حرية الأديان
د.عبدالخالق حسين
26 اكتوبر 2006


بعث لي صديق (فيديو كليب) عن شابة أمريكية تدعى أنجيلا كولن، أجرت معها إحدى القنوات التلفزيونية الأمريكية مقابلة بمناسبة تحولها من المسيحية الكاثوليكية إلى الإسلام. وقدمت المذيعة صورة لأنجيلا قبل هذا التحول وهي في ملابسها الغربية الجميلة وشعرها الأشقر وعينيها الزرقاوين، تطفح بالحياة والبهجة، وصورة أخرى لها وهي بالحجاب ووجهها مشرق بابتسامتها العريضة الجميلة.

المهم في الأمر هو أن تغيير أنجيلا لديانتها لم يثر استغراب عائلتها التي لم تضطر لإعلان البراءة منها، ولا أية ضجة في الكنيسة الكاثوليكية، ولا ردود فعل هستيرية في المجتمع، ولم تختف هي عن الأنظار خوفاً من عقوبة الردة، بل أعلنتها بملء إرادتها وهي مبتهجة جداً بهذا التحول، وكذلك أبواها، رغم تمسكما بديانتهما المسيحية الكاثوليكية، وقد أعربا عن سعادتهما بقرار ابنتهما.
مناسبة تعليقي على هذا الخبر العابر، هي حرية الإنسان في حق اختياره لعقيدته، الدينية والفكرية والسياسية في جميع بلاد الله ما عدا البلاد الإسلامية. فالعقيدة، أياً كانت، لا يمكن فرضها على الإنسان بالقوة والإرهاب، بل بالمنطق والعقل والحكمة والقناعة، أما إذا فرضت عليه بالقوة، فيضطر هذا الإنسان أن يخادع ويراوغ ويتحول إلى منافق طلباً للسلامة، ولذلك فما أكثر المنافقين في البلاد الإسلامية وما أقلهم في البلاد الديمقراطية الحرة. فهذه الحرية التي تتمتع بها الشعوب الغربية، ومنها الشعب الأمريكي، تكشف لنا مدى تمسك هذه الشعوب بمبادئ الديمقراطية واحترام حرية الفرد، والتي هي السبب الأساسي في تطورها ورقيها في جميع المجالات. إن سهولة إعلان هذه الفتاة الأمريكية عن تغيير دينها إلى الإسلام في التلفزة وبهذه الحرية والعفوية، تكشف لنا عن مدى رقي الشعب الأمريكي وعظمته وروعة نظامه الديمقراطي وتمسكه بمبادئ الدستور والقوانين، واحترامه لحرية الإنسان في أخذ أي قرار يخص موقفه الشخصي من الله ومن الأديان واتخاذه المعتقد النابع عن قناعته التامة دون ضغط أو تهديد، وأن يؤمن بما يشاء ويكفر بما يشاء وفق حريته وإرادته.

قد يبتهج الإسلاميون بتحول أنجيلا إلى الإسلام ويعدوه نصراً من الله وفتحاً مبيناً وقريباً لهم ولدينهم، وأن هناك شباب وشابات من غير المسلمين في العالم يتخلون عن دياناتهم الأصلية ويعتنقون الإسلام، ولكن من الجانب الآخر، علينا أن نسأل، هل بإمكان أي مسلم في أي بلد مسلم أن يعلن بملء حريته وإرادته تغيير دينه ويتلقى الترحيب والاحترام من عائلته ومجتمعه دون أن يتعرض للموت أو أي تدخل من حكومته، ويحضر المقابلات التلفزيونية ويعلن عن تحوله هذا بمنتهى الحرية وبكل عفوية مع روح المرح والبشاشة الطافحة؟

ولما سألَتْ مقدمة البرنامج والدي أنجيلا عن موقفهما من تغيير أبنتهما لدينها، إن كانا سعيدين أم حزينين؟ فأجابا بأنهما سعيدان جداً طالما كان تحولها ناتجاً عن قناعة وطالما هي سعيدة بذلك، وأنهما لن يتدخلا بشؤون ابنتهما، خاصة وهي تتمتع بشخصية ناضجة واستقلالية تامة في التفكير، ويحترمان آراءها وقرارها ولن يتدخلا في شؤونها الخاصة. بالمناسبة، لم تغير أنجيلا اسمها، لأن هذا هو اسمها الذي منتحته لها أمها عند ولادتها، كما قالت، وهي تعتز به وأنه لن يتعارض مع دينها الجديد.

عزيزي القارئ، قارن ما حصل لأنجيلا في أمريكا بلاد "الكفار" مع ما يجري في بلاد خير أمة أخرجت للناس، وما يتعرض له المواطن المسلم، ليس فيما لو تجرأ وأعلن تغيير دينه، بل وحتى لو حاول بمجرد أن يفكر بطريقة أخرى غير ما يفكر به الآخرون، كأن يكون ليبرالياً وناقداً لبعض الأعراف والتقاليد الخاطئة والسياسات الطائشة التي ساهمت في عرقلة تقدم هذه المجتمعات. تذكر ما حصل لذلك المواطن الأفغاني الذي تحول من مسلم إلى مسيحي كاثوليكي بسبب تأثره بأخلاق العاملين في إحدى المنظمات الإنسانية الغربية التي جاءت لمساعدة الشعب الأفغاني وما عاناه الشعب الأفغاني على أيدي طالبان. لقد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وعرضوا عليه، إما إعلان التوبة والرجوع إلى الإسلام، أو قطع رأسه كما هو حكم الردة في الإسلام. واعتبروا منحه هذا الخيار حرية ودليل التسامح في الإسلام للمرتد، ولم يسلم الرجل من السيف إلا بعد أن تدخلت الحكومة الإيطالية وقبلته لاجئاً في بلدها وضمنت له حياة جيدة.

أتذكر قبل سنوات، أثيرت ضجة واسعة حول مواطن كويتي باسم (قمبر علي) أعلن تحوله من الإسلام إلى المسيحية، فأدخل السجن وطالب الإسلاميون تطبيق حكم الردة بحقه، أي قطع رقبته، وحرِّمَ حتى من زيارة عائلته له ورؤية أطفاله. فتدخلت المنظمات الإنسانية الغربية، وليست الإسلامية طبعاً، لإنقاذه. وقد صرح ناطق رسمي باسم الحكومة الكويتية آنذاك، أنه إذا أطلق سراحه من السجن وقتل، فإن الحكومة لا تستطيع مقاضاة القاتل، لأنه طبق بحقه حكم الردة. قارن هذا الوضع بما جرى لأنجيلا الأمريكية وعشرات الألوف غيرها من الناس في الغرب الذين يغيرون دينهم بدون أن يتعرضوا لقطع الرقاب أو أي اعتراض.

كذلك لن أنسى ما قرأته قبل عامين، مقابلة في إحدى الصحف اللندنية للمدعي العام البريطاني عن تحول ابنته وزوجها من الديانة المسيحية إلى الإسلام. قال الرجل أنه وزوجته يتناولان طعام الغذاء هذه الأيام خارج المنزل وذلك بمناسبة حلول شهر رمضان، لأن ابنتهما وزوجها تحولا إلى الإسلام وهما صائمان هذه الأيام ويقيمان معهما في بيتهما ولا يريدان أن يزعجاهما بتناول الطعام أمامهما إثناء النهار. هذه هي اخلاقية من يسميهم الإسلاميون كفاراً. فأي سلوك هو أقرب إلى التسامح والإنسانية؟

قبل أيام، نشرت المفكرة التونسية الدكتورة رجاء بن سلامة، مقالاً بعنوان (حقّ الإنسان في أن يكون لاأدريّا ) تطرقت فيه إلى حرية الإنسان وأن من حقه أن يؤمن أو لا يؤمن بالأديان, ولم تقل الكاتبة أنها تخلت عن دينها أو تحولت إلى ديانة أخرى أو طعنت في معتقد المسلمين، بل كل ما قالته، أن للإنسان الحق في أن يؤمن بأي دين كما يشاء، كما ومن حقه أن يكون لا أدرياً (agnostic)، علماً بأن لقولها هذا سند ديني في الإسلام نفسه وهو قوله تعالى "لا إكراه في الدين.." والآية: "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر".. ونتيجة لطرحها هذا الموضوع صارت الكاتبة مشروعاً للشهادة، لا تدري متى يسقط عليها سيف ديموقليس ليقطع رقبتها. وحتى قبل نشر هذه المقالة، كانت الدكتورة رجاء بن سلامة قد تعرضت إلى أبشع حملة من قبل الإسلامويين نظراً لطرحها آراءها الجريئة في الدفاع عن الحداثة وحرية الإنسان.

الشيخ الأزهري، الدكتور حامد نصر أبو زيد، لم يغيِّر ديانته بل دافع عن الإسلام وكان أستاذاً لعلوم القرآن في جامعة القاهرة، فبمجرد أن تجرأ واجتهد في بعض التفاسير، حتى أصدر فقهاء الإسلام في مصر حكم الردة عليه وطالبوا بفصله من الجامعة التي كان يدرِّس فيها. ولما تم لهم ذلك، طالبو بفصله عن زوجته باعتبار زواجهما باطل لأنه مرتد!! وحتى هذا الفصل لم يكتفوا به، فتمادوا إلى أن طالبوا بفصل رأسه عن جسمه وذلك تنفيذاً لحكم الردة بحقه كما كانوا يعتقدون. راجع كتاب أبو زيد: (التفكير في زمن التكفير). فما كان من الرجل وزوجته إلا أن يفرا من وطنهما، مصر، ويقيما في هولندا كلاجئين، طلباً للسلامة والحرية والكرامة في بلاد "الكفار". أيها الإسلاميون، أخبروني بحق السماء، أين هو التسامح الذي تتشدقون به ليل نهار ؟
نعم، أعرف ما سيرد به عليَّ هؤلاء الإسلاميون، لا بد وأنهم سيقولون أن حرية العبادة والمعتقد مضمونة في الإسلام وسيستشهدون ببعض الآيات مثل (لا إكراه في الدين) وغيرها، ومقولة للخليفة عمر بن الخطاب (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) رغم أننا لسنا متأكدين، هل فعلاً قال عمر مثل هذا القول، أم قيل بعد قرون ونسب إليه، كما هي الحال في مئات الألوف من الأحاديث المزورة التي نسبت إلى الرسول محمد (ص) وتبيَّن فيما بعد أنها من صنع وعاظ السلاطين، قالوها لمرضاة السلطان الجائر وليس لمرضاة الله، وأنهم يفترون على الله ورسوله الكذب. وربما سيقولون "وما على الإسلام من جهل مسلم؟"، ولكن يجب أن نعرف أن الذين يصدرون الفتاوى بحق من يغير دينه هم الفقهاء بالدين وليسوا جهلة. وفي جميع الأحوال، أقول لهؤلاء، أن المهم ليس الأقوال، بل الأفعال. فنسمع كلاماً منمقاً جميلاً في تسامح الإسلام، وهناك آيات وأحاديث نبوية تؤكد حرية الإنسان في العبادة والإيمان، (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إن الله غني عن العالمين).. الخ، ولكن الواقع يختلف تماماً، وأقل تبرير يقدمونه هو أن آيات السيف نسخت آيات التسامح!!