طوشة مشايخ


* المزاعم الاسرائيلية دفعتني للكتابة عن أبينا آدم.

* التفسير القرآني المستمد من الاسرائيليات... باطل!

* باب التأويل مفتوح للجميع اعتمادا على الكتاب والسنة!

* الشيخ محمد عبده سبقني... والمعري كتب شعرا!

* لست مغرورا والكتاب يحرك ركودا في مستنقع اسرائيلي!



هذا بعض مما قاله الدكتور عبد الصبور شاهين الداعية الاسلامي وأستاذ اللغة العربية بكلية دار العلوم ... قال ذلك وأكثر عن كتابه الجديد (أبي آدم) الذي توزعه عرب تايمز في أمريكا.

والكتاب أشبه بالصدمة للقاريء العربي؛ لأنه كتاب جريء ؛ غريب... مثير؛ وان كنا سوف نضطر الى وضع ما فيه داخل دائرة (الافتراضات) لأنه لم يصل بعد؛ ولن يصل؛ الى مرحلة اليقين.

وفكرة الكتاب؛ ونظرية د. شاهين قائمة باختصار على ان آدم مولود لأب وأم؛ وانه لم يخلق من طين مباشرة وأن البشر هم آباء آدم وليسوا أبناء آدم ... خلقوا قبله بملايين السنين وأنهم قوم من الهمج المتخلفين الذين لم يكلفوا بالعبادة... وان الانسان هو ابن آدم.

ما الذي يقصده الدكتور شاهين من الكتاب؛ ولماذا اعترض آخرون على ما جاء به من فرضيات؟... هذا ما نقرأه في السطور التالية.

* لماذا فكرت في اصدار مثل هذا الكتاب ؟
** فكرة الكتاب ليست فكرة طارئة ولكنها فكرة عاشت معي أكثر من ربع قرن... أناقش نفسي في كل ما قدم في هذه القصة حول آدم وقصة الخليقة؛ وقرأت أكثر ما كتب في هذا الموضوع من وجهة النظر الاسلامية؛ وقرأت ماكتب أيضا خارج وجهة النظر الاسلامية...
ووجدت أيضا أن الذي سينقذني من هذه الحيرة هو القرآن الذي ينبغي أن نجعله ملجأنا وملاذنا ومعلمنا في كل ما يحزم من أمر.

* أنت عالم من علماء اللغة العربية؛ وفقيه ديني؛ ولكنك لست من هؤلاء الجيولوجيين الذين يبحثون في باطن الأرض وتسلسل الانسان؛ فلماذا أقحمت نفسك هذا المورد؟
** الذي دفعني انني مشتغل بالدعوة؛ وان المشتغل بالدعوة همه الأكبر أن يصحح مفاهيم الناس فيما يتعلق بحقائق القرآن وتوجهاته وان كثيرا مما يتحدث فيه المشتغلون بالدعوة مستقى من مصادر غير اسلامية أصلا وغير محترمة في نظر القرآن... انهم يستقون من مصادر اسرائيلية بحتة؛ وقد هيمنت هذه الاسرائيليات على عقول الناس بشكل مدهش حتى صارت بمثابة عقائد راسخة في نفوسهم.
كان لا بد من زلزلة هذا الوضع الغريب الذي جعلني أستكثر أن نظل أسارى في يد الفكر الاسرائيلي المستقى من العهد القديم... ورواية العهد القديم رواية مغلوطة قطعا ومحرفة؛ والغرب نفسه يتحدث كثيرا في هذه القضية كأنما يكذب معطيات التوراة وكأنما يقول لجماهير الناس ان ما يقال في الكتب المزعومة وانها مقدسة؛ انما هي خرافات وأساطير... وهذا هو االحاح العلماء في الغرب على نبش هذه المشكلة باستمرار.

والمشكلة اننا أقدمنا؛ من أقدم المفسرين الى أحدثهم؛ على نقل الرواية الاسرائيلية دون محاولة مناقشة... وعندما أراد الشيخ محمد عبده أن يناقش هذه الروايات هوجم هجوما عنيفا؛ وعندما تحدث الشيخ عبد الوهاب النجار تحدث على استحياء خطير جدا وكأنما يريد أن يتوارى خلف الكلمات ولا ينسب له شيء من نقد في هذه الأمور المسلمات عند العامة... وهذا هو الذي دفعني كداعية أعمل في الدعوة وأريد من منطلق الغيرة على التفكير الاسلامي -الذي يسترشد بنور القرآن- أن أقول للناس : عندكم قرآن هو الحجة على قول ما سبق من الكتب.

وأسترشد في هذا بالحديث المروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من كلام اليهود في التوراة ؛ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشاح عنه؛ ولاحظ ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال لعمر: (أغضبت رسول الله )؛ فالتفت الرسول وقال: {والله لو ان موسى بن عمران كان حيا لما وسعه الا اتباعي؛ لقد جئتكم بالحق}.

وبناء على هذه الأسباب كان لا بد من وجهة نظري أن نلجأ لبناء الفكر الاسلامي عند الجماهير؛ وأن يكون هذا الفكر مستقيا من القرآن الكريم... وهذا ما أردت أن أفعله.

كيف بدأ الخلق ؟

* وهل استندت الى قواعد علمية في تفسيرك لهذه النظرية؟
** أنا في الحقيقة كنت واقعا في حيرة بين المعطيات التقليدية أو المعلومات التقليدية التي تفرض علينا تصورا بوجود الخليقة محكوما بوجهة النظر الاسرائيلية التي وردت في العهد القديم والتي تحصر وجود هذه الخليقة فيما لا يزيد على عشرة آلاف سنة؛ ثم أنظر الى الجانب الآخر فأجد أن العلم يؤكد أن هذه الخليقة موجودة منذ ملايين من السنين.

ولا أستطيع أن أقول ان وجهة النظر الاسرائيلية مؤسسة على الكتاب والسنة؛ ولا أستطيع القول ان هؤلاء لم يبعثوا بالحقائق المنزلة بالتوراة فهذا أمر وارد ومؤكد في كتاب الله؛ ولا أستطيع أيضا القول ان الذين أسسوا وجهة نظرهم العلمية على تفتيشهم في الأرض خاطئون خاصة وانهم في ذلك متفقون مع نداء القرآن لما {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف بدء الخلق} فالله أودع في هذه الأرض قطعا ما يدلنا على كيفية هذا الخلق؛ ونستطيع أن نستدل أدلتنا طبقا للمنهج القرآني من المعلومات المؤسسة على محتوى الأرض من آيات الله التي ما زالت في باطنها حتى الآن وتنكشف جيلا بعد جيل ومحاولة بعد محاولة.

لا بد اذن من القول بوجود الانسان منذ أكثر من 10 أو 20 ألف سنة وان هؤلاء الاخباريين الذين أعطونا مثلا نسب الرسول صلى الله عليه وسلم فحصروه فيما لا يزيد على 50 جدا الى آدم عليه السلام؛ هؤلاء لا شك متجاوزون وغاب عنهم الكثير من الحقائق... وأظن ان هناك ما روي عن ابن عباس من قوله (كذب النسابون) انهم لم يعرفوا نسب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حصر في هذه الأسماء التي تذكرها كتب الأخبار؛ والواقع انه لم يكن هناك بد من محاولة التوفيق بين معطيات العلم التي تصنع قصة الخليقة ممتدة الى خمسة ملايين سنة؛ وبين آدم التي تصوره الاسرائيليات على انه محدود بعدد من الأجيال واننا نلتفت خلفنا فنرى آدم ... هذه مسألة محيرة جدا.

آدم ... ابن بشر !

* وكيف توصلت الى ان آدم ابن البشر وليس أبا البشر؟
** هذه الفرضية أخذتها من النصوص القرآنية؛ ونصوص القرآن تتحدث في البداية عن خلق البشر ثم تتدرج في اخبارنا بقصة الخلق حتى تصل الى الانسان... وقد وجدت ان هناك مسافة في التعبير القرآني بين البشر والانسان.

وفي تفسيري للآيات القرآنية وجدت ان البشر قد اقترن بمرحلتين... مرحلة التسوية ثم مرحلة نفخ الروح فيه من الله عز وجل... وتلك مرحلة خاصة لم تكن الا للانسان... اذن فالله خلق هذا الانسان على مرحلتين : مرحلة ايجاده كبشر ثم مرحلة النفخ فيه من روح الله فيكون هذا الانسان الذي تسجد له الملائكة أو يكون هذا المخلوق الذي تسجد له الملائكة.

ومعنى ذلك أنه لن يكون هناك بشر دون تسوية؛ ولن يكون دون نفخ فيه من روح الله لأنه بذلك هيئة لم تكتمل... فتسوية الله لهذا البشر عبر ملايين السنين التي اقتضاها هذا الأمر وهذه الارادة الالهية انما تحدث عن طريق ان كل جيل من أجيال البشر يتغير ويتقدم على ما سبقه من الجيل السابق؛ ومن خلال التغييرات التي تحدث عن طريق التسوية وتزويده بالعقل ليصبح للانسان عقل؛ ثم يكتمل هذا العقل باللغة.

وفي تصوري ان البشر في هذه المرحلة كان يكون مجتمعا بلا قانون؛ بلا قيم أو ضوابط... ومعروف ان الله سبحانه وتعالى حين أراد أن يوجد هذه الحضارة الانسانية أرسل الدين؛ فالدين هو صانع الحضارة ... وقد اختار الله آدم واصطفاه بنص القرآن ؛ ومعنى الاصطفاء أن يختاره من بين مجموعة من البشر.

* ولكن القرآن استخدم كلمتي (البشر) و(الانسان) بمعنى واحد ولم يفرق بين كلاهما؟
** بل القرآن يفرق في استخدامه بين بشر وانسان... والملاحظة الغريبة التي أثبتها هنا هي ان كلمة بشر كلمة قرآنية لا علاقة لها بلسان العرب الا ما أخذ بعد ذلك من بشّر واستبشر وستبشرون... فهذا كله مأخوذ من من الجذر الأساسي الذي مثلته حروف كلمة (ب؛ش؛ر) وانه لا مقابل لهذه الكلمة في اللغات الموجودة الآن على الاطلاق لأنها لغات حديثة لا تعرف هذا العهد الأزلي الذي استخدمت فيه كلمة (بشر) حتى انني قلت انها منحة من الله الى اللغة العربية.

وأنا لم أجد في الانجليزية أو الفرنسية والعبرانية والسريانيةوغيرها من اللغات الحية ما يقابل كلمة بشر... انهم يستخدمون كلمة (انسان) أو مشتقاتها؛ أما القرآن فهو وحده الذي تفرد باستخدام الكلمة التي تعني في تعريفها المعجمي مخلوقا طاهرا ذا حسن وجمال... فهل يا ترى ظاهر في مقابل ما خلق الله من مخلوقات خافية من الملائكة والجن وان الله يخاطبهم بأنهم مخلوقات خفية وأن الانسان هو المخلوق الظاهر؛ أم ان لها معنى آخر يمكن أن يصل اليه المفكرون والعلماء؟!

والكلمة التي تتطور بعد ذلك في اطار الاستخدام القرآني لم ترد في شعر العرب مطلقا ولا في معجم الألفاظ الجاهلية أبدا بهذا المعنى القرآني؛ انما استخدمت استخدامات أخرى.

وهكذا نجد ان القضية فيها عناصر محيرة وقفت أمامها كلغوي مندهش لأن قصة الخلق فيها أشياء كثيرة لم تعرف في العربية من قبل.