا بتاريخ 10 يناير 1998 عقد في لندن بدلا من سويسرا المكان المعتاد لاجتماعات المجلس. كما علمنا أن السبب في ذلك هو رفض السلطات السويسرية منح تأشيرة دخول لإثنين من أعضاء المجلس هما السيد القناص والسيد عون. وسبب الرفض هو انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين ليبيا وسويسرا في ذلك الحين ورفض كل من البلدين منح تأشيرات دخول لمواطني البلد الآخر. وكان ذلك الإنقطاع في العلاقات الدبلوماسية قد جاء نتيجة رفض الحكومة السويسرية منح تأشيرة دراسة لسيف الإسلام القذافي، كما سبق وأن شرحنا بالتفصيل.

هذه المعلومات مهمة لأن الشخصين عضوي مجلس إدارة شركة تام أويل اللذين رفضت السلطات السويسرية منحهما تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماع مجلس الإدارة هما في الحقيقة أعلى في المسؤولية داخل الشركة من السيد صادق الشويد الذي كان آنذاك مدير عام الشركة في سويسرا.

وهكذا نجد أنه في الوقت الذي ترفض فيه السلطات السويسرية منح تأشيرة دخول لأثنين من اعضاء مجلس إدارة الشركة، تصدر تلك السلطات نفسها تلك الرسالة للسيد صادق الشويد التي لا تعبر فقط عن سخائها تجاهه وتمييزه بمعاملة تفضيلية خاصة، بل هي في الواقع مخالفة لإجراءات الهجرة السويسرية نفسها. والسؤال هو: مالسبب الذي يدفع السلطات السويسرية الى اتخاذ مثل هذا الموقف من شيخ المرتشين، وماذا قدم الشويد في المقابل كي يتحصل على هذه الخدمة المتميزة؟ والإجابة هي في صلب السؤال!!

وتفيد المعلومات التي تحصلنا عليها خلال البحث في هذه القضية بأن صادق الشويد لعب دورا رئيسيا في الضغط على القيادة الليبية كي تتراجع في قرارها بتعليق العلاقات الليبية السويسرية، مما يعتبر خدمة ثمينة لأسياده السويسريين!! وقد نجح الشويد – للأسف – في أداء دوره على ما يرام.

وتقول معلومات تحصلنا عليها أن الشويد لجأ إلى الشخصين المفضلين لديه داخل الدولة الليبية يطلب منهما النجدة والحماية بالتوسط لدى القيادة الليبية لتفادي انكشاف أمره. وتمكن الشويد فعلا من توظيف علاقته الخاصة جدا مع عبدالله البدرية وعمار لطيف لإقناع القيادة الليبية بالتراجع في قرارها بتعليق العلاقات الدبلوماسية مع سويسرا. وتم ذلك عن طريق مسؤول قسم أوروبا في الخارجية الليبية آنذاك عبدالعاطي العبيدي والمفاوض الرئيسي مع الحكومة السويسرية.

ونجحت تلك المساعي في إقناع القيادة الليبية بإعادة العلاقات بناء على أن ميزان التعامل التجاري بين البلدين في صالح ليبيا. وبما لديه من مهارة فائقة وخبرة في التلاعب والتمويه من خلال عمله في تام أويل أفلح الشويد مرة أخرى في تغليف الحقائق وخلط الأوراق.

فقد أمطر القيادة الليبية والسيد عبدالعاطي العبيدي بوابل من الرسائل والتقارير التي تدعم مزاعمه بأن ميزان كفة التعامل التجاري بين ليبيا وسويسرا راجحة لصالح ليبيا بما قيمته 400 مليون فرنك سويسري سنويا.

وهنا نجد أنه من الضروري، وللتاريخ، أن نرد على هذه الفرية التي اخترعها شيخ المرتشين صادق شويد لا لشيء إلا خدمة لأسياده السويسريين ولصالح جيبه الخاص. فهي كذبة لابد من دحضها ووضع الأمور في نصابها الصحيح.

فقد برر الشويد فريته هذه بالقول بأن قيمة الصادرات الليبية من النفط الخام للمصفاتين الوحيدتين الموجودتين في سويسرا بلغت 342 مليون فرنك سويسري. واعتمد الشويد في حساب ذلك المبلغ على تقدير – من عنده - لكميات النفط المصدرة قدره 18 مليون برميل بمعدل سعر 19 دولارا للبرميل الواحد لعام 1997.

في عام 1997 وقعت الشركة العامة للكهرباء الليبية عقدا لإنشاء تربينات لتوليد الطاقة مع شركة (أيه بي بي ABB) السويسرية بقيمة 960 مليون دولار. وكانت القيادة الليبية آنذاك تستعمل ذلك المشروع كورقة في التفاوض مع السلطات السويسرية في موضوع إعادة العلاقات بين البلدين.

ولكن لا يمكن حساب هذه الصفقة لصالح الطرف السويسري لأن شركة (أيه بي بي) مملوكة مناصفة لرأسمال سويسري سويدي (50% - 50%). وعليه – كما زعم الشويد في ما قاله لأعوانه في الدولة الليبية – فإن حصة سويسرا في الشركة تتمثل في رأس المال فقط وبدون أي عوائد مالية أخرى التي قدرها الشويد بنحو 50 مليون دولار.

قيمة المشتريات الطبية الليبية من سويسرا والخدمات الطبية المختلفة التي يتلقاها الليبيون هناك لا تتعدى 15 مليون دولار في السنة. وهذا حسب تقديرات الشويد نفسه التي نقلها عنه أعوانه في ليبيا.

أما بالنسبة الى دخل ليبيا غير المباشر من الفوائد المصرفية فقد زعم الشويد أنه بمعدل زيادة 1% على معدل الفوائد المصرفية العادية. ونسبة 1% هي عمولة للمصارف والمؤسسات المالية السويسرية. ونظرا لكون المستودعات الليبية في سويسرا تقدر بنحو 1000 مليون دولار، فإن قيمة تلك النسبة تبلغ 10 مليون دولار سنويا.

بناء على المذكور أعلاه، وحسب ما يدعيه شيخ المرتشين السيد صادق شويد، يبلغ إجمالي قيمة مبيعات السلع والخدمات التي قدمتها سويسرا لليبيا في العام 1997 نحو 75 مليون دولار (50 مليونا قيمة مشؤوع شركة أيه بي بي و15 مليونا منتجات وخدمات طبية، و10 ملايين عمولات أو فوائد مالية). وهذا يعني أن ميزان التعامل التجاري بين البلدين في صالح ليبيا بما قيمته 267 مليون دولار، إذ بلغت مبيعات ليبيا من النفط الخام لسويسرا قيمة 342 مليون دولار بخصم قدره 75 مليون دولار مقابل منتجات وخدمات اشترتها ليبيا من سويسرا.

واستعمل الشويد في هذه الحسابات معدل سعر العملة السائد في عام 1997 وهو 1,5 فرنك سويسري للدولار. وعليه يكون ميزان التبادل التجاري لصالح ليبيا – حسب مزاعم شيخ المرتشين – بقيمة 400 مليون فرنك سويسري (267 دولار بقيمة 1,5 فرنك للدولار). وهذه هي الأرقام الدامغة التي نقلها ببغاوات شيخ المرتشين في الدولة الليبية إلى عبدالعاطي العبيدي ومنه إلى القيادة الليبية.

وفي القسم الثاني من هذا التقرير سنتعرض لهذه الأرقام بالتدقيق كي نضع الأمور في نصابها الصحيح ونذحض مزاعم شيخ المرتشين وعصابته. وسنستند في تحليلنا على أدلة وأرقام معلنة صادرة عن مصادر رسمية سويسرية سوف تكشف زيف ما يدعيه صادق الشويد وشلته. وسنرى كيف أنه كان يسعى ليكون ملكيا أكثر من الملك تجاه أسياده السويسريين.