الفيدرالية الطائفية مشروع لتفتيت العراق
د. عبدالخالق حسين
 


تفيد الأنباء أن "وافق مجلس النواب العراقي بالأغلبية اليوم (147 نائبا من أصل 188 حضروا جلسة) على قبول مناقشة مشروع تقسيم البلاد الى أقاليم قدمه الائتلاف الشيعي وأيده التحالف الكردستاني فيما عارضته كتلة التوافق السنية وذلك اثر خلافات حادة اضطرت رئيس المجلس محمود المشهداني الى تحويل جلسته سرية ." (تقرير إيلاف، 7/9/2006).

يمر العراق ومنذ تحريره من نظام المقابر الجماعية في 9/4/2003، في انعطافة تاريخية عاصفة، إن لم يتصرف قادته بذكاء وحكمة فمستقبله مهدد بالدمار الشامل. فالعراق وبعد أربعة عقود من الحكم القومي العروبي الشمولي وبالأخص في عهده البعثي الفاشي، هو الآن أشبه بالرجل المريض الراقد في قسم الإنعاش، ولكي يتماثل للشفاء فإنه يحتاج إلى العناية المركزة من خبراء في الطب والتأهيل الصحي. إلا إن المحنة هي أن معظم المشرفين على رعاية مريضنا، ولم نقل كلهم، تنقصهم الخبرة. فمن أهم الأخطاء القاتلة التي يرتكبها الطبيب المعالج هو الخطأ في تشخيص المرض فيعطي وصفة لعلاج مرض غير الذي يعاني منه مريضه، تؤدي إلى تدهور صحته، أو حتى إلى وفاته بدلاً من شفائه. أو مثل ذلك الجراح الذي يجري لمريضه عملية جراحية كبرى دون تحضيره جيداً لتحمل وطأة العملية، فيموت المريض وعندها يقول: (تمت العملية بكفاءة ولكن المريض مات). هذا ما ينتظره مريضنا اليوم الذي اسمه العراق على أيدي أطبائنا من أعضاء الحكومة الموقرة والنواب المحترمين.

إن مشروع فيدرالية الوسط والجنوب خطير جداً ويهمنا جميعاً، وله تأثير كبير على مستقبل الأجيال القادمة وحتى على وجود العراق كدولة. لذلك فالمطلوب بالمثقفين العراقيين عدم ترك هذا الموضوع الخطير لمشيئة السياسيين وحدهم الذين جاء بهم القدر في ظروف استثنائية إلى التحكم بمصير الشعب ودون أن تكون لأغلبهم الخبرة والتجربة الكافيتين في السياسة وإدارة الدولة. ولا غرو في ذلك، فالنظام الساقط لم يسمح لأي معارض له بالنمو الطبيعي وكسب الخبرة السياسية في الحكم وتعلم فن الممكن. ولعل أصدق ما قيل بهذا الخصوص هو ما صرح به الدكتور محمود المشهداني الى اذاعة (العراق الحر) ما نصه: (اننا كنا عاجزين عن إدارة مستوصف فكيف بنا ونحن ندير دولة).

لقد أخطأ الأمريكان في تطبيق وصفة الديمقراطية باستعجال على العراق قبل تحضيره لتحمل هذه العملية الجراحية الكبرى، فكان مردودها معكوساً عليه وعليهم. لذا فالذين استفادوا من هذه الديمقراطية المنفلتة، هم المجرمون من البعثيين وحلفائهم الإرهابيين من أتباع القاعدة وعصابات الجريمة المنظمة. لأنه لا يمكن تطبيق الديمقراطية بدون وجود دولة قوية تستطيع فرض حكم القانون والنظام لحماية المجتمع من الوحوش الضارية.
فهذا الوضع السوريالي اللامعقول الذي نشاهده على المسرح العراقي منذ سقوط الفاشية وإلى اليوم هو نتاج ما أسميناه في سلسلة مقالات لنا بعنوان (الخراب البشري في العراق). والمعروف أن الحكام هم افرازات الشعب، خاصة إذا جاء هؤلاء للحكم عن طريق الانتخابات. فالشعب المتحضر يختار حكام متحضرين كفوئين، والعكس بالعكس. أنا أعتقد أن الانتخابات كانت عادلة وحرة وفق المقاييس الدولية المتبعة. ولكن المرحلة التي يمر بها العراق الآن هي مرحلة الانحطاط أي مرحلة حكم الإسلامويين. وليس صحيحاً أن نتهم الانتخابات بالتزييف لأن معظم الفائزين هم دون المستوى المطلوب وضد مشروعنا الإصلاحي التنويري. ففي عهد النظام الجائر لم يبق للشعب أمل في الخروج من المأزق سوى التوجه إلى الأديان والتوسل بالغيبيات، فاضطر الشعب إلى التقوقع ضمن انتماءاته الدينية والطائفية والعرقية، مع تفشي الخرافة وانحسار العلمانية. فكانت معظم الأحزاب المعارضة هي دينية وعلى أسس طائفية. لذلك هي التي كانت طافية على الساحة لاستلام السلطة. هذه هي الحقيقة المرة، شئنا أم أبينا. فالمرحلة الراهنة هي لهؤلاء الإسلامويين الطائفيين وليست للعلمانيين الديمقراطيين والليبراليين. ولا يمكن تجاوز هذه المرحلة إلا بعد أن تحرق وقودها وتستنفد أسباب وجودها. فالذين فازوا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يمثلون مكونات الشعب الأثنية والدينية والطائفية والفكرية ووفق العقلية السائدة. فنسبة النواب العلمانيين (قائمة العراقية والمستقلين الآخرين) في المناطق العربية لا تتجاوز الـ 10%. وهذا يعني أن نسبة العلمانيين في الشعب هي بحدود الـ 10%. ولكن هذا لا يعني أن الوضع العراقي الحالي ميئوس منه وسوف يستمر إلى الأبد. فـ(كل حال يزول كما يقول المرحوم عزيز علي). وفعلاً، وبعد تفشي الفساد ومعاناة الشعب، بدأت الجماهير تتململ وتتحسس نتائج هذه الانتخابات بعد أن خاب أملهم. إذ تفيد الأنباء عن مظاهرات جماهيرية في الكاظمية ومناطق أخرى من العراق، احتجاجاً على فشل السياسيين في حل مشاكل الشعب، وهي تردد (قشمرتنا المرجعية وانتخبنا السرسرية)، أي خدعتنا المرجعية الدينية فانتخبنا المفسدين. وهذا لا يعني أن كل النواب مفسدين وغير كفوئين، إذ هناك نخبة ممتازة منهم، يتمتعون بالكفاءة والإخلاص، ولكنهم مع الأسف أقلية في الوقت الراهن إلا إن المستقبل لهم.

إن تمزيق العراق إلى فيدراليات وفي هذه المرحلة الصاخبة بالذات، ليس في صالح الشعب العراقي. وهذا الكلام لا ينطبق على الفيدرالية الكردستانية، فالشعب الكردي له ظروفه الخاصة ويقيم في منطقة جغرافية محددة، ومن حقه تكوين دولته المستقلة إذا شاء وسمحت له الظروف الدولية والإقليمية بذلك. أما الفيدرالية في الوسط والجنوب فبالضرورة هي طائفية، وبذلك فقيامها معناه تكريس الطائفية وتعميق نزعات التطرف الديني والتخلف الحضاري. كذلك تؤدي الفيدرالية ذات الصلاحيات الواسعة إلى تمزيق القسم العربي من العراق إلى دويلات صغيرة لن تترك أي دور أو معنى للحكومة الفيدرالية في بغداد العاصمة، وبالتالي سيسهل ابتلاع هذه الدويلات من قبل بعض دول الجوار الطامعة بالعراق. إن الفيدرالية وعلى أسس طائفية هي مشروع إيراني تروج له الأحزاب الإسلامية الشيعية التي تدين بالولاء لإيران أكثر من ولائها للعراق. كذلك من دوافع هذه الفيدرالية هو إشباع نزوات وتحقيق رغبات بعض الأسر الدينية الحالمة بتأسيس دويلات لها، مستغلة الظروف الاستثنائية الصعبة التي يمر بها العراق في الوقت الراهن.

وكما تفيد الأخبار، أن فكرة الفيدرالية الطائفية هذه تتلقى الدعم والترحيب من قبل التحالف الكردستاني، كمقايضة مقابل دعم الأحزاب الشيعية للفيدرالية الكردستانية. إن صحت هذه الأخبار، فهذا الموقف خاطئ جداً ودليل على قصر نظر ونتائجه كارثية على جميع مكونات الشعب العراقي بما فيه الشعب الكردي. فأكراد العراق هم جزء مهم من الشعب العراقي وقوتهم تعتمد على وجود دولة عراقية قوية. كما ويعتقد البعض، أن الدافع الحقيقي وراء تأييد التحالف الكردستاني لمشروع فيدرالية الوسط والجنوب هو العمل على إضعاف دور العرب وتمزيقهم إلى كانتونات للانتقام منهم لما ارتكبته الحكومات المركزية العربية الشوفينية المتعاقبة ضد الشعب الكردي طوال القرن العشرين. أنا لا أعتقد بهذا التحليل، ولكني أعتقد أن سبب تأييد الأكراد هو استرضاء التحالف الشيعي ليس غير، أي سياسة (داريني وداريك)، أو كما يقول العلامة Richard Dawkins في كتابه القيم The selfish gene:(you scratch my back, and Ill ride on yours).

أجل، أن العراق يمر في ظروف استثنائية تهدد وجوده ومستقبله. والعراق ليس ملك الجيل الحالي فقط بل تشاركنا فيه الأجيال القادمة. لذلك فمن الخطأ الفظيع أخذ قرار خطير جداًُ له تأثير دائم مدمر على المستقبل من شأنه تمزيق العراق وتكريس الطائفية تحت تأثير ظروف استثنائية عابرة. وعليه نقترح ما يلي:
1- ننصح المسؤولين السياسيين العراقيين بإعطاء الأولوية في الوقت الحاضر لحل مشاكل العراق المهمة وعلى رأسها القضية الأمنية في دحر الإرهاب وتحقيق الاستقرار وتحسين الخدمات، وترك قضية الفيدرالية في المناطق العربية إلى أن تستقر الأوضاع،
2- إن فيدرالية الوسط والجنوب وصفة سيئة لن تساعد على علاج أمراض العراق السياسية والاجتماعية المزمنة بل ستفاقمها،
3- نهيب بالقوى العلمانية في البرلمان العراقي وبالأخص كتلة العراقية والائتلاف الكردستاني والنواب المستقلين، وكتلة التوافق السنية العربية، ونواب التيار الصدري وحزب الفضيلة، الوقوف صفاً واحداً، لإجهاض هذا المشروع التدميري وقبل فوات الأوان.