تحت عنوان وأمهرها بتوقيعه .. قصة فضيحة ..! كتب مأمون فندي في جريدة الشرق الاوسط اللندنية عدد 29 اب 2005 عن فضيحة سرقة ادبية بطلها الدكتور الكويتي عبد الرزاق الشايجي وارتكبت على صفحات جريدة الوطن الكويتية التي كانت الاسبوع الماضي موضوعا لسرقة اخرى اتهمت بها من قبل جريدة المصريون القاهرية .... كتب مأمون فندي يقول :

كتّابه أكثر من قرائه، هكذا كان يدعي البعض زورا وبهتانا على كبار الكتاب الذين يكتبون عدة مقالات أسبوعية في صحف مختلفة، متهمين إياهم بالغش أو السرقة أو الاثنين معا، دونما دليل. قابلت في بعض الأحيان كتابا شبابا ادعوا بأنهم كتبوا هذا المقال أو ذاك لهذا الكاتب الكبير وبالطبع كنت أشك في هذه الادعاءات، وأردها إلى رغبة الكاتب الشاب في التباهي بقدراته وشكواه ضد الزمان الذي بخسه حقه، ولكن كان دائما يبقى لدي هاجس ماذا لو كان هذا الادعاء صحيحا؟ وخصوصا بعدما أحلل أسلوب المقالات لدى الكاتب الواحد فأجده متفاوتا. وهذه خبرة اكتسبتها من كثرة قراءة أبحاث الطلاب في الجامعة، فلله الحمد، أستطيع أن أميز المغشوش من السليم في كل ورقة في أقل من عشر دقائق. مارست نفس المهارة وطبقتها على كتابات بعض كبار الكتاب في العالم العربي ووجدت الكثير من الكتابات مسروقا. ليس هذا فحسب، وإنما حتى بعض خطب الزعيم جمال عبد الناصر كان جزء كبير منها مسروقا من خطب الرئيس الأميركي جون كيندي، ولهذا الموضوع مقال منفصل، وبالطبع نتذكر جميعا عبارة ما تقولش إيه إدتنا مصر، قول حندي إيه لمصر تلك العبارة التي أصبحت أغنية صدحت بها أصوات مطربات مصر من فايدة كامل حتى ياسمين الخيام، وهي ترجمة حرفية لعبارة كيندي الشهيرة:

_Don"t say what your country can do for you, but what you can do for your country.

وحتى الأسبوع الماضي لم أكن أتجرأ لأكتب في موضوع السرقات الفكرية والأدبية في العالم العربي، ولكن ما حدث ذاك الأسبوع هزني كثيرا بسبب فضيحة بدون جلاجل حدثت في الكويت الشقيق، عندما نشرت صحيفة الوطن الكويتية على حلقتين، عرضا لكتاب أميركي قام به الكاتب الإسلامي عبد الرزاق الشايجي الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الكويت، وقائد من قادة الحركة السلفية هناك، تلك الحركة الداعية إلى التمسك بمكارم الأخلاق ومحاربة السرقة والغش والفساد.

الغريب في الأمر هو أن مقال الدكتور السلفي ذا الحلقتين هو نقل كامل، أو سمّه بلغة السلف اقتباس مطول جدا لمقال كتبه الباحث علاء بيومي في تقرير واشنطن الأسبوعي على شبكة الإنترنت الذي يرأس تحريره الأستاذ محمد المنشاوي. وقد كتب الأستاذ علاء بيومي إلى صحيفة الوطن محتجا، وما كان من الوطن إلا أن قدمت له اعتذارا على صفحتها الأولى. إلى هنا وربما يبدو الموضوع عاديا.

ما ليس بعادي، هو تبرير الدكتور الشايجي لما حدث، ففي مقال له بصحيفة القبس في 15 أغسطس (آب) 2005، يقول، وهذا اقتباس مطول من الدكتور الشايجي ليسمح لي القارئ به لتوضيح القضية:

وجدت تطابقا كبيرا بين المقالين الخاصين بي وبين مقال الأخ علاء بيومي، على الفور أدركت منبع الخطأ، واتصلت بالقاهرة، حيث مركز الأبحاث والترجمة الذي كلفته بأن يعد لي المادة المعلوماتية المترجمة التي أستعين بها في تدعيم كتاباتي، وذلك وفق اتفاق سابق مقابل مكافأة منتظمة، ووعد المـركز بإجراء تحقيق سريع وإفادتي، ومن ثم أرسل المركز في اليوم التالي خطابا بين فيه أنه أجرى تحقيقا داخليا، وأن باحثا لديه من فريق العمل اعترف بأنه تساهل في نقل مادة من مقال الأخ علاء بيومي باعتبار أنه عرض تحليلي لكتاب أجنبي وهو مما يجري فيه التسامح في النقل، لا سيما أن المادة المنقولة ليست أصل الكتاب، وإنما عرض له، وانه كان مضطرا لإنجاز عمله بسرعة لتأخره في تسليم المادة التي كلف بإعدادها ولارتباطات مسبقة تخصه ونحو ذلك مما ورد في خطاب المركز، وهي المسوغات التي اعتبرها المركز غير مقـبولة، بل هي عذر أقبح من الذنب نفسه.

واضح أن الدكتور الشايجي يقر بأنه يكلف مركز دراسات في القاهرة، يعرف بالمركز المصري الدولي للدراسات والأبحاث، طبعا ليس كافيا أن يكون المركز المصري.. بل لا بد وأن يكون دوليا أيضا...!

وكتب الأستاذ محمد متولي، رئيس التحرير بالمركز الدولي، إلى الأستاذ علاء بيومي اعتذارا واضحا إذ يقول نحن في المركز المصري الدولي في القاهرة نتحمل كافة المسؤولية عن هذا الخطأ لأن مركزنا هو الذي يعد المادة البحثية والمعلوماتية للدكتور الشايجي بموجب اتفاق سابق. وبعد معرفتنا بالأزمة أجرينا تحقيقا داخليا في المركز مع الباحث الذي قدم هذه المادة.. فاعترف بأنه أعد المادة على استعجال لارتباطه بإجازة صيفية، ولم يكن رأيه مقنعا.. فقد تقرر فصله من العمل .. إلخ

كما كتب رئيس المركز، الأستاذ جمال سلطان، خطابا في ما يشبه الاعتذار للأستاذ محمد المنشاوي: أخي محمد.. إن الصحيفة نشرت في نفس العدد مقالة لكاتب اسمه نبيل فضل يهاجم فيها الشايجي لأنه سرق مقالة علاء بيومي، وهي هجاء شديد الإسفاف، ولكن المهم أن تلاحظ أنه يفترض أنه يعقب على موضوع لم ينشر أصلا بمعنى أن الصحيفة سربت الموضوع له قبل نشره من أجل .....

كذلك الصحيفة، والاقتباس مستمر من خطاب جمال سلطان إلى محمد المنشاوي، نشرت الموضوع في نصف صفحتها الأولى، ثم نشرته على صفحة كاملة في الداخل وهذا غاية في الدهشة، فهل توجد في الدنيا كلها صحيفة تحتفل ببهدلة كتابها بهذا الشكل... لقد ذهب الصديق الفاضل الدكتور الشايجي ضحية باحث مستهتر في القاهرة.. وكل ما نبحث عنه الآن هو إظهار الحقيقة ووقف هذا الانتهاك المسف لعرضه وكرامته. انتهى خطاب جمال سلطان.

حسب كل هذا يبدو أن مسألة توفير مادة إعلامية لكبار الكتاب ظاهرة مقبولة في القاهرة، بما أن لها مراكز أبحاث متخصصة، المشكلة بالنسبة للقائمين على هذا العمل هو أن الدكتور الشايجي وقع ضحية باحث مستهتر لم يعرف أصول احتراف الغش أو السرقة، لم يتقن الصنعة.. الغش ذاته ليس مشكلة إنما كشفه بهذه الطريقة هو المشكلة..هكذا يقول لسان حالهم.

يا ترى كم من الكتاب الذين نقرأ لهم هذه الكميات الهائلة من الفيض أو سمّه الإسهال الفكري، والذين يتحدثون في كل شيء وعن أي شيء، كم منهم تكتب له المقالة وما عليه إلا أن يمهرها بتوقيعه، الكلام كثير عن كتاب في الصحف الحكومية وكتاب في الصحف المستقلة، و(محدش أحسن من حد)، فلا فرق بين الحقيقة والغش في زمن الدش. ويبدو أن مصر أصبحت متخصصة في موضوع الأفكار المضروبة كما يغش الصينيون الماركات العالمية مثل برادا، وغوتشي، وهذا ما يقوم به كثير من الكتاب المصريين تجاه هانينجتون، وتشومسكي، وداريدا، وأحيانا فوكو.

وحتى لا يظن البعض أن موضوع السرقة مرتبط بمصر والكويت فقط، فإنني هنا ألفت نظر القراء الأعزاء إلى أن مقالا نشر في الشرق الأوسط عن كونداليزا رايس كتبه الأستاذ مجدي خليل بتاريخ 15 أغسطس، ثم نشرته صحيفة اليوم السعودية يوم الجمعة 19 أغسطس، على أنه مأخوذ من الإيكونومست فهل هذا معقول؟!.. نفس القارئ السعودي قرأ المقال ممهورا بتوقيع كاتب في الشرق الأوسط، ثم يقرأه في صحيفة أخرى في ذات البلد بتوقيع الإيكونومست؟! ظاهرة السرقات الآن لم تعد منتشرة في السياسة والاقتصاد فقط، لدينا في العالم العربي مجموعة من أدعياء الفكر ينصبون أنفسهم روادا فقط لأن هناك جماعات كثيرة توفر لهم مادة إعلامية.

الذين يسرقون من العربية إلى العربية قلة، ولكن الأمر الخطير هو أنه لدي أدلة كافية عن رسائل دكتوراه مسروقة، وكتب كاملة مسروقة، وألحان أغان مسروقة، وأفلام تمصرت، وروايات، وكذلك مسرحيات مسروقة، بعضها لم يسرق من الإنجليزية فقط، ولكن أهلنا في مصر ترجموه مرة أخرى إلى الإنجليزية متصورين أنهم يقدمون إبداعا عربيا يبهر الغرب.

إن حضارة تقوم على هذا البنيان الهش من الكذب لن تقوم لها قائمة، ولنبدأ من الآن بتنظيف صحفنا وكتبنا من فكرة، وأمهرها بتوقيعه، ولنضع في المواقع الصحيحة أناسا قادرين ومؤهلين يميزون الحقيقة من الغش في مقالات الكتاب، وخصوصا المسهبين منهم أو منهن.

في حالة مجدي خليل وعلاء بيومي سرق البعض انتاجهما الفكري أما في حالتي أنا فلم تتعرض أفكاري للسرقة فقط، بل ان أستاذا للإعلام لم ينسب إلي فقط كلاما لم أكتبه، بل زوّجني في واحدة من مقالاته على صفحات الجزيرة من كاتبة نيويورك تايمز جوديث ميلر.

الفرق بين مقال مجدي خليل في الشرق الأوسط ومقال الإيكونومست المغشوش في صحيفة اليوم هو العنوان.. إذ حذفت صحيفة اليوم من عنوان الشرق الأوسط عبارة وماذا بعد؟ وفي حالة الغش السائدة هذه الأيام تبقى هذه العبارة هي الأصل: ماذا بعد؟!