القيادة الكردية... خذلت شعبها
سيلفان سايدو - إعلامي
26 اكتوبر 2006
silvansaydo@hotmail.com


لا يخفى أنّ القيادة الكردية قد ساهمت وعلى نحو كبير، في القضاء على نظام البعثي الديكتاتوري في العراق، فضلاً عن دعمها ومساهمتها في بناء قوة معارضة منظمة وفاعلة مع نظيراتها العربية العراقية الأخرى، ضد ذلك النظام، منذ أوائل تسعينات من القرن المنصرم.
ولأن مصالح الطرفين منذ ذلك الحين، وإلى الآن، لا تزال مقترنة في بقاء العراق موحداً قوياً، وهو الأمر الذي اقتضى استمراراً، لاقترانهما بضرورة حفظ المعادلة الجديدة، التي نجمت عن سقوط الحكم البعثي المباد.
لكن من المفارقات المثيرة الأن، هي أنّ المجموعات التي كانت الأقرب للطرف الكردي داخل تركيبة الحكومة العراقية الحالية، أضحت هي أكثر القوى إلحاحاً على التمادي، في ما تم التوافق عليه، حتى في ما تضمنه الدستور العراقي الجديد، لا سيما في ما يتعلق بالفديرالية، وتجنيس الوضع في مدينة كركوك، وكذلك المناطق التي تم إلحاقها بمناطق العربية أو "عربستان" (إن صح الاصطلاح) في العراق. وهو ما ظهر جلياً إبان حكومة رئيس الوزراء السابق "الجعفري".
ووسط كل هذا الجحود والتمادي... ولئن كانت اللامبالاة والعشوائية، من أهم معالم العقلية التي تتعامل بها القيادات الكردية في كردستان العراق مع آفاق التحولات الأخيرة الجارية على الساحة العراقية المستعيرة، بيد أنّ هذا لا يمنعنا، من الوقوف عند بعض هذه الهفوات واللامبالاة:
فأولى هذه الهفوات منها ما تتعلق بإشكالية الخيار الاستراتيجي الكردي الهش، للخروج من الأزمة الراهنة في ما وراء المأزق السياسي المتعثر في العراق، والتي أخفقت بشكل جلي، في تحقيق أدنى ما كانت عليها تحقيقها. ولا ندري على أي رهان يعتمدون أو ينتظرونها، سيما وأنّ الطرف المقابل غارق في معمعاتها الما بينية. فما بالك لو أنه كان متفرغ للمسائل الشائكة معها.
فمن جهة إذا كان رهانهم على حسم الصراع مع تسوية للأوضاع السياسية المعقدة والمتعثرة في العراق، فهو رهان خاسر على أقل التقدير، ولا يغن عن واجب البحث عن رؤية استراتيجية جديدة لهم، للخروج من المأزق المتولد عن هذه الاستراتيجية الغير مجدية، بتغير المقاربة الجيوسياسية، لأوضاع العراق والمنطقة المقبلة على مشروع "الشرق أوسط الجديد".
ومن جهة ثانية إذا كان البعض من قيادات الكردية، تلوح بالرجوع لمنطق محددات الخصوصية المميزة لتجربة (التوازنات الطائفية والقومية في العراق) - دون النظر لنتائج التي يمكن أن تنتج عنها- المرتهنة على نجاحات استقرار الاقليم في ظل المظلة الأمريكية، فإنّ جدوى هذا المسلك وواقعيته، قد لا تتلاءم مع مقومات الراهن، كون أنّ هذا المنطق يقوم على مغالطة جلية للعيان قوامها الخلط غير المبرر بين أسلوب العمل اللاجدي، المحدود التأثير، وخيار الاعتماد التقليدي القائم على مراعاة العلاقات السياسية الآنية... دون أخذ بعين الاعتبار موازين ما يمكن أن يتمخض عنه الأمن الإقليمي الذي لا يمكن إنكار واقع اختلالها لصالح المتربصين لنيل من وجود هذا الكيان الوليد.
ومن جهة ثالثة، صحيح أنّ مجريات الوضع الميداني في الساحتين العراقية والاقليمية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك، عقم استراتيجية التسرع في المواقف إزاء تسارع التغيرات السياسية التي تعصف بالمنطقة، مع ديناميكية الموجة الإرهابية العاتية. غير أنّ فاعلية هذه الاستراتيجية من الناحية العملية مرهون بمقومات أساسية، منها التأطير السياسي والدبلوماسي لهذه الاستراتيجية، وأخرى انبثاق العامل الاقليمي في العمل السياسي الذي أصبح يتجاوز الحيز العراقي. وبدون هاتين المقومتين يمكن أن يتحول عمل قياداتنا إلى عمل عدمي، فاقد للرؤية السياسية، خارج مسارها، وبالتالي فقدانها لشرعيتها ومكانة دورها القيادي.
ولذا فالتحدي الأكبر المطروح اليوم في الساحة الكردية في العراق، هو تجاوز هذه العقلية الغير منتجة، والبدء بعمل ضمن المنظور المستقبلي الكردي في إطار المشروع الهادف إلى توطيد الدولة العراقية الفيديرالية، آخذين بعين الاعتبار العامل الاقليمي في حساباتهم السياسية. لأن ما هو مقبل عليها المنطقة تطرح على اقليم كردستان العراق تحديات بالغة الجسامة، منها ما تتعلق بالأفق الأشمل للاستراتيجية الإقليمية، التي لم تزل في حالة مخاضها (كما وصفتها السيدة رايس) بأن تتأقلم مع راهن الوضع. الذي يكاد ويتلاءم والرؤية الأمريكية لبناء الشرق أوسط الجديد، في استراتيجيتها المعلنة، بالحرب على الإرهاب العالمي. مما يؤكد على إعادة تحديد طبيعة أولوياتها الإقليمية، وإعادة تجديد بنود تحالفاتها في المنطقة، وتماشياً مع التحول الديمقراطي الداخلي لدول المنطقة، في منظور الأمن الإقليمي.
وثاني هذه الهفوات، هو شعور القيادة الكردية بأنّ انتظارهم للظروف، ربما قد تساعدهم في تجاوز ما هم بصددها. ومن الواضح أن هذا الرهان يقوم على وقائع زائفة. فالقيادات الكردية ماطلت على نحو لم يعد تحمل الوضع، في تطبق المادة 140 من الدستور العراقي الجديد، التي ترمي الى إزالة آثار سياسة التعريب عن مدينة "كركوك" التي مارسها نظام صدام حسين. والتي تدعو أيضاً إلى إجراء إحصاء سكاني، ثم إجراء استفتاء حول مصير، وبعدهما تطبيع الوضع، على أن تُعاد كركوك إلى اقليم كردستان.
غير أنّ ما هو جلي أنّ الاستراتيجية الكردية ماضية في سيرها بهذه العقلية، في حركة دائرية مغلقة غير مستقرة، بلا بداية ولا نهاية لها.