كل ربع ساعة وأنتم بخير
نضال نعيسة
28 اكتوبر 2006
sami3x2000@yahoo.com


أما وقد انقضت هوشة العيد، و"طوشته"، وشبع الناس تزلفاً، وتلوناً، ومعايدة، وفولاً نابتاً، وبليلا، وشوكولا طالعة ريحتها، وفاقدة الصلاحية، فقد تنفس الكثيرون الصعداء، لأن هذه الأعياد فقدت الكثير من بريقها، وسحرها، وأثرها الرومانسي السالف في نفوس الناس. بل صارت تقترن بالكثير من الهموم الاقتصادية، والمظاهر الاجتماعية، والبدع الخنفشارية. فيما صار كثيرون يعتقدون، أن مجرد بقائهم على قيد الحياة، هو نصر كبير، وإنجاز رائع، في ظل هذا الكم الهائل من الأعباء، والكوارث، والحماقات التي تهطل علينا يومياً، كالمطر من السماء. وإن من يتابع أخبار الفضائيات، من الفجر، وحتى المساء، لا بد أنه سيقرص وركه، أو يغز دبوساً بكرشه، أو ربما، يتوسل أحد عرفاء المخابرات ليصفعه كفًا، أو يرفسه، كالعادة، على قفاه،ً ليتأكد أنه ليس في حلم، وأنه بأمان الله، وما زال حياً يرزق، مع بقية الأنام، وبارك الله بهذه "الرزقة" على أية حال.

ولعل البعد الاقتصادي، والاجتماعي هو أكثر ما يؤلم، ويدمي النفس، ويحزن قلوب الفقراء، وهم يشكلون غالبية الناس، فلا عيد لهم لا إن هم صاموا، ولا إن هم فطروا، ولا أحد يفتكر بهم لا إن عاشوا، ولا إن ماتوا، ولا تتذكرهم سوى الفواتير، والديون، ورجال الضرائب، والأمراض المزمنة في هذه "المعمعات الاجتماعية" التي غالباً ما ينشط فيها المتزلفون، والمتزلفات، والمتملقين، والمتملقات، الطويلين منهم، والأقزام. وتمر الأعياد، على الفقراء، كغيرها حبلى بالمجاعات، والقهر، والأمنيات الصغيرة الموؤودة، ولن يكترث بهم، أو يتذكرهم، أو يخطب ودهم نفر ما، فيما يتراكض المتزلفون، والمنافقون، للتوسل، و"البهورة" عند المتنفذين، وأصحاب الشأن لتقديم فروض الطاعة، والولاء، و"المعايدة"، ونيل المغفرة، والرضا، واكتساب بركة السلطات.

وإذا كان العيد هو عيد للفطر، فيؤلمنا القول أن هناك ملايين صائمة عن الكثير من المتع، وأبسط حاجات الحياة، كالحب، والأمل، والغذاء، والأمان. ولا أظن أنهم سيفطرون، ويحتفلون بعيد الفطر مثل باقي خلق الله، ولا حتى بالألفية الرابعة، إن شاء الله، حسب ما يشير إليه واقع الحال، وآخر التوقعات الاقتصادية. فـ"الشفـّيطة" قد كنـّّسوا الأرض، وما عليها، ولم يتركوا حتى الفتات. لأنه لو فكر هؤلاء البؤساء أن يفطروا مثلاً، لتوجب عليهم أن يدفعوا رسم رفاهية عن الإفطار، وهذه آخر ما جادت به قريحة، وعبقرية خبراء جامعات كازاخستان. لذلك من الأفضل أن يبقوا صائمين عن دخول المطاعم، وركوب السيارات، واقتناء كل أنواع الكماليات، التي تدفع عليها رسوم، وضرائب، وأتاوات. والمفلس، بطبعه، صائم عن الكثير من الأشياء في الحياة، وحين تقول لأحد هؤلاء كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الفطر السعيد، فإن الدهشة ستعتريه، وسيعتبر ذلك تهكماً عليه، فأي خير هذا، ولسان حاله يقول: "وهل أنا قادر، أصلاً، على الإفطار لو نويت ذلك". وهنا نود أن نسأل أخوتنا شيوخ الدين الأجلاء، عن هذا النوع من الصوم الإجباري، والإلزامي، هل نزل في أي كتاب؟ وهل له حسناته؟ وهل يثاب "صائم الدهر" القسري المنكوب، بمثل ما يثاب به الصائم بملء إرادته، وهو محاط بكل متع، وملذات الحياة؟ وهل الصيام "المقنن" عن الكلام في السياسة، وغض الطرف عن الفساد، والامتناع عن النقد، هو نوع من أنواع الصيام؟ وهل لكل ذلك حسنات، ودرجات عند الله؟

وفي ظل ظروف الفقر، والقهر، والتعتير، والتشحير، والضائقة الاقتصادية الماحقة، التي تمر بها فقط أمتنا العربية والإسلامية، والحمد لله، من بين كل أمم الأرض وشعوبها، فقد صار العيد يشكل عبئاً اقتصادياً، إضافياً، وثقيلاً، على أصحاب العائلات، والدروايش البسطاء، من الصائمين "خلقة" عن كثير من "الطيبات" التي لا تتاح سوى للأخيار، وأصحاب الشأن من "المَرْضِيين" الذين أنعم الله عليهم بنعمه الكثيرة، وهو العزيز الوهاب، ولا اعتراض أبداً على حكم، ومشيئة الله، فهو يؤتي النعمة لمن يشاء، ويمنّ على الصالحين من عباده باليورو، والدولار، والجنيه الاسترليني طبعاً، وليس الجنيه السوداني، أو المصري. وما على الفقراء، والمشحّرين، سوى زيادة الدعاء، والابتهال لله تعالى، لعل دعاءهم يستجاب له، مثل ما استجاب الله لدعاء الشبّيحة، وأساطين المال الشطار، وأصحاب المليارات الذين يُقضون عيد الفطر في كان، وهاواي، ولوزان، بينما يقضيه الفقراء في المستشفيات، وعلى مواقف السرافيس، وعلى "الكريجات".

لا أخفيكم القول بأنني صرت، أتوجس، وأتحرج، جداً، من قول كل عام وأنتم بخير، لكثير من الأصدقاء. وصرت أعتبرها عبارة تنطوي على نوع ما، من الاستفزاز، وأنا أرى التردي، والبؤس، وضيق الحال، والشر الذي يتربص بخير أمة أخرجت للناس. كثير من الأصدقاء صائم قسري عن كل شيء في الحياة، ويشحّط نفسه تشحيطاً، وينتعها تنتيعاً من أول العام لآخره، ويصوم الأشهر الحرم، والحلال، والعام الهجري والغريغوري بطوله وعرضه، وليس شهر رمضان فقط. ومنهم من بقي "صائماً" حتى عن الرد، وأنا أعذره تماماً، لأنني أعلم علم اليقين، بأنه ليس بـ"خير"، وليس على ما "يرام"، على الإطلاق. وصرت مقتنعاً، تماماً، أن هذه الحياة، هي ورطة على الجميع، وبلا استثناء. على الكبار قبل الصغار. وأنه لن يتغير الحال. والأمس أفضل من اليوم، واليوم، أفضل من الغد، وهكذا هو الحال. ويندر أن ترى أحداً مرتاحاً، على الإطلاق، والكل ينق، ويشكي، ويبكي من القلة، و"التعكيس"، وسوء الحال، ويضرب كفاً بكف، وينطح الجدران، ويندب الحظ، والزمن الغدّار، والأيام السوداء.

أرسلت الكثير من رسائل التهنئة للأصدقاء فمنهم من رد على مضض، واستحياء وأنا على علم تام بواقع حاله. ومنهم من ردّ بدبلوماسية، ولباقة، ، رغم أنه ليس بخير تماماً، وأنا أعلم علم اليقين، بأنه ليس بخير، لا هو، ولا كل سلالته الكريمة، والأرض التي من تحته، تغفو على بركان، وألغام، سواء ًفي دول الجنوب، أو في دول الشمال، في الشرق الأوسط القديم، أو في الشرق الأوسط الجديد، في الدول التي تحكها الشراويل، والعمائم، أو تلك التي تحكمها الياقات والكرافات، في مضارب الشيوخ طويلي العمر رعاة المعز أصحاب المناخير الفطساء، أوعند رجال العصر "المودرن" من المتصابين وصابغي الشعر بالجيل والبارفانات، في الدول التي يتسلط عليها اليمين، أو تلك التي يلعلع فيها الثوار، واليسار.

ما يضحك في العملية كلها، ويزيد المشهد فوضوية، وعدمية، ووسط هذا الركام الهائل من المصائب، والبلاوي، والخزعبلات، أن الناس ترجو للناس أن تبقى بخير، وعافية لمدة عام كامل. تصوروا التفاؤل والإقبال على الحياة!!! والعرف المعروف، أن الله، وبطرفة عين، وانتباهتها، يغير من حال إلى حال. وكان حرياً بهم، وتوخياً، للدقة، والموضعية، وواقع الحال، هو القول "كل ربع ساعة وأنتم بخير"، مثلاً، وبعد ذلك" لكل حادث حديث، هذا إذا انقضى ربع الساعة على خير، واستجاب السميع المجيب للدعاء، وبقي هذا الشخص بخير، لمدة ربع الساعة الذي تكرمت به عليه، ولم تنزل عليه مصيبة، أو تحيق به داهية، أو تنفجر سيارة مفخخة أمامه. ففي ظل وجود بوش، وبلير، والسندريللا الدلوعة رايس، و"بقية الشباب"، ليس هناك من أمل، أبداً، أن تبقى الدنيا بخير، لمجرد ثانية واحدة، وبذا، ليس هناك من شيء مضمون، على الإطلاق.