البـابـا بنيدكتوس السـادس عشـر و"تسـييس" الكنيسـة
الدكتور عـبـدالقـادر حسين ياسين


تفـضـل بعض الأصـدقـاء ـ مشكورين ـ ولفتوا انتباهي الى بعض النقـاط الهـامـة التي لم أشر اليها في مقالي "ردّ عـقـلاني على اتهـامـات غير عـقـلانيـة"

ان المساحة الضيقـة المخصصة للمقال لا تكفي للخوض في مواقف الكنيسة الكاثوليكية من الأديان الأخرى (وليس فقط من الاسلام ) ، وحتى من الكنائس الأرثوذكسية والبروتستانتية.

وقـد تعرضت الى هـذه المواقف في رسالة مطولة بعثت بها الى قـداسـة البابا بنيـدكتوس السادس عشر في الاسبوع الماضي .

قـد لا يعرف الكثيرون أن الفاتيكان (ولغاية المجمع المسكوني الأخير) كان يعتبر المسلمين من "الهراطـقـة" ... وفي أفضل الأحوال من "الخراف الضـالـة" ، وهو ـ كما لا يخفى ـ تعبير كهنوتي قـديم .

بيـد أن هــذا لا يعـني أن تأخـذنا العـزة بالاثم ، ونتيح لأنفسـنا التعـميم وأن "نضع الكل في سلة واحـدة".

قبل سنوات كنت في زيارة لكوبا... وهناك التقيت بالدكتور إرنستو كاردينال. كان ارنستو ـ لمن لا يعرفـه ـ كاردينال نيكاراغوا (أعلى مرتبة كهنوتية في الكنيسة الكاثوليكية بـعـد البابا) ، وأحـد قـادة "الجبهـة السـاندينية" (نسبة الى قائد الثورة الأولى أوغستو سيزار سـاندينو [1895-1934] أحـد زعماء السكان الأصليين الذي قـاد ثورة مسلحة ضـد الولايات المتحدة استمرت عشر سنوات [1924 ـ 1934] معتمـدا فقط على أبناء شعبه من الفلاحين وصيادي الأسماك البسطاء) .

وبعـد انتصـار الثورة التي تلقى العـديد من كوادرها القيادية ، بمن فيهم دانيل أورتـيـغـا ، تدريبات عسكرية في قواعـد المقـاومة الفلسطينية في لبنان وسوريا ، وتطهير نيكاراغوا من الدكتاتور تاشيتو سوموزا ، عين ارنستو وزيرا للثقـافـة.

وتكمن شهرة ارنستو كاردينال ليس فقط في مكانته الكهنوتية ، وليس فقط في ثقافتـه الموسوعية (فهو شاعر مـُجـدد له خمسـة دواوين وثلاثة كتب حول تاريخ الحضـارات والنهب الاستعماري لثروات أمريكا اللاتينية) ، وانما في أنه أحـد مؤسسي "لاهوت التحرير" Liberation Theology و "كنيسة الفقراء" التي تستند ، أسـاسـا ، الى قول السيد المسيح : "أقول لكم انه لأسهل أن يـدخل الجمل في ثقب الابرة من أن يدخل الغنيّ الى ملكوت الله" (الكتاب المقـدس ، انجيل متى ، الفصل التاسع عشر : الاصـحاح 24).

في ذلك المساء من ليالي هـافـانـا الصيفية ، كنت سـعيدا بالاستماع الى رجل تذكرك ملامحـه البسيطة وملابسـه الرثـة بالمسيحيين الأوائل ، وتبهرك بساطته وحديثه عن هموم "ملح الأرض" الذين لا يجدون قـوت يومهـم .

وانتقل بنا الحديث (و"الحديث ذو شجون") من الوضع في أمريكا اللاتينية ، والأدب والشعروالفلسـفـة وتاريخ الحضـارات ، الى الدور الذي تلعبه الكنيسة في النضال اليومي للجماهير في أمريكا اللاتينيـة .

وقلت للكاردينال أننا ـ رغم آلاف الأميال التي تفصل القدس عن مـانـاغـوا وهـافـانا ـ في قارب واحـد . فالنضال الذي تخوضـه الشعوب من أجل الحرية لا ينفصل عن الكفاح من أجل لقمـة العيش والحياة الكريمـة في أي زمان ومكـان .

ولكي أوضح وجهة نظري ، قلت لـه أنه قبل 1370 عاما كان يعيش في فيافي شبه الجزيرة العربية رجل يدعى جـنـدب ابن جنـادة ، ويعرفه الناس بأبي ذرّ الغـفـاري. كان يعـبـد الله "على طريقـتـه الخـاصـة" حتى قبل أن يـُسلم . فلمـا بلغـته أنباء محمد أرسل أخاه الى مكة لـ "يتحرى الأمر".... ولكنه لم يصـدق ما سمعه من أخيه فذهب الى مكة بنفسـه.

لقي أبو ذر محمـدا في الكعبـة ، واستمع اليه ، وناقشه في العديد من الأمور، وآمن بـه لتـوِّه ... وكان رابع من آمن بمحمـد .

اشتهر أبو ذر بالتواضع الشـديد والزهـد ، ولم يكن يملك شروى نقير ، حتى ليقـال أنه كان يشبه السيد المسيح . كان شديد التقوى شغـوفا بالعـلم .

وعـنـدما رأى الفرق الشاسع بين رغـد العيش الذي ترفل به "ارستقراطية" قريش والفقـر المـدقع الذي يطحن فقراء المسلمين في مكة والمدينة ، قال عبارتـه المأثورة : "إني لأعجب لامرئ لا يـجـد قوت يومـه لا يخرج على الناس شـاهـرا سـيفـه..!".

نظرت الى ارنستو كاردينال ، ولاحظت أنه في "ملكوت" بعـيد... ظننت أنني أطلت الحديث (وأعترف أن هـذه واحـدة من عاداتي السـيئة!!) في موضوع قـد لا يعنيه من قريب أو بعـيـد... وكدت أعتذر عندما نظر اليّ وقال :

"ان حديثك الشيق عن هذا الرجل يذكرني بآباء المسيحية الأوائل...قلت أنه لم يصدق ما قاله أخوه ، فذهب الى محمد وناقشه وآمن . يقول القديس أوغسطين ان الايمان الذي لا يقوم علىاستخدام العـقل ليس ايمانا...أما حديثه عن الكفاح من أجل لقمة العيش والحياة الكريمة فما أحوجـنا في هذه الايام الى رجـال من هـذا الطراز."

وأخرج من جيبه مفكرة صغيرة ، وطلب اليّ أن أكتب "بالنص" ما قاله أبو ذرّ بالعـربية ، وأن أترجمه الى الانجليزية ، وفعلت...

أعـاد قراءة الترجمة الانجليزية بصـوت مرتفـع بلكنـة اسبانية محـبـبـة ، وضحك وهو يقول :
"ان هذه المقولة ، كالكتاب المقدس ، صالحة لكل زمان ومكان ... كل ما عليك أن تفعـله ، لكي يفهم المُعـدمون ما قاله هـذا الرجل الطيب ، هو أن تستبدل كلمـة "السيف" بـ "الكلاشنكوف".

وعنما قام البابا الراحل يوحنا بولص الثاني بزيارة نيكاراغوا ، طلب الى ارنستو كاردينال أن "لا يتدخل في القضايا السياسية" وأن لا يحرض "الرعـاع" على الثورة ، وذكـَّـره بأن "يعطي ما لقيصر لقيصر ، ومـا للرب للرب"...

وعندما قال له ارنستو أن "القيصر الأمريكي أخـذ ما له وما للرب أيضـا" ، غضب البابا (وكان من فرسان الحرب الباردة ومعروفـا بـعـدائـه الشـديد للفكر الاشتراكي) غضبا شديدا وأصدر "حـِرْمـا ـ بكسر الحاء وتسكين الراء ـ هرطوقيـا" (وهو تقـليد قديم في الكنيسة الكاثوليكية اشبه بالقانون يصـدره البابا ضـد "الهراطقـة") ، وعزلـه من منصبه...

وعـاد ارنستو ، غير آسف ، الى "كنيسة الفقراء" .

هـذا في نيكاراغوا أ، أما في السلفادور فقـد وقف الأسقف أوسـكار روميرو ، مطران العاصمة سـان سـلفـادور ، ببسـالة ضـد الطغمة العسكرية المدعـومة من الولايات المتـحـدة ، وضـد "فرق الموت" ، وقاتل بالسـلاح مع المناضل الفلسطيني الأممي ، ابن بيت لحم البار ، الدكتور شفيق حنضل ، في "قوات التحرير الوطني، (فـارابونـدو مـارتي) .

وفي 25 آذار 1980 قتلت "فرق الموت" الأسقف روميرو وهو يـُصـَـلي في احدى كنائس الفقراء في أدغـال السلفادور .

وفي فلسطين ، مـهـد المسـيحية ، لنـا في المناضل الراحل الأب ابراهيم عـيـاد ، والمطران هيلاريون كبوجي ، مطران القـدس في المنفى ، قـدوة حسـنة .

في عـام 1975 ، أصـدر البابا الراحل بيانا أدان فيه "الارهـاب" الفلسطيني. وفي اليوم التالي أعـاد الأب ابراهيم عيـاد وسـاما كان الفاتيكان قـد منحـه أيـاه تقـديرا لعشـرات السنين التي أمـضـاهـا في خـدمة الكنيسـة .

وكان لي الشرف أن عرفـتـه عن قرب ، وعشـنا مـعـا أثناء حصار بيروت عام 1982 . لم يكن يملك شروى نقير ، ويتناول من الطعـام "ما يـسـد الرمق" ، وكان يـُصر على أن ينـام على سرير خشبي رغم مرضـه وهزال جسـده.

وأثناء زيارة "رعـوية" لتشيلي لـتفـقـد أبناء الجالية الفلسطينية في أمريكا اللاتينيـة ، ذكر له أحـدهم أنه ليس ثمة مسـجد للصـلاة ، أو للاحـتـفـال بالمناسبات الدينية ، في سنتياغو ...فمـا كان من الأب عيـاد الا أن قـام بحملـة لجمع التبرعـات من المسيحيين الفلسطينيين (وبعضهم من أصحاب الملايين) وبنى مسـجدا ومدرسـة للمسلمين من أبناء الجاليـة .

ليس من الانصـاف أن نـُصـدر حكـمـا جائرا على الآخرين بسبب التصريحلت التي أدلى بهـا البابا في المـانيـا

ومما يؤسف له أن ردود فعل البعض (وخاصـة في فلسطين) والاعـتـداءات التي تعرض لهـا بعض أخـوتنا المسيحيين (والتي يـنـدى لـهـا جبين كل فلسطيني) جاءت لتؤكـد بعض ما قـاله البابا وجورج بوش بأن العنف "متـأصـل" في سلوك المسلمين .

إن تسييس الكنيسة يعني الخروج بها من موقعها الروحاني الذي يحتاجه المؤمنون ، بينما يخوض "العـالم الحر" بزعـامـة جورج بوش معركته ضد العالم الثالث ( وليس فقط ضـد العالم الاسلامي) وفق أجندة امبريالية لاعـادة عجلة التاريخ الى الوراء ، بهـدف فرض السيطرة الأمريكيـة على شعوب العالم الثالث واستنزاف موارده حتى النـهـايـة .