ليس دفاعاً عن البابا بندكتوس السادس عشر(1)
د.عبدالخالق حسين


أجل، لا أريد هنا الدفاع عن البابا بنديكتوس السادس عشر، فهو بالتأكيد ليس بحاجة إلى دفاعي، إذ معه أكثر من مليار مسيحي كاثوليكي يقدسونه وغير كاثوليكي يقفون معه ويدافعون عنه. كما هو ليس بالإنسان العادي الذي لا حول له ولا قوة، بل هو فيلسوف محترف وثيولوجي متبحر في الديانات المختلفة، إذ كان أستاذاً في اللاهوت في جامعة بون (1969-1971) قبل أن يتفرغ للمناصب الكنسية ليتدرج إلى رئاسة البابوية. ولكني أرى في هذا المجال أن الإسلام هو الذي يحتاج إلى الدفاع عنه وخلاصه من شرور الإسلامويين المتطرفين الذين اختطفوا الدين وجعلوه وسيلة لتحقيق أغراضهم السياسية الشريرة وأظهروه للعالم وكأنه دين للأشرار يبيح قتل الأبرياء بالجملة دون وازع من ضمير أو رادع من إخلاق.

لا شك أن يتفق معي كل عاقل أن الإسلامويين اختطفوا الإسلام ووضعوا المسلمين في حالة مواجهة دموية مع العالم المتحضر، معتمدين على بعض النصوص القرآنية التي أطلقوا عليها (آيات السيف)، واستخدموها ذريعة للبطش بالناس الأبرياء ممن يختلف عنهم في الدين والمذهب أو لا يجاريهم في تطرفهم وجرائمهم وذلك لعجزهم وجهلهم في قراءة هذه النصوص وفق متطلبات العصر ومواكبة الحضارة البشرية. وهكذا أسسوا منظماتهم الإرهابية باسم الدين مثل منظمة القاعدة وطالبان وغيرهما، ونجحوا في إقامة دول إرهابية مثل حكومة طالبان في أفغانستان وحكومات مارقة في إيران والسودان. فراح المتطرفون الإسلامويون يستغلون مشاعر المسلمين البسطاء لتوجيهها نحو أغراضهم الخاصة وتهديد العالم بهم.
فقبل عام استغلوا الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد (ص) لرسام مغمور نشرها في صحيفة دنماركية غير مشهورة حتى في بلادها، فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، حتى صارت الصحيفة أشهر من نار على علم. واستغل المتطرفون تلك الرسوم لأغراضهم فقادوا الجماهير المغيب وعيها إلى العدوان على الأبرياء وعلى المسيحيين في بلدانهم وحرق السفارات الدنمركية، بل وحتى النرويجية التي لا علاقة لها بتلك الرسوم، كما حصل في دمشق وبيروت وطهران. وفي الثمانينات من القرن الماضي صعدوا سلمان رشدي، الروائي البريطاني المغمور الذي لم يكن معروفاً آنذاك إلا في وسط ضيق، فجعلوا منه أشهر روائي تترجم رواياته إلى معظم لغات العالم فحقق منها أرباحاً خيالية بفضل غوغائية الشارع العربي والإسلامي ضد روايته (آيات شيطانية). وبهذه التصرفات الهستيرية اللامعقولة وجّه المتطرفون المسلمون أشد الإساءات إلى دينهم وقدموا أفضل الخدمات لمن اعتقدوا أنهم أساءوا لمشاعرهم.

والآن تكررت المهزلة بمناسبة محاضرة فلسفية أكاديمية بحتة ألقاها البابا بنديكيت السادس عشر، في جامعة ريجنزبورغ في ألمانيا مساء 12/9/2006، بعنوان (الدين والعقل والجامعة، ذكريات وانعكاسات)، يستعيد البابا فيها ذكرياته في الجامعة عندما كان طالباً يدرس الدين والفلسفة فيها، ثم صار أستاذاً في اللاهوت. وقد اطلعت على هذه المحاضرة المنشورة على موقع (شفاف الشرق الأوسط) باللغتين العربية والإنكليزية واستمتعت بقراءتها.
ففي هذه المحاضرة، تطرق البابا إلى أخطر قضية تهم العصر، ألا وهي العلاقة بين الأديان والفلسفة والإخلاق والعلوم والمنطق والإيمان بالله، والصراع بين الحضارات، ودور هذه المجالات المعرفية في التقارب بين الشعوب ونشر السلام على الأرض، وهل يمكن فرض الإيمان بالله والدين على الناس بالقوة أم بالإقناع والمنطق؟ وأي إله نتحدث عنه، وما الفرق بين إله الأديان الإبراهيمية (السماوية) وإله فلاسفة الإغريق؟ ولم تخل محاضرته من نقد إلى المسيحية نفسها عبر التاريخ وخاصة في القرون الوسطى وما عانى الفاسفة الإصلاحيون من اضطهاد على يد الكنيسة. وهكذا وجدت المحاضرة ليست جديرة بالقراءة فحسب، بل ومحفزة على التفكير والتأمل واستنباط الدروس والعبر منها، وخاصة لرجال الدين المسلمين والإسلامويين لإعادة النظر في كثير من مسلمّاتهم من النصوص وتفسيرها وفق سياقها التاريخي والعمل على ملاءمتها لتناسب متطلبات العصر على ضوء ما حصل من تطور مذهل في هذا الزمن. فكل شيء يتغير، بما فيه التعاليم الدينية، والجمود العقائدي يقود إلى الانقراض.
ولكن بدلاً من دراسة هذه المحاضرة القيمة دراسة عقلانية والاستفادة منها، راح المتطرفون المسلمون ومعهم مع الأسف المعتدلون، رافعين عقيرتهم صارخين بالويل والثبور ضد البابا والمسيحيين واليهود "أحفاد القردة والخنازير" على حد تعبيرهم، وكأنهم أعطوا عقولهم إجازة أبدية وأطلقوا العنان لمشاعرهم البدائية بحجة التجاوز على الإسلام. ولم أر في هذه المحاضرة أي تجاوز، لا على الإسلام ولا على أي ديانة أخرى، بل مراجعة تاريخية والدعوة إلى كيفية العمل على التقارب بين الشعوب والحضارات بالعقل والحكمة والمنطق وليس بالقوة والإرهاب. طبعاً يبدو هذا الكلام مرفوض من شريحة من المسلمين الذين جعلوا من الإرهاب والعنف وسيلتهم الوحيدة في تحقيق مآربهم الشريرة باسم الله والإسلام.
نحن لا نستغرب من قادة الأحزاب الإسلاموية ومروجي الإرهاب أن يثيروا كل هذا الصخب ويحركوا الغوغاء في الشارع العربي والإسلامي ضد البابا والمسيحيين في العالم، ولكن استغرابنا هو من أولئك الذين يعتبرون أنفسهم معتدلين، فبدلاً من أن يتعاملوا مع الأزمة بعقلانية وتهدئة الوضع، ركبوا موجة العنف وانضموا إلى المتطرفين وشاركوهم في صب الزيت على النار وبذلك قدموا خدمة مجانية إلى الإرهابيين الإسلامويين. وبطبيعة الحال، هذا لا يخدم الإسلام ولا التقارب بين الأديان بل يزيد النار اشتعالاً وتؤكد على ما يسمى بصدام الحضارات.
مقتطفات من المحاضرة:
إكمالاً للفائدة، أقتطف هنا بعض الفقرات من محاضرة البابا التي فجرت كل هذه القنابل في الشارع الإسلامي، من أجل أن نعرف هل تستحق هذه الأقوال كل هذا الضجيج الهستيري وقتل الأبرياء من المسيحيين وحرق الكنائس؟ فكما ذكرت آنفاً، أن المحاضرة كانت تتركز على أفضل الوسائل للتقريب بين الحضارات. وكرجل يحتل قمة الهرم في التراتبية المسيحية الكاثوليكية، المعروفة بالتسامح والسلام، (فمن ضربك على خدك الأيمن أعطيه خدك الأيسر)، لا بد وأن يركز على نبذ العنف ويدعو إلى الإقناع بالعقل والحكمة والمنطق بدلاً من التفجيرات والمفخخات. ولا بد في هذه الحالة أيضاًُ، أن يستشهد المحاضر بالتاريخ وصولاً إلى الحاضر ليصل إلى الاستنتاج الذي يرمي إليه من محاضرته وهو أن العنف لا يحل أية مشكلة بل يفاقمها، وبكلماته: "إن العنف لا يتوافق مع طبيعة الرب وطبيعة الروح". وأضاف البابا قائلاً: "تذكرت كل هذا مؤخرا، حينما كنت أقرأ.. شطرا من حوار دار - ربما عام 1391 في الثكنات الشتوية قرب أنقرة - بين الإمبراطور البيزنطي واسع العلم مانويل باليولوغوس الثاني وفارسي متعلم حول مسألة المسيحية والإسلام، وحقيقة كليهما. وفي المحاورة السابقة.. يتناول الإمبراطور مسألة الحرب المقدسة، ودون الخوض في تفاصيل، من قبيل الاختلاف في المعاملة بين الذين تسبغ عليهم معاملة "أهل الكتاب" والذين يعاملون كـ"كفار"، واجه محاوره باقتضاب مذهل يبلغ مرتبة الفظاظة عند البعض وذلك في تناوله للمسألة المحورية حول العلاقة بين الدين والعنف عامة، إذ قال: "فقط أرني ما أتى به محمد وجاء جديدا، عندها ستجد فقط ما هو شرير ولا إنساني، كأمره نشر الدين الذي نادى به بالسيف". وأضاف البابا في الجزء الختامي لحديثه "القصد هنا ليس هو إعادة التخندق أو النقد السلبي، بل توسيع مفهوم العقل وتطبيقاته". وتابع قائلا "عندها فقط نصبح قادرين على ذاك الحوار الحقيقي للثقافات والأديان الذي بتنا في حاجة ماسة له اليوم" وعن الدين والعقل يضيف البابا قائلاً: "وبعد أن عبر الإمبراطور عن نفسه بهذه القوة، مضى ليشرح تفصيلا لماذا نشر الإيمان بالعنف أمر مناف للعقل والمنطق، فالعنف لا يتفق وطبيعة الله ولا يتفق وطبيعة الروح، فيقول إن "الله لا يسر بالدماء، وليس التصرف بعقلانية مناقض لطبيعة الله، فالإيمان يولد في رحم الروح، وليس الجسد، ومن يهدي إلى الإيمان إنما يحتاج إلى القدرة على التكلم حسنا والتعقل، دون عنف أو تهديد أو وعيد". وفي الختام يقول البابا: إن الهدف هنا ليس إعادة التخندق أو النقد السلبي، بل توسيع أفق مفهومنا عن العقل وتطبيقاته.. عندها فقط نصبح قادرين على الحوار الحقيقي للثقافات والأديان الذي بتنا في حاجة ماسة إليه اليوم."(نقلاً عن تقرير bbcarabic.com).
لم يكتف البابا باقتباس ما يعتقد البعض أنه ضد الإسلام، بل اقتبس أقوال أساتذة من جيله في جامعة بون التي عمل فيها كأستاذ في اللاهوت، حتى ضد الله، مثل قوله: "ولم يكن هذا الإحساس العميق بالإنسجام ضمن عالم العقل يتعرّض للإضطراب حتى حينما أشار أحدهم إلى أنه كان هنالك شيء غريب حول جامعتنا: فهي كانت تضمّ كليّتين مخصّصتين لشيء لا وجود له: وهو الله. وقد ظل مقبولاً بدون جدال، على مستوى الجامعة كلها، أنه حتى بإزاء مثل الشك الجذري (في وجود الله)، فقد ظل ضرورياً ومعقولا ًأن نطرح موضوع الله عبر استخدام العقل، وأن نفعل ذلك في إطار الإيمان المسيحي." (ترجمة بيار عقل، موقع شفاف الشرق الأوسط). كذلك قال البابا: "ويستشهد خوري بعمل العالم الفرنسي المتخصّص بالإسلام، ر. أرنالديز (R. Arnaldez) الذي يذكر أن إبن حزم وصل إلى درجة القول أن الله ليس مقيّداً حتى بكلماته ذاتها، وأن شيئاً لا يلزمه بأن يكشف الحقيقة لنا. ولو شاء الله، فسيكون علينا حتى أن نعبد الأصنام". ويوضح البابا قول بن حزم هذا في مكان آخر بأن ابن حزم أظهر الله بمزاجية متقلبة. فلماذا لم يعترض المسلمون على هذا الاقتباس من بن حزم الذي يظهر الله بمزاجية متقلبة، كما لم يحتجوا على اقتباس أقوال الملحدين بالله وتسامحه معهم؟

ردود الأفعال
غني عن القول أن معظم ردود الأفعال، سواءً من رجال دين معتدلين أو مسؤولين سياسيين في معظم الدول الإسلامية، كانت عنيفة لا تتناسب مع محاضرة فلسفية مخصصة لجمع من الأكاديميين، ولا مع التسامح الإسلامي الذي يتشدقون به ليل نهار. فهم من جهة يقدسون العنف الذي يسمونه "الجهاد" في سبيل نصرة الإسلام، ومن جهة أخرى يتهجمون على كل من يصفهم بالعنف. فحصيلة غضب الشارع العربي لحد كتابة هذه السطور، كان أن تعرضت سبع كنائس على الأقل إلى حرائق في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وقتلت راهبة إيطالية مسنة تعمل في مستشفى للأمهات والأطفال في مقاديشيو عاصمة الصومال. وشارك في الهجوم على البابا رجال الدين المسلمون من مختلف المستويات والمذاهب والمؤسسات الدينية، شملت جامع الأزهر والحوزات الدينية في النجف وقم ومختلف العواصم الإسلامية، كذلك شاركت في الاحتجاج برلمانات وحكومات. ففي إيران احتشدت عدة مئات احتجاجا في مدينة قم ذات الأهمية الدينية. وشبه رجل الدين المحافظ أحمد خاتمي البابا بندكتوس بالرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، قائلا إن كليهما "متحدان بهدف تكرار الحروب الصليبية" وطالب البابا أن يعتذر للمسلمين وهو جاثياً على ركبتيه (كذا). ألا يدل هذا على الرغبة في إذلال الأخر وإفنائه؟ كما دعا الداعية الإسلامي البارز يوسف القرضاوي ليوم من "الغضب العاقل" الجمعة حيث قال إن البابا لم يعتذر. والقرضاوي معروف في استغلاله لهذه المناسبات من أجل إشعال الشارع الإسلامي. وأنا لا أعرف كيف يمكن وصف الغضب بالعاقل!! فأين العقل والمنطق عند هؤلاء الذين يسمون أنفسهم مشايخ الإسلام؟
مناقشة ما قاله البابا
كان المفروض برجال الدين والسياسيين المسلمين الذين هاجوا وماجوا ضد هذا الاقتباس اليتيم ضمن محاضرة فلسفية طويلة، أن يتعاملوا معها وفق سياقها الأكاديمي وظروف المرحلة وفكرة الحوار بين الحضارات والأديان وما يقع في العالم من أعمال عنف باسم الإسلام ومن قبل إرهابيين مسلمين. ولكنهم تصرفوا وكأن البابا جاء بافتراءات أو أفكار لا صلة لها بالواقع ولا بالنصوص الدينية الإسلامية ولا بالتراث التاريخي للإسلام. بينما لو راجعنا المصادر الدينية والتاريخية لوجدنا كل ما اقتبسه البابا بندكيت السادس عشر عن الإمبراطور البيزنطي هو موجود في هذه المصادر ودون أن يعترض عليها أي رجل دين مسلم. فلماذا عندما يقتبس البابا في محاضرة خاصة بمجموعة من الأكاديميين تنشق السماء وتزلزل الأرض؟
لا أعتقد أن هذه الإقتباسات كانت تستحق كل هذه الضجة، وإذا كان لا بد من الرد ، فكان الأجدر برجال الدين المسلمين الكبار، من أمثال شيوخ الأزهر والحوزات العلمية أن يطلبوا مناظرة مع الفاتكان في أجواء علمية هادئة وحسم هذه الأمور المثيرة للجدل بأسلوب حضاري أو كما جاء في القرآن الكريم: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" وقوله: "ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم". فهل يجهل القرضاوي وشيوخ الأزهر وشيوخ قم وغيرهم هذه الآيات، أم تصرفوا لأغراض شخصية لإثارة الغوغاء وصب الزيت على نيران العنف المشتعلة في كل مكان؟ لا شك أن ردود أفعال عنيفة من قبل بعض المسلمين من حرق الكنائس وقتل الأبرياء كان مردودها معكوساً على الإسلام والمسلمين وأعطى ذخيرة حية إلى العنصريين من أعداء الإسلام والمسلمين في العالم.

والآن دعونا نناقش بعض المقولات التي ذكرها البابا في محاضرته والتي أثارت غضب الشارع الإسلامي، ونسأل أولئك الذين غضبوا عليها وطالبوا البابا بالاعتذار لهم "جاثيا على ركبتيه" إن كانت هذه المقولات صحيحة أم إهانة بحق الإسلام!!
1- قال البابا: "إن العنف لا يتوافق مع طبيعة الرب وطبيعة الروح". فما رأي مشايخ الإسلام بهذا القول؟ فهل يتوافق العنف مع طبيعة الله؟ نحن نعرف أن الله ينبذ العنف وهناك آيات قرآنية كثيرة بهذا الخصوص. إذّن، فهذا القول لا يستوجب أي غضب.

2- معاملة "أهل الكتاب كـ"كفار". وهذا ليس بالأمر الجديد، ولا افتراء من البابا كما يدعي البعض، فهي مثبتة في النصوص الدينية الإسلامية، مثل قوله تعالى: "الدين عند الله الإسلام فمن جاء بغير الإسلام ديناً لن يقبل منه". صحيح هناك آيات في القرآن تعترف بالمسيحية واليهودية والصابئة، ولكن يقول مؤيدو العنف أن هذه الآيات نزلت في مكة عندما كان المسلمون ضعفاء في أول الأمر، وبعد الهجرة إلى المدينة تقوت شوكت الإسلام فنزلت آيات أخرى مدينية نسخت آيات التسامح المكية. لذلك على أصحاب الديانات الأخرى اعتناق الإسلام وإلا فهم كفار. وهذه مسألة مسلم بها عند معظم المذاهب الإسلامية. أما وصف المسيحيين واليهود بالكفار وأنهم أحفاد القردة والخنازير فتتكرر في خطب الجمعة باستمرار على لسان أئمة المساجد، واتهامهم بأنهم حرفوا الإنجيل والتوراة، حتى باتت هذه المسائل من الأمور التي لا تقبل النقاش عندهم!!

3- "نشر الإسلام بالسيف": هل ينكر الذين أثاروا الضجة حول استخدام السيف في نشر الإسلام؟ فالحقيقة التاريخية تؤكد وقوع حروب شنتها جيوش المسلمين ضد غير المسلمين في عهد الرسول وعهد الخلافة الراشدية والأموية والعباسية وحتى العثمانية في نشر الإسلام بالسيف، أي بالحروب التي سموها فتوحات. فكانوا يخيرون شعوب البلدان المفتوحة إما إعلان إسلامهم أو قتل الرجال وسبي الأطفال والنساء واستخدامهم كعبيد وإماء وجواري وبيعهم في أسواق النخاسة كغنائم الفتوحات. فكيف تم فتح العراق وإيران وبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا وأسبانيا وغيرها من البلدان؟هل أرسلوا لهم بعثات تبشيرية كما تفعل المسيحية، أم أرسلوا جيوشاً جرارة مدججة بالسلاح بغية نصرة الدارين؟ ففي فتح أسبانيا مثلاً، أرسل قائد الحملة موسى بن نصير خمسة آلاف عذراء أسبانيات إلى الخليفة الأموي في الشام عملا بقوله تعالى (ولله الخمس مما غنمتم)، أي مجموع العذراوات من الغنائم كان بحدود 25 ألف فتاة. ويتساءل الدكتور علي الوردي: كيف حصل الجيش الإسلامي الفاتح لأسبانيا على هذا العدد من العذراوات؟ هل طرق الجنود أبواب أهاليهن وقالوا لهم أعطونا عذراءً لوجه الله!! أم سبوهن بعد أن قتلوا آباءهن وأخوانهن؟ ويضيف الوردي، نحن ندين جرائم هولاكو في بغداد ونصفها بأبشع الصفات، ولكننا في نفس الوقت نعتز بما ارتكبه أسلافنا من أعمال مماثلة باسم الإسلام في أسبانيا. فهل هذه الأعمال الهمجية مقبولة في عصرنا هذا؟
لم يتوقف استنكار ما استشهد به البابا على رجال الدين المسلمين المتشددين، بل تعداه حتى إلى رجال دين متنورين مثل شيخ الليبراليين الدكتور أحمد صبحي منصور، حيث ينكر أن الإسلام نشر بالسيف. وحاول تكذيب حديث ذكره البخاري منسوب إلى النبي محمد (ص) قوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله ..الخ" في مقال له على موقع الحوار المتمدن بعنوان: (حول ما قاله البابا بندكت السادس عشر عن الاسلام). فيقول الدكتور أن "هذا الحديث افتراه البخارى ، والبخارى إسمه الحقيقى (إبن برزويه ) وهو من خراسان التى كانت مشهورة بشعوبيتها وحقدها على العرب والإسلام ،..الخ.". طيب ونحن نتمنى أن يكون هذا الحديث مزوراًً، ولكن كيف يفسر أستاذنا العزيز بعض النصوص القرآنية التي توجب إعمال السيف في نشر الإسلام وهي كثيرة، ولضيق المساحة أكتفي بذكر واحدة منها فقط وهي قوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا بالبوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون." (التوبة، 29). ففي عهد النبي محمد (ص)، نظمت حملة بقيادة أسامة بن زيد، ضد الروم. كذلك احتلال العراق ومصر في العهد الراشدي وأسبانيا في العهد الأموي، حيث كانت شعوب هذه البلدان تدين بالمسيحية، أي كانوا من أهل الكتاب، فلماذا شنت الحروب عليهم؟
ثم لماذا وقعت حروب الردة في عهد الخليفة أبي بكر، التي راح ضحيتها نحو 28 ألف من الذين ارتدوا عن الإسلام، ولماذا لم يستخدموا معهم أسلوب العقل والمنطق والإقناع؟ وما هو حكم المرتد في عصرنا الحاضر، أي المسلم الذي يترك دينه أو يتحول إلى دين آخر؟ وهذا لا يعني أنه لم يتم نشر الإسلام سلمياً وبالإقناع في بعض البلدان كما حصل في إندونيسيا عن طريق تجار مسقط، ولكن يخبرنا التاريخ بأن تم نشر الإسلام في معظم البلدان الأخرى عن طريق الغزوات التي يسمونها بالفتوحات الإسلامية.

4- كما أكد البابا في الجزء الختامي لحديثه قائلاً إن "الله لا يسر بالدماء، وليس التصرف بعقلانية مناقض لطبيعة الله، فالإيمان يولد في رحم الروح، وليس الجسد، ومن يهدي إلى الإيمان إنما يحتاج إلى القدرة على التكلم حسنا والتعقل، دون عنف أو تهديد أو وعيد". ويضيف: "القصد هنا ليس هو إعادة التخندق أو النقد السلبي، بل توسيع مفهوم العقل وتطبيقاته". ويؤكد: "عندها فقط نصبح قادرين على ذاك الحوار الحقيقي للثقافات والأديان الذي بتنا في حاجة ماسة له اليوم".
أليست هذه دعوة صادقة للحوار بالتي هي أحسن؟ فلماذا لم يلجأ مشايخ الإسلام والزعماء السياسيون المسلمون إلى الحوار الهادئ بدلاً من إثارة الغوغاء؟ إن لجوء بعض المسلمين إلى العنف بعد أية محاضرة أو رسم كاريكاتيري أو نشر كتاب لا يعجبهم، يجلب عليهم سمعة سيئة ويجعل العالم يأخذ عنهم فكرة بأنهم أناس يتصفون بالعدوانية والمزاجية المتطيرة والسايكولوجية العنيفة. وهذا السلوك الانفعالي المتطير المتشدد يجعلهم في حالة خفة في نظر غير المسلمين ويفقدهم الاحترام من قبل شعوب الأرض. حقاً لقد احتارت شعوب العالم في كيفية التعامل مع المسلمين. أليس من عاقل بينهم لينصحهم بالتعامل مع العالم بالأسلوب الحضاري الأمثل، وكما جاء في القرآن: (وجادلهم بالتي هي أحسن). فهل هذه الآية مازالت فاعلة أم هي الأخرى نسختها آيات السيف. أفتونا يرحمكم الله!!