"عـيدٌ بأيّ حالٍ عـُـدتَ يا عـيــدُ...؟!"
الـدكتور عـبـدالقـادر حسـين ياسين
23 اكتوبر 2006


"كل عـام وأنت بخير" عبـارة تـهـنـئـة يتبادلها الناس في مثل هـذا اليوم (عـيـد الـفـطر المبارك) في كل بلاد المسلمين ، من طـنجـة الى جـاكارتـا ... في كل بلاد المسلمين الا في فلسطين ... في بلادنا لا يقول الناس : "كل عـام وأنت بخير" ، أو "كل سنة وأنت طيب" ، أو "عســاكم من عــُوَّاده ، بل : "كل سنة وأنت سـالم"...

"كل سـنـة وأنت سـالم".... وكأن الكلمـة تشـي بواقـع الحـال الذي يـغـني عن السؤال : فالفلسطيني ان سلم من رصاص قناص صهيوني فـهو سـالم ...
وان تمكن من الهرب من بيـتـه قبل أن تـهـدمـه الجرافـات الاسرائيليـة فـهـو سـالم ...
وان أخـطـأته مروحيـات "الأباشي" فـهـو سـالم ...
وان نجـا بـجـلـده من اشتباك مسـلح بين "رفـاق السـلاح" في فتح وحماس من أجل الصراع على سـلطـة لا وجـود لهـا فـهـو سـالم ...

ومن بقي "سـالمـا" من الفلسطينيين في الوطن المحتـل سيتوضـا بمـاء سرقت اسرائيل أكثر من نصـفـه ، وعـنـدما يذهب الى المسـجد الأقصى لـصـلاة العـيـد (هـذا ، بالطبع ، اذا كان محظوظـا، واستجاب الله لـدعـائـه ، وسمح له الجنود الاسرائيليون بالوصول الى المسـجد!) سيردد مع حـادي المـأسـاة العربية ، أبوالطيب المتنبي ، وهـو في طريقـه الى الشـام ، بـعـد أن خـذلـه كافور الأخشيدي :

"عـيد بأيّ حال عـدت يا عـيد
بما مضى ، أم لأمر فيك تجـديد
أما الأحـبة فالبـيـداء دونهم ...
فيـالـيت دونك بيدٌ ... دونـها بـيدُ"

وسيردد "آمين" بـعـد امـام المسـجد ، حين يـدعو الله أن "يمـحـق " المحتلين ، و"يزلزل" الأرض تحت أقـدامهـم ، و "يزيل" الـغـمـَّـة ... و"يجـمع كلـمـة الأمـة" ، و"يحرر" الأقصى من رجس اليهـود...,... و...

لم يـعـد ثـمـة داع لزيارة البيوت لـ "التـهـنـئـة" بالعـيـد... فالكل يلتقي "هـنـاك"...
و"هـنـاك" لا بـد أن يكون لكل فلسطيني أب ، أو أم ، أو ابن ، أو ابنـة ، أو خـال ،أو خـالـة ، أو عـمّ ، أو عـمـّـة ، ، أو جـد ، أو حـفـيـد.... فالرصاص الاسرائيلي لم يـعـد يفرق بين مـقـاوم وقـائم للـصـلاة... أو بين حقيبـة تلميـذة في الصف الثالث الابـتـدائي وحقيبـة متفجرات...

"هـنـاك" في الـمقابر الفلسطينية عـيـد من نوع آخر...اعـتـاد عليه الفلسطينيون في الوطن المـحـتل : توزيع الكعـك بالتـمـر على أرواح الشـهـداء ، والقـهـوة السـادة بطعـم مرارة فـقـدانهـم ، ورائحـة "الهيل" تـذكر برائـحـة دمـهـم ، حيث أريق على مـقـعـد مـدرسـة ، أو رصيف شـارع ، أو تحت سقف كان يـعـج يومـا بالـحيـاة، وصـراخ الأطـفـال الشـهـداء ...

في مثل هـذا اليـوم لن يحتاج الفلسـطينيون الى "خروف العـيـد" كوجبـة دسـمة ، بـعـد ثلاثين يومـا من الصـيـام ، ذلك أنهم برسم الـذبح في عـالم عربي أدار لـهـم ظهره منـذ أربعين عـامـا ، وفي عـالم يـحـكـمـه راعي بقر أمريكي متغـطرس ...يزعـم أنـه يتلـقـى الوحي من الله...

زمـان...زمــان... كانت شوارع المـدن والقرى الفلسطينية ، و"زواريب" المخيمـات ، تمتلئ بحظـائر الخراف في يوم العـيـد... حظائر متحركـة لأيـام مـعـدودات. وفي صبيحـة يوم العـيـد تفوح رائـحـة اللحـم الذي ثـلثـاه للفقـراء ، وثـلثـه من أجـل أهـل البيت . قسـمة عـادلة... يأكل الجميع هـنيئـا مريئـا...

تتزاحم قطع اللحم في المرق ، وفـوق الأرز الأبيض أو الأصـفـر حبات الصنوبر تزيد الطعـام لـذة... وان لم يتوفر فحبات الفستق الأبيض المقشـور تفي بالغرض...ففي حضرة االحم البـلـدي (لم نكن نعرف آنـذاك ، اللحم "البلغـاري المـجـمـد ، ولا "لحوم الأضـاحي التي "يـتـصـدق" بها "المحسـنون" على البؤسـاء من أمثالــنـا!!) يصبح مـا عـداه هـامشـيا...

ثـلاثـة أيـام... وينتهي العـيـد... وتختفي الخراف، وقطع اللحم المجـانيـة ، ويـعـود الفقراء الى فقرهم ، والبؤسـاء الى بؤسـهـم ، ويعـود الثلث الى غـنـاهم .

أفـواه تواصل رحـلـة البحث عن اللحم في ثلاجات يابانية ضخمـة...
هـذا فـخـذ خاروف كان يركض يومـا في سهوب أوستراليـا أو مراعي الأرجنتين...
وهـذا صـدر كان يستنشق ذات يوم الهـواء العـليل في مروج بلغـاريـا...
وتلك قطعـة "ستيك" من بقرة هـنـدية كانت تروي عطشـها من مياه "الغـانج" المقـدس...

هـل يتـجـمـد الطعم ويختفي الـمـذاق في الرحلـة داخل الشـاحنـة ـ الثـلاجـة من الوطن الأم الى بطون الجائعين؟
وهـل تظل البروتينات محافظـة على خصـائصـهـا بعـد كل هـذا الصقيع؟

هـذه أسئلـة محرمـة على الثلثين الذين لا يـجـدون قوت يومهـم....

كنا لا نعرف طعـمـا للحم الا في الأعـيـاد... وكان من قبيل "الترف" أن نسـأل عن سنة صنع اللحم المـعـلب أو انتهـاء صـلاحيـتـه ...

في صبيحـة يوم العـيـد كانت والـدتي تبعث بي الى "أبي خليل" ، صاحب ملحـمـة "السـعـادة" (!!) في المخيم ، لكي أشتري أوقية لحمـة ، وكانت تصر أن أرجـوه وأتوسـل اليـه بأن "يتوصـَّى" ... وأن يعـطيني بعض "الســَقـَط" (بقايا اللحم الذي كان أبو خليل يلقي بـه الى الكلاب الضـالـة في المخيم)... وأن أبلغـه تحياتهـا...

وكانت النسـاء (ممن كن ينتظـرن دورهن لكي يـجـود عليهن أبو خليل ببعض "السـقـط") يـذكرن أبـا خليل بأن الله "سيبني لـه قـصـرا في الجـنـة" لانـه "يـعـطـف" على الأيتـام والأرامـل...

كانت تلك أسئلـة "جوهريـة" ... وغني عن البيان أنهـا بـدائيـة اذا ما قيست بتلك الأسئلـة التي يطرحهـا بعض المترفين عن كمية "الكوليسترول" في الغـرام الـواحـد... وعن الدقـائق اللازمـة للطبخ في "الميكروويف" أو على الفـحـم في حفلات "الباربكيو"...

زمـان ... زمـان... كان الفلسطينيون فئات اجتماعيـة وطبقيـة... أغنياء وفقراء...فلاحون وأهل مـدن... موظفون وعـمـال... أمـا اليوم فقـد اختفت كل الـحـدود الفـاصلـة بينهم ؛ فـهـم اما مشـاريع شـهـداء أو شـهود على مـذابح ترتكب باسـم مكافـحـة "الارهـاب"... وهم امـا ضحايا على مـوائـد الافـطـار أو أهـداف للـمـدافع الاسرائيلية...

منذ 39 عـامـا والعـيد ممنوع من الدخول إلى فلسطين ، ذلك ان المآسي اليومية التي يعيشها شعبنا الفلسطيني تحت الاحتلال ومنـذ 13 عـامـا في ظل "السلطة" العتيدة ، لم تترك معبراً للأعياد، ولو نحو الأطفال...

في الوطن المحـتـل ، حيث الصراع على "السلطة" التي لا تملك ولا تحكم ، وليس لها من الأمر إلا التسمية المفخمة بغير مضمون والتي لا تسمن ولا تغـني من جـوع، يلتهم الجوع العـيد ومعه السلطة وأهلها ، بينما ينقسم هؤلاء فريقين مسلحين وشرسين متنازعين حتى على الهواء في عملية عبثية يعجز عن ابتداعها العـدو الصهيوني ذاته.

لـقـد تحولت "السلطة" إلى مصدر للانقسام ومن ثم الفتنة، ويتناوب أهلها على تدمير قدسية قضيتنا التي كانت جامعة ، فتهاوت ومعها حلم "الدولة" فكيف بالاستقلال، خصوصاً والـعـدو ينهش الأرض على مدار الساعة... فإذا ما عاد المختلفون إلى وعـيهم، بأعجوبة من عـند الله، لن يجدوا أرضاً لسلطتهم المتهالكة والمفرغة من أي مضمون برغم كل التضحيات التي قـدمـهـا شعـبنـا على امتداد تسعين عاماً ...

وبـعـد 13 عـامـا على اقـامـة "السـلطة" الـعـتيـدة ، يجد الفلسطينيون أنفسـهم محاصرين بآلامـهم ، بهمومهم ، محاصرين حتى في لقمة العيش ... فالمـدارس والجامعـات الفلسطينية
مغلقة، و الموظفون بدون رواتب، و الحياة مشلولة، والفلتان الامني ، و الاقتتال الداخلي خبر عـادي في النشرة اليوميـة... وحكومة لاتعرف ماذا تفعـل، و "رئيس" يتخـبط...

كل سـنـة وأنت سـالم... فان سـلم الفلسطيني هـذه السـنـة ، فـانـه لا يضمن أن يسـلم من بطش العـدو الصهيوني في السنة المقبـلـة... عـدو أثبت ـ لكل من يعنيـه الأمر ـ أن السـلام لا يعنيـه على الاطـلاق... وأن الـعـدل ن بالنسبة لـه ، لا يعني سوى موت الآخر...

وكل سـنة وأنتم سـالمون...!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السـويد .