From : rashadalshalah@yahoo.se
Sent : Thursday, September 7, 2006 6:08 AM
To :
arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : article
" مهام ملحة للإعلام الوطني العراقي"
 


مهام ملحة للإعلام الوطني العراقي
رشاد الشلاه


لظاهرة استشراء العنف في مجتمعنا العراقي أسباب عديدة متداخلة ومتفاعلة في ذات الوقت، وكان وما يزال للإعلام دور حاسم في ترسيخ ثقافة القسوة و العنف بشكل عام والقتل والموت بشكل خاص، فعلى مدى عقود تسلط النظام السابق و بالذات منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في أيلول عام 1980، حرص إعلام الدولة الرسمي، المرئي والمقروء والمسموع، إعلام لطمية " يا كاع اترابج كافوري" و "فوت بيها وعلزلم خليها" على تربية ثلاثة أجيال على الأقل على إيقاع طبول الحروب ، وأصبحت مهمته الرئيسية تطبيق شعار " تجنيد كل طاقات الأعلام من اجل المعركة"، فسعى إلى التأكيد على عسكرة المجتمع، و إحياء ما هو الممقوت والمتخلف من الموروث العشائري، كالثأر واستحلال الدم والبراءة، و باستقراء جديد ومشوه للتاريخ، و ترديد مفردات البغضاء والحقد والانتقام والعنصرية، والتلاعب بالمسميات ومدلولاتها، وتحويل هزائم النظام إلى بطولات ومآثر، بل إلى انتصارات.

و من بعض نتائج هذا النهج المدمر أن غدت مجالس الفاتحة على أرواح ضحايا قمع النظام السابق وحروبه، ظاهرة ملازمة لحياة العراقي اليومية، وعندها "تآلف" العراقي مع ثقافة القسوة و العنف والدم والموت ورخص ثمن حياته. ولا ينسى العراقيون سابقة من أكثر السوابق مدعاة للتأمل، واقعة قتل أب عراقي لأحد أبنائه الرافض للخدمة العسكرية ثم تشجيع هذا "الأب" على جريمته من قبل النظام السابق بزفة إعلامية حولت مأتم ذبح الشاب الضحية إلى عرس يبارك الجريمة ويكرَمها.

وبدلا من النهوض بمهمة مكافحة هذا التشوه الاجتماعي و الأخلاقي الموروث، شهد العراق بعد التاسع من نيسان 2003 طغيان زبد المنابر الإعلامية الورقية والفضائية، وتكاثرها بمتوالية عددية ملفتة، وسعى عدد لا يستهان به منها إلى النفخ في ريح إذكاء الفرقة بين العراقيين على أساس المذهب أو الدين أو المعتقد السياسي أو الانتماء العشائري أو المناطقي، فشاع الإرهاب والجريمة، خصوصا بعد ان وجدا تشجيعا و ترويجا لهما عبر العديد من الصحف، و فضائيات محترفة وأخرى معلبة، ولكنها متفقة على تسويق وتسويغ الإرهاب عبر تخصيص العديد من المقالات و ساعات البث اليومية في نشراتها الإخبارية وبرامجها الحوارية بغرض التحريض على الجريمة و اتساع الهوة بين مكونات شعبنا العراقي، حتى تحول هذا المثلث إلى سني وذاك الجنوب إلى شيعي وتلك المدينة إلى خليط بين الطائفتين، وأخرى تسكنها أغلبية معينة، مع المزيد من التوصيفات الغريبة عن واقع تعايش مكونات المجتمع العراقي المتنوعة خلال قرون عديدة من الزمن. ومن المؤسف ان التحذيرات المبكرة من الأقلام الوطنية المخلصة من خطورة دور وسائل الإعلام في حدوث الانقسام الطائفي والمناطقي لم تجد تفهما لدى أغلب القادة السياسيين المساهمين في العملية السياسية اليوم، بل عانت من الإهمال واللامبالاة، وحصاد اليوم هو من زرع الأمس.

و في هذه الأيام التي تسعى فيها حكومة السيد نوري المالكي إلى تحقيق المصالحة الوطنية، تستدعي ضرورة ملحة للغاية إلى قيام المنابر الإعلامية الوطنية والغيورة على الوطن الجريح بإسناد ودعم هذه المبادرة. و في ظني أن هناك ثلاث مهام آنية و ملحة ملقاة على عاتق الإعلام العراقي الوطني في الظرف الراهن:

الأولى: مساعدة المواطن العراقي وهو بحاجة ماسة إلى هذه المساعدة، في رفع ثقافة التخوين و القسوة و العنف والدم والموت عنه، لتعود إليه ثقافة الحوار واحترام الاختلاف والتعدد الديني والسياسي والمذهبي والعرقي، وبهذا السياق فان مبادرة شبكة الإعلام العراقي بإطلاق ميثاق الشرف الاعلامي ببنوده التسعة جاءت لتلبي مطلبا مهما من متطلبات دعم مبادرة المصالحة الوطنية. لكن تبني ميثاق الشرف الاعلامي هذا لن يكون كافيا إذا لم يقترن بمراقبة واعية لما ينشر ويبث في وسائل الإعلام العراقية.

الثانية: تسليط الضوء على ما هو إيجابي يتحقق لمصلحة المواطن واقتران ذلك بالنقد الهادف والبناء ودون مواربة للمظاهر السلبية في الأداء الحكومي والنشاط السياسي للكتل والأحزاب العراقية، مما يساعد في عملية بناء سلطة الدولة الديمقراطية وهيبة القانون.

أما المهمة الثالثة؛ فتتجلى بالتصدي للحرب النفسية التي تشنها وسائل الإعلام الطائفية، وبالذات الفضائيات العراقية و العربية والأجنبية، تلك الفضائيات التي باتت صناعتها الرئيسية وبحرفية عالية و بحجة الموضوعية التهليل لكل ما هو سلبي وإعادة بثه لمرات عدة، لما لهذا التكرار من تأثير مباشر على المشاهد الذي استسهل الثقافة الشفهية المجانية سهلة التلقف، في ظل الأمية المتفشية وسياسة العزل والتجهيل التي انتهجها النظام الشمولي السابق طوال عقود تسلطه السوداء.