From : nazarhr@hotmail.com
Sent : Wednesday, September 13, 2006 2:33 AM
Subject : للنشر رجاء مع التقدير


الفيدرالية.. خير لابد منه
نــــــــــــــــــزار حيدر


أكثر من عشر مرات، ورد التأكيد على وحدة العراق في الدستور.
كما أكدت كل القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، بشأن العراق، على وحدة هذا البلد.
فاذا جمعنا الارادتين العراقية والدولية الى بعض، يتضح لنا جليا بأن وحدة العراق أمر مفروغ منه، لا يجازف أحد بتهديدها، ما يعني أن حجة الذين يعارضون الفيدرالية في العراق الجديد، من كونهم حريصون على وحدة البلاد وأنهم يخافون على العراق من خطر التقسيم والتجزئة، انها حجة داحضة، لا تستند الى أي مبرر، وانها مجرد أباطيل يتسترون وراءها ويخفون خلفها أجندات طائفية وعنصرية معروفة لكل ذي عين بصيرة، أو ألقى السمع وهو شهيد.
ان من يعارض الفيدرالية في العراق الجديد، والتي تعني النظام اللامركزي، يخفي وراء كل هذا التهويل من خطر التجزئة والتقسيم، مشروعا واحدا لا غير، انه مشروع العودة بالعراق الى سابق عهده، تحكمه الأقلية بنظام سياسي مركزي حديدي، يهمش المواطن، ويقضي على كل محاولات المشاركة في الحياة السياسية العامة، ويعيد العراق في ظله الى ما يشبه الصندوق الحديدي، تحكمه دولة المنظمة السرية، الخارج منه مولود، والداخل اليه مفقود، كما كان حاله خلال النيف والثلاثين عاما المنصرمة.
كنت أتمنى أن يتسلح هؤلاء بشجاعة أكبر تؤهلهم وتمكنهم من الافصاح عن حقيقة ما يدور في خلدهم من أجندات سياسية، تضمر للعراق وشعبه الشر، والا متى كان هؤلاء حريصون على وحدة العراق أكثر من غالبية المجتمع العراقي؟.
ان أخطر الأشرار يمارسون جرائمهم تحت مسميات مقدسة، اذ لا يوجد أحد في هذا العالم يضمر شرا ويفصح عنه، انما يحاول دائما التستر عليه بشعارات براقة تكسب ود الناس وعواطف الرأي العام لصالحه، وهذا ما يفعله اليوم على وجه التحديد، الذين يخالفون الفيدرالية في العراق الجديد ويحاولون عرقلة تمرير قانونها في مجلس النواب، انهم يرفعون لافتة وحدة العراق ليتستروا خلفها بأجنداتهم العنصرية والطائفية، وكأنهم أحرص على وحدة العراق من دون كل العراقيين.
ان عودة سريعة الى تاريخ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، يتضح لنا جليا بأن هؤلاء هم أول من دعا البريطانيين، ابان الاحتلال البريطاني للعراق مطلع القرن الماضي، الى فصل البصرة عن بلاد الرافدين لتأسيس امارة فيها يحكمونها هم دون سواهم من العراقيين، كما انهم لم يكونوا متحمسين كثيرا لضم ولاية الموصل الى الدولة العراقية حديثة التأسيس، والتي كانت تضم الى جانب محافظة الموصل الحالية، منطقة كردستان بكل محافظاتها، ولولا كفاح الأغلبية من الشعب العراقي(الشيعة) لتأسس العراق من منطقة الفرات الاوسط فقط، دون أن يشمل ولايتي الموصل والبصرة.
كانت محاولات أجدادهم تنصب على اقتطاع أي جزء من أرض العراق الحالي، ليقيموا عليها امارتهم، كما فعلت القبائل في منطقة الخليج، الا أن نضال الأغلبية من العراقيين حالت آنئذ دون تقطيع أوصال بلاد الرافدين، وحافظت على وحدة شعبه وترابه.
لقد اعتمد مشروع نضال الأغلبية في العراق، منذ البداية، على أساس وحدة العراق بحدوده الجغرافية الحالية، رافضا كل شكل من أشكال الابتزاز القائم على أساس انتزاع أي شبر من أرضه، أو التنازل عنه، وان كل شبر اقتطع من أرض العراق بعد ذلك، انما في ظل المشروع القومي العربي الذي قاده، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003، هؤلاء الذين يتباكون اليوم على وحدة العراق.
أين كان هؤلاء من وحدة العراق، عندما تنازل نظام صدام حسين عن سيادة العراق على جزء كبير من شط العرب الى ايران ابان عهد الشاه المخلوع؟ وأين كانوا عندما عاد وثبت تنازله هذا بعيد حرب تحرير الجارة الكويت من احتلاله الغاشم؟ واين كانوا عندما تنازل الطاغية عن سيادة العراق على أراضي شاسعة في الغرب والجنوب ووهبها الى الجيران؟ وأين كانوا عندما وقع في خيمة صفوان على تلك الوثيقة المذلة التي باع فيها النظام البائد الأرض والعرض للأجنبي؟ وأين كان المتباكون على وحدة العراق يوم أن قرر النظام البائد سحب كل الدوائر الحكومية من محافظات كردستان، ليمهد بذلك الى انفصالها، لو كان في نية الكرد آنئذ الانفصال عن العراق؟.
لقد عد المتباكون، كل تلك القرارات وقتها، تعبيرا عن ثورية النظام وقوميته الأصيلة وشعوره العالي بالمسؤولية ازاء وحدة العراق، فغنوا لها وصفقوا، أليس كذلك؟.
كانوا لا يترددون في تأييد الطاغية بكل قراراته التي عرضت سيادة العراق لمخاطر جمة، أما اليوم فتراهم يبكون وينحبون على حدود رسمها الاستعمار، وعلى علم اخترعه الطاغوت من دون أن يأخذ فيه رأي الشعب العراقي، ويذرفون دموع التماسيح على وحدة لم تهددها الأغلبية من الشعب العراقي في أي وقت من الأوقات.
بصراحة، انها محاولة بائسة ويائسة من الطائفيين والعنصريين للاستحواذ على العراق وخيراته مرة أخرى، ليعود العراق بستان لهم يتصرفون به كيف ومتى يشاؤون، يهبون منه لمن يشاؤون أنى يشاؤون، ولكن، عليهم أن يطمئنوا، فلقد ولى ذلك الزمن والى الأبد، فلم يعد العراق تملكه فئة معينة، ولم يعد يحكمه انقلابيون، ولم تعد خيراته تصرف على فئة دون أخرى، ولم يعد العراقيون فئتين، حاكمة الى الأبد، ومحكومة الى الأبد، ولم تعد الأغلبية مقموعة ومسحوقة بسبب انتمائها المذهبي، كما لم تعد الأقليات، خاصة أكبر الأقليات (الكرد) محرومة ومسحوقة بسبب انتمائاتها الاثنية، اذ بات العراقيون متساوون في الحقوق والواجبات، وفي التمتع بخيرات البلاد، في اطار شراكة حقيقية في السلطة، لا فضل لأحد منهم على الآخر، الا بالخبرة والنزاهة والكفاءة والانجازالوطني والحرص على خدمة البلاد والعباد.
ان قبول هؤلاء بالفيدرالية لكردستان ورفضهم لها في المناطق الاخرى من العراق، دليل صارخ على طائفية منطلقاتهم، وهذا يعني أنهم لا يرفضونها كمبدأ يهدد وحدة العراق مثلا أو ما أشبه، وانما يرفضونها لشريحة معينة دون أخرى، وأنا أجزم هنا، وأقول، لو كان النفط في المنطقة الغربية من العراق، لما تردد هؤلاء في اعلان الفيدرالية بل الانفصال عن العراق ومن جانب واحد، لحظة واحدة، ولكن ماذا عسانا أن نفعل وقد حبى الله تعالى جنوب العراق وشماله بخيرات وفيرة ميزهما عن أي أرض في الدنيا، بما فيها المنطقة الغربية من بلاد الرافدين؟.
يقولون بأنهم يقبلون الفيدرالية لكردستان لأنها أمر واقع لا مناص عنه، وهذا يعني بأنهم يقبلون بكل أمر واقع، بغض النظر عما اذا كان يدعم أو يهدد وحدة العراق، اذن، لتؤسس بقية محافظات العراق فيدرالياتها، وليظل هؤلاء يعارضون، لحين أن تتحول الى أمر واقع بعد نيف من السنين مثلا، وعندها سيقبل بها الجميع، لأنها ستكون، وقتها، أمرا واقعا.
أما انا، فلا أقبل بالفيدرالية لكردستان لأنها أمر واقع، وانما لأنني أعتبر الفيدرالية أفضل أنواع النظم السياسية والادارية لبلد كالعراق تتعدد فيه مكونات المجتمع العراقي لدرجة كبيرة.
لقد كنت من أوائل الذين أيدوا الفيدرالية لكردستان العراق يوم أن أقرها برلمان كردستان بداية التسعينيات من القرن الماضي.
وقتها لم تلق قبولا من أغلب القادة العراقيين، حتى من قبل الكثير من المتحمسين لها اليوم، ولقد انطلقت بتأييدي لها بعد أن درست كل المبررات التي ساقها قادة الكرد وزعماءهم والأكاديميين منهم، الى جانب دراستي لعدد كبير من النظم الفيدرالية في هذا العالم، وبعد أن اطمئننت بأن الفيدرالية مشروع وحدة وليس مشروع تقسيم أو تجزئة، وانها يمكن أن تكون حلا مناسبا لمشاكل العراق منذ التأسيس، بسبب الأنظمة المركزية الحديدية التي حكمت البلاد من العاصمة، مع الغاء كامل لارادة الأطراف، والغاء كل أنواع المشاركة الحقيقية والفعلية في القرار السياسي، وبعد أن شعرت بأن الفيدرالية يمكن أن تكون عاملا لاستقرار العراق ونهضته ونموه وازدهاره، وبعد أن اطمئننت بأنها ستساهم في تقسيم ثروات العراق على الجميع بشكل عادل وموزون، من دون احتكار أو استئثار، لذلك، قررت وقتها أن أدعم المشروع وأؤيده بكل أشكال التأييد.
ثم تطور المشروع في ذهني فبلورت نظرية فيدرالية المحافظات، والتي لا زلت اتبناها كنظام سياسي في العراق الجديد للمرحلة المنظورة، ولا أكشف سرا اذا قلت بأنني عملت المستحيل من أجل تثبيت النص الذي ورد في المادة (115) من الدستور، والذي ينص على أنه (يحق لكل محافظة أو أكثر، تكوين اقليم بناءا على طلب بالاستفتاء عليه).
ولا أدري ان كنت سأطور رأيي خلال الفترة الزمنية القصيرة القادمة باتجاه تأييد مشروع فيدرالية الوسط والجنوب الذي يتبناه زعيم المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق السيد عبد العزيز الحكيم، الا أنني، لحد الآن، أتبنى نظرية فيدرالية المحافظات، من دون أن ألغي من ذهني نظرية فيدرالية الوسط والجنوب، اذ قد تستجد ظروف ومبررات تساهم في الاسراع في بلورة قناعات جديدة تصب لصالح الأخيرة، منها مثلا استمرار العنف والارهاب الذي يحصد أرواح العراقيين على الانتماء والهوية، واصرار الأقلية على رفض مشروع الفيدرالية والذي يستبطن بين ثناياه، محاولات خطيرة لاعادة العراق الى سابق عهده، ولذلك أعتقد بأن وحدة العراق اليوم مرهونة بتعقل الأقلية وقبولها الانصياع لارادة الأغلبية من العراقيين، وان أخشى ما أخشاه هو أن يتحول اصرار الأقلية على معاكسة ارادة الأغلبية، سببا مباشرا في دفع الأغلبية (الشيعة والكرد) الى تبني خيار الانفصال كأفضل وسيلة للتخلص من شبح عودة الماضي بكل مآسيه وآلامه، في ظل نظام شمولي مركزي حديدي تتحكم فيه الأقلية.
ان أمام العراقيين اليوم فرصة تاريخية كبيرة، قد لا تعوض، لاعادة بناء العراق الجديد على أسس ومتبنيات سياسية جديدة، تلغي الثوابت القديمة التي تأسس عليها العراق الحديث، وذلك من خلال تمرير قانون الفيدرالية في البرلمان، لسنه، الأمر الذي يحتاج الى تحالف قوي بينهم جميعا، حتى ينجحوا في التصدي لكل العراقيل التي تضع العصي في طريق القانون، والتي لا تريد للعراقيين أن ينعموا بخير النظام الفيدرالي.
ان الفيدرالية خير لابد للعراقيين أن ينعموا به، ولا يحق لأحد أن يحرمهم منه، بحجج واعذار واهية، كما لا يحق لأقلية أن تحرم الأغلبية من التمتع بحقوقها الدستورية، وان العراقيين جميعا حريصون على وحدة العراق أكثر من أي واحد آخر، ففي ظل العولمة والاندماج لا يعقل أن يفكر أي واحد من العراقيين بالانفصال ، لأنهم يعرفون جيدا بأن العالم اليوم هو عالم الدول الكبيرة أو المتحدة، بل انه عالم اندماج حتى الشركات والمؤسسات، وكلنا يقرأ ويسمع يوميا عن أخبار اندماج المؤسسات بعضها مع البعض الآخر لتقوى على الصمود في وجه تحديات العولمة، فكيف يعقل أن تفكر شريحة من العراقيين بالانفصال عن العراق، في ظل العولمة ونظام القرية الصغيرة؟ وهي على يقين من أن الدولة الصغيرة ستضطر لأن تكون محمية لدولة عظمى أخرى اذا أرادت أن تعيش بسلام في هذا العالم، ولعل نموذج دول الخليج الصغيرة، التي لا ترى بالعين المجردة على الخارطة الا بالمجهر، خير دليل على ذلك.
وان أكبر دليل على حرص العراقيين على وحدة العراق وسعيهم لانصاف بعضهم البعض الآخر، هو تبنيهم للفيدرالية على أسس جديدة، تختلف عن أغلب أنواع الفيدراليات القائمة في العديد من دول العالم، فهم لم يتبنوا، مثلا، النموذج القائم في دولة الامارات العربية المتحدة، والذي يحصر تملك خيرات البلاد بالأرض التي تحتضنها، فمثلا ليس لامارة (الفجيرة) حق دستوري يذكر في بترول امارة (ابو ظبي) وهكذا، ولذلك نرى ونلمس البون الشاسع في مشاريع التنمية وكذلك في المستوى المعيشي لسكان كل امارة من الامارات السبع، لدرجة أن العالم، خاصة عالم المال والاقتصاد، لا يعرف من أسماء الامارات السبع التي تتشكل منها الدولة سوى امارتين أو ثلاث هي الأغنى من بين شقيقاتها الأخريات.
أما العراقيون فكانوا أكثر انصافا مع بعضهم، وأكثر حرصا على وحدة بلادهم، وأكثر التزاما برفاهية أنفسهم جميعا من دون تمييز عرقي أو جغرافي، فاعتبروا أن (النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات) كما نصت على ذلك المادة (108) من الدستور.
ولو لم تكن في مواد الدستور سوى هذه المادة، لكفى بها دليلا على حرص العراقيين على وحدة بلادهم وانصاف بعضهم البعض الآخر، فهي وحدها حجرا صلدا يلقم بها العراقيون فم كل من يتحجج بحرصه على وحدة العراق لعرقلة تبني قانون الفيدرالية، فان من يبيت الانفصال في مشروعه السياسي، لا يمكن أن يقبل بمثل هذا النص الدستوري الذي يوحد العراق جغرافيا وعند توزيع الثروات الطبيعية، وكلنا يعرف فان أكبر الخصام هو على النفط والغاز، ليس في العراق فقط وانما في كل العالم.
فالى من يعرقل تمرير القانون، أقول؛
اقرأوا الدستور جيدا، لتقدموا الشكر الجزيل والثناء الجميل للعراقيين الذين أكدوا التزامهم بوحدة العراق وبمبدأ المساواة فيما بينهم على كل الأصعدة والمستويات، ابتداءا بالمواطنة وانتهاءا بالنفط والغاز، مرورا بكل الحقوق والواجبات التي نص عليها الدستور.
خاصة الأغلبية من العراقيين، وأقصد بهم الشيعة، انهم آخر من يفكر بالانفصال عن العراق، لأنهم الأغلبية، ومن المعروف فان كل أغلبية في العالم لها الحق في حكم البلاد ولذلك لا تفكر بالانفصال، انما الذي قد يفكر بذلك هي الأقليات في أي بلد، فهل يعقل أن تفكر الأغلبية بالانفصال وهي التي تطمح الى المشاركة في السلطة بعد عقود طويلة من الحرمان والاقصاء؟ بالتاكيد لا يعقل ذلك.
كذلك، فاذا كان في العراق من يفكر بالانفصال، لحقق ذلك منذ زمن، في ظل ظروف سياسية معقدة مرت على البلاد، فالكرد مثلا، مروا بظروف مؤاتية لصالح مشروع الانفصال اذا كانوا يفكرون بذلك، وكذلك الشيعة وهم الذين يمتلكون بمناطقهم الكثير الكثير من الخيرات، والعديد من المقومات التي تؤهلهم لاقامة أقوى دولة في المنطقة، الا أنه ليس أحد من العراقيين حدث نفسه بالانفصال لأن الجميع على يقين بأن قوتهم في وحدتهم، وأن تكاملهم في الحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعبا.
وبصراحة أقول، فان مشروع ما يسمى بالمصالحة الوطنية اليوم علىالمحك، فاذا تعامل المعترضون بايجابية مع قانون الفيدرالية المقدم للبرلمان للتصويت عليه، فان ذلك دليل حرصهم على احترام ارادة الأغلبية التي اختارت ذلك، وبعكس ذلك، سيعني أنهم مستمرون في مساعيهم الرامية الى عرقلة تطلعات الأغلبية من العراقيين وآمالهم.
ان المصالحة ليست شعارا او مؤتمرا أو ندوة تعقد هنا أو هناك، انها ليست مواثيق تدون على الورق، يتنكر لها أصحابها حتى قبل أن يجف الحبر عليها، بل انها مواقف ايجابية من المصالح العليا للشعب العراقي، كما انها رضوخ وانصياع لارادة الأغلبية، وما قانون الفيدرالية الا محك لامتحان نوايا الجميع ازاء مصالح الشعب العراقي.
ان المصالحة بمعناها الحقيقي، التزام بالدستور ووفاء بالعهود، أولا وقبل أي شئ آخر.
كذلك، بصراحة اقول، ان الانفصال الاختياري أفضل بكثير من الاتحاد القهري، فما بالك بالاتحاد الاختياري الذي تبناه العراقيون جميعا ومن دون استثناء، من خلال التصويت على الدستور الذي أقر النظام الاتحادي الاختياري (الفيدرالي) للعراق؟ فلماذا اذن كل هذه العراقيل التي يضعها بعض أيتام النظام البائد، أو بعضا ممن فقد السلطة بسقوط الصنم، للحيلولة دون تطبيق الدستور والالتزام بارادة العراقيين التي صوتت بنعم كبيرة لصالحه؟.
ان كل تجارب الوحدة والانفصال في العالم، تثبت حقيقة مهمة جدا، ألا وهي أن الاتحاد او الانفصال اذا لم يكن اختياريا، فلن يدوم أبدا، وأمامنا تجارب يوغوسلافيا والاتحاد السوفياتي والمانيا وغيرها الكثير، ولذلك فان خير ما فعل العراقيون هو انهم اختاروا الاتحاد بملء ارادتهم ومن دون جبر أو اكراه أو فرض من قبل أية قوة.
ان أكبر خير سيجنيه العراقيون من النظام الفيدرالي هو تفويض السلطات الى الأطراف من المركز، فلم تعد السلطات المختلفة متمركزة في العاصمة، بل ستوزع على الأطراف، وان نظام توزيع السلطات، هو من أهم شروط نجاج المؤسسات فضلا عن الأنظمة السياسية.
فلو تصفحنا وثائق الشركات والمؤسسات، لاكتشفنا بأن سبب نجاح أو فشل أية واحدة منها يكمن في تمركز أو توزيع السلطات، فالمؤسسة الناجحة هي التي تسعى دائما الى توزيع السلطات وتفويضها، أما الفاشلة فبالعكس، انها التي تسعى ادارتها الى تمركز السلطة بيد ثلة محددة، فتحتكر مصادر القرار وتستحوذ على أدواته ووسائله ما استطاعت الى ذلك سبيلا.
ان العراقيين يبغون من النظام الفيدرالي، ضمان المشاركة والمساواة في التمتع بخيرات البلاد، وانهاء سطوة المركز على الأطراف، وان كل ما دون ذلك من الأقاويل والتهم ليست الا باطلا في باطل.
ان الفيدرالية ستضع حدا لتكرار الأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية، كما انها ستنهي عهد الأنظمة الحديدية البوليسية، الى جانب أنها ستنهي عهد السرقات المسلحة (الانقلابات العسكرية) التي ابتلي بها العراق منذ وقت مبكر.
أخيرا اقول؛
ان الفيدرالية للعراق الجديد هي الأخرى أمر مفروغ منه دستوريا، فقد تم تثبيتها في الدستور وفي القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن، واذا كان هناك من خلاف، فعلى التفاصيل وليس على أصل الموضوع، ولذلك فان من الأفضل للمعترضين أن يقبلوا بالمشروع عن طيب خاطر وبالتوافق مع الأغلبية، ليصطفوا مع ارادة العراقيين، فان ذلك خير لهم من القبول به مكرهين بالتصويت، اذ ليس أمامهم الكثير من الخيارات للتهديد بنسف القانون والحيلولة دون تمريره بالبرلمان، وعليهم ان يتذكروا بأن زمن التهديد والعنتريات، التي ما قتلت ذبابة، قد ولى مع نظام الطاغية، متمنين أن لا نسمع على ألسنتهم تهديدا أو وعيدا، اذ أن ذلك لا يرعب أحدا أبدا.