كما تكونوا يولى عليكم...!
د. عبدالخالق حسين
"العراق... يا له من بركان ناكر للجميل"- ونستون تشرتشل
21 اكتوبر 2006


"كما تكونوا يولى عليكم"، حكمة قالها أرسطو قبل أكثر من 2300 سنة ومازالت صحيحة تنطبق على الحالة العراقية. فالحكام هم افرازات شعوبهم، وما يجري في العراق من دمار هو نتاج العقلية السائدة على الشعب العراقي وثقافته الموروثة المبرمجة على تدمير الذات. فصدام حسين ومقتدى الصدر والحكيم والضاري والصرخي والمشهداني وغيرهم لم ينزلوا علينا من السماء، بل هم من صميم هذا الشعب وقد اختارتهم الجماهير بملء إرادتها، وكل منهم يتمتع بقاعدة شعبية عريضة. بينما عقلاء القوم من العلمانيين الديمقراطيين هم القلة لا حول لهم ولا قوة. لقد أثبتت حمامات الدم في العراق إن هذا الشعب مصاب بالإدمان على العبودية والقهر ولن يستطيع العيش بدون جلاد. فإن لم يوجد جلاد على رأس الحكم ليذيبهم في أحواض الأسيد ويقطع الرؤوس ويرفعها على أعمدة أمام بيوتهم، فهم أنفسهم يقومون بقتل بعضهم بعضاً وتحت مختلف المعاذير والواجهات ويضربون اليد التي امتدت لإنقاذهم من الجلاد.

في زمن التحولات التاريخية السريعة العاصفة تحصل بلبلة فكرية واختلاط وتشويش في المفاهيم. فالناس اعتادوا على النظرة السلبية للاحتلال، لأن المعروف في التاريخ أن الهدف منه هو استعمار البلد المحتَلْ ونهب خيراته واستعباد شعبه. ولكن لكل قاعدة استثناء، إذ هناك حالات عديدة في التاريخ كان الاحتلال إنقاذاً لشعب البلد المحتل، مثال ما حصل لألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، وشعوب البلقان والكويت في التسعينات من القرن الماضي، والعراق اليوم. وعدم التمييز بين احتلال استعماري واحتلال تحرير، كمثل الذي لا يميِّز بين الجزار والجراح، لأن كلاهما يحدثان جروحاً، ولكن شتان ما بين جرح وجرح. فجرح يعمله مجرم بقصد إيذاء الخصم أو قتله يختلف عن جرح يحدثه جراح لاستئصال سرطان خبيث من أجل إنقاذ حياة المريض. ولكن العقل العراقي والعربي لا يعرف التمييز بين هذا وذاك، فكله عند العرب صابون! كما يقول المثل.

نسي هؤلاء أن أبشع احتلال عانى منه الشعب العراقي هو احتلال عصابات البعث المافيوية للعراق عندما اغتصبوا السلطة فيه للمرة الثانية في انقلابهم العسكري عام 1968، والذي سموه بالانقلاب الأبيض، ليتحول تدريجياً إلى سيول من الدماء لن تتوقف، حيث تسلطوا على رقاب الناس وعاملوهم كالأغنام يسوقونهم إلى ساحات الحروب، وبددوا ثرواتهم الهائلة في عسكرة المجتمع وشن الحروب على دول الجوار، وشردوا نحو خمسة ملايين من الشعب. وهذا الرقم يفوق تعداد نفوس دول الخليج مجتمعة باستثناء السعودية. ومن نافلة القول أن النظام البعثي اتبع أبشع وسائل القمع ضد المعارضة الوطنية وشل قدرات الشعب بحيث صار تغيير الوضع بواسطة الشعب نفسه من الأمور المستحيلة. وفي عصر العولمة وتشابك مصالح الشعوب وتداخلها لا يمكن للمجتمع الدولي أن يبقى متفرجاً على إبادة شعب.

ولن أنسى يوم قامت الجالية العراقية في بريطانيا بمسيرة في لندن احتجاجاً على اغتيال الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر مع ولديه، عام 1999 على أيدي الإستخبارات البعثية في النجف. وفي نهاية المسيرة اجتمع المتظاهرون أمام السفارة العراقية وألقيت كلمات التنديد بالنظام الفاشي، ولكن في نفس الوقت كان الخطباء يخاطبون الضمير العالمي وينددون بالمجتمع الدولي وبالأخص أمريكا في عدم الإيفاء بوعودها في نصرة الشعب العراقي، ويناشدونها بالتدخل السريع لإنقاذ الشعب العراقي من الوحش البعثي. وماذا بإمكان أمريكا أن تعمله لوقف هذا الغول البعثي من إبادة الشعب العراقي غير شن الحرب عليه وإسقاطه وتوفير الفرصة للشعب العراقي ليقرر مصيره بنفسه ويبني نظامه الديمقراطي كما يريد؟ وهذا الذي حصل.

لكن ويا للمفارقة، لما تدخلت أمريكا مع حلفائها وأسقطت نظام القتلة في العراق، كان أول من رفع السلاح بوجهها هو مقتدى الصدر، ابن السيد محمد محمد صادق الصدر. فهل هذا هو العرفان بالجميل؟ لقد دشن مقتدى الصدر الذي كان صامتاً طيلة حكم البعث الذي أباد عائلته وشرد من نجى منهم، دشن تحرير العراق بجريمة قتل السيد عبدالمجيد الخوئي ومرافقين له وسحل جثثهم في صحن ضريح الإمام علي (ع) في النجف بمنتهى الوحشية. ثم قام مقتدى وبدعم من النظام الإيراني بتأسيس ما يسمى بـ"جيش المهدي" من بقايا البعثيين الشيعة ليساهموا مع رفاقهم الآخرين من فلول البعث بالقيام بما يسمى بـ"المقاومة الشريفة" وزعزعة الأمن وعرقلة إعادة بناء العراق الديمقراطي. إنه بحق، نكران الجميل بأوضح معانيه وأجلى صوره.

إن نكران الجميل هذا في العراق ليس غريباً ولا طارئاً على العراقيين وخاصة الشيعة منهم، فله جذوره التاريخية. لقد واجه البريطانيون مقاومة عنيفة من العراقيين عندما قاموا بتحريرهم في الحرب العالمية الأولى من الاستعمار العثماني المتخلف. فالمعروف عن الحكم العثماني أنه كان طائفياً ولا يعترف بالشيعة ويعاملهم كمنحرفين عن الإسلام وقاتلهم يدخل الجنة. إذ يحدثنا التاريخ أن السلطان سليم قام بمجزرة رهيبة وبدعم من الفقهاء من وعاظ السلاطين ضد الشيعة في جميع أنحاء الإمبراطورية وقتل نحو أربعين ألفاً منهم في وقت واحد لمرضاة الله تعالى!! وكان ظلم الحكم العثماني على الشيعة مضاعفاً ويعاملهم بمنتهى الاحتقار.
ولما وقعت الحرب العالمية الأولى ودخلت الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا، أصدر شيخ الإسلام في استنبول فتوى دعا فيها المسلمين إلى الجهاد ضد الكفار واعتباره "فرض عين على كل مسلم". وفي العراق أهمل عقلاء أهل السنة هذه الفتوى إذ اتصفوا بالحكمة وعرفوا أن من مصلحتهم الخروج من السفينة التركية المشرفة على الغرق والقفز إلى سفينة الإنكليز الناجية، وكان موقفهم حكيماً ولصالح أبناء طائفتهم والعراق. ولذلك أطلقوا على الإنكليز في العراق ب (أبو ناجي) منذ ذلك الوقت. أما رجال الدين الشيعة فهم وحدهم الذين استجابوا لفتوى شيخ الإسلام التركي وأصدروا الفتاوى دعوا فيها أتباعهم من أبناء العشائر ورؤسائها إلى الجهاد ضد الإنكليز "الكفار". فأعلنوا حرب الجهاد وقدموا أبناءهم حطباً لهذه الحرب غير المتكافئة، والمحسومة نتائجها مسبقاً. وكان لدى علماء الشيعة، مثل زملائهم السنة، سند فقهي واضح يسمح لقعودهم عن الجهاد، وهو: (إن الحاكم الكافر العادل أفضل من الحاكم المسلم الجائر). ولكن مع ذلك قرروا الوقوف إلى جانب الحاكم المسلم التركي الجائر الخاسر، فدفعوا الثمن فيما بعد. وكان هذا نكراناً للجميل.

ولم يتوقف قادة الشيعة الدينيين عند هذا الحد، فبعد انتصار الإنكليز في تحرير العراق، أصدروا الفتاوى ودفعوا أبناء العشائر للقيام بثورة العشرين ضد الإنكليز وطالبوهم بمغادرة العراق، الأمر الذي تسبب في عزلتهم السياسية ومعاملتهم كما كانوا في العهد العثماني، إلى مواطنين من الدرجة العاشرة، حيث وصمهم الحكام الجدد بالـ"عجمة" و"الفرس" و"الشيعة الصفوية" والرتل الخامس.. إلى آخره من الصفات. ولو خرج الإنكليز من العراق آنذاك لعادت السيطرة التركية عليه. ولم يكتف قادة الشيعة بهذا فحسب، بل راحوا يعارضون الإنكليز في كل شيء حتى فيما يفيدهم. ولذلك قرر الإنكليز بناء الدولة العراقية عام 1921 على نهج ما وروثه من العهد العثماني، أي على أساس طائفي وحرمان قطاع واسع من الشعب العراقي من حقوقهم السياسية. ولكن السبب الأساسي في هذا الإجحاف بحق الشيعة هو موقف رجال الدين الشيعة أنفسهم من الوضع الجديد، فهم دائماً يقودون أبناء طائفتهم ضد مصالحهم.

وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة التي كانت نتيجة مباشرة لثورة العشرين، وهذه نقطة في صالح الثورة يجب أن تذكر، إلا إن القيادات الدينية الشيعية وقفت ضد الدولة الوليدة، وعارضت أغلب الإجراءات اللازمة لبناء الركائز الأساسية لها، وذلك بإتخاذهم مواقف متشددة ضد السلطة وإصرارهم على شروط غير قابلة للتحقيق في تلك الفترة، فوقفوا ضد المعاهدة البريطانية-العراقية التي ما كان بالإمكان الإستغناء عنها في تلك الظروف، وضد الإنتخابات لتشكيل المجلس التأسيسي، وضد التصويت على الدستور، وضد قانون التجنيد الإجباري، وضد التعيين في الوظائف الحكومية، وحتى ضد إدخال أبناء وبنات الشيعة في المدارس الحكومية. وفي كل هذه المناسبات كانوا يصدرون الفتاوى يدعون الناس إلى مقاطعة أوامر وتعليمات السلطة وإلا تحرَّم عليهم زوجاتهم!! وبذلك ساهموا على عزل الشيعة عن الدولة الحديثة، مما دفع رجال الدولة والمتحمسين للطائفية على تبني التمييز الطائفي ضدهم.
وتكرر نكران الجميل من رجال الدين الشيعة بعد ثورة 14 تموز 1958 عندما قامت حكومة وطنية بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم الذي حاول ولأول مرة في تاريخ العراق، الخروج على المألوف التركي في التمييز الطائفي والعرقي، والتعامل مع جميع مكونات الشعب العراقي بالتساوي. واتخذ قاسم خطوات عملية بناءة للقضاء على التمييز الطائفي. ولو بقي هذا النظام بضع سنوات أخرى، لكانت الطائفية في خبر كان. ولكن مرة أخرى وعلى الضد من مصالح ومواقف أبناء طائفتهم، وقف رجال الدين الشيعة ضد هذه الحكومة غير المتطيِّفة إلى جانب خصومها، إلى أن نجحت مساعيهم في القضاء عليها في انقلاب 8 شباط 1963 الدموي، وكان أبناء الطائفة الشيعية هم أكثر الخاسرين. وكما يقول الأستاذ حسن العلوي في كتابه (الشيعة والدولة القومية في العراق): "وباغتيالهم حكومة عبد الكريم قاسم فقد انتهت عملية التخلص من الطائفية، وحرمان العراقيين من نظام سياسي غير متعصب، لم يلتزم بتعميم تمذهب الدولة وكان بعض علماء الإسلام، والبعثيين، والضباط والوزراء الشيعة الذين اشتركوا في إسقاط عبد الكريم قاسم من ضحايا هذه السياسة."
وهكذا نرى رجال الدين الشيعة دافعوا عن الحكم التركي المعادي لهم ووقفوا ضد مشروع الملك فيصل الأول الذي حاول التقرب إليهم ومشاركتهم في السلطة، وساهموا في إسقاط حكم عبدالكريم قاسم المتعاطف معهم. فهل تعلم هؤلاء درساً من تاريخهم المليء بالدماء والدموع والأخطاء، أم ما زالوا يصرون على نهجهم الخاطئ ليقودوا أبناء طائفتهم من كارثة إلى أخرى؟

يبدو أن الشيعة مصرون على السير قدماً ضد مصالحهم، كما هو واضح من تصرفاتهم اليوم في عراق بعد صدام. لقد ملأ صدام حسين أرض العراق بالمقابر الجماعية، ولم يكن بمقدور الشعب تحرير نفسه من النظام الجائر كما هو معرف لدى الجميع. فطالبت المعارضة العراقية آنذاك، ومعظمهم من الشيعة، المجتمع الدولي لدعم نضال الشعب العراقي في الخلاص من الفاشية، فسخر الله لهم أمريكا القوة العظمى، فكان ما كان من حرب على النظام الجائر وإسقاطه. ولكن مرة أخرى، وبدلاً من العرفان بالجميل، تنكر هؤلاء لفضل محرريهم، وكان رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر أول المتمردين على الأمريكان مطالباً بمغادرتهم العراق. فبدلاً من أن يساهم هذا الرجل مع غيره في استقرار الوضع وبناء الدولة العراقية الجديدة، قام يضرب اليد التي امتدت لمساعدة العراقيين، وأسس المليشيات بدعم إيراني صريح، لرد "الجميل" إلى القوى التي انتقمت من قتلة أبيه وأخويه وعمه.

أما موقف السيد عبدالعزيز الحكيم، رئيس مجلس الإسلامي الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ورئيس الكتلة الشيعية في البرلمان، فهو الآخر لا يقل نكراناً للجميل للذين حرروه وخلصوه من نظام قتل نحو 64 فرداً من أسرته. فهاهو يطالب بشمول كل من قاتل الأميركيين وقام بعمليات مسلحة ضدهم في العراق بالعفو الذي عرضه رئيس الوزراء نوري المالكي في إطار مبادرته للمصالحة الوطنية. (الشرق الأوسط، 4 يوليو 2006). ينكر الحكيم أن لولا أمريكا لكان هو وتنظيمه السياسي مازالوا لاجئين في إيران ومشتتين في المنافي.
كما وتفيد الأنباء، [ أن جماعة شيعية لم تكن معروفة من قبل في شريط فيديو بثته محطة تلفزيون لبنانية يوم الأحد أنها تقف وراء هجمات وقعت مؤخرا ضد القوات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق... وقالت الجماعة التي تطلق على نفسها اسم المقاومة الاسلامية في العراق في بيان مصاحب لشريط الفيديو ان هجماتها تهدف "لتحرير العراق من الاحتلال الاجنبي". وأضافت ان الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاءهما "احتلوا أرضنا ونهبوا ثرواتنا وسفكوا دماءنا". ولم تقل قناة تلفزيون (نيو.تي.في.) المملوكة ملكية خاصة كيف حصلت على الشريط الذي تظهر فيه هجمات ضد القوات الأمريكية مع أغنية تشيد بشجاعة الشيعة.]. بيروت (رويترز) 2/7/2006).
وقد استلمت رسالة من مواطن عراقي في البصرة، يقول فيها بعد أن يعدد جرائم جيش المهدي هناك: (الحقيقة الأخرى هي جريمة أخرى وأفضع قام بها أتباع مقتدى في البصرة تحديداً وهم معروفون لدى الشارع العراقي بالصوت والصورة والاسم الرباعي واللقب ووو.... فقد قاموا بحرق مساجد أخوتنا من أهل السنة وبعدد أكثر من أربعين مسجداً وجامع وخلال أقل من ساعة بعد جريمة تفجير مرقدي الإمامين العسكريين وأعتقد أن الهدف واضح والتكتيك أوضح والعمالة جليـّة ليس فيها لبس أو غموض. والأدهى من ذلك فان توجيهات السيد القائد المبجل وزعيم المقتدائيين يأتي ليبلغ جيشه العرمرم في بيـــان يطلب منهم نزع الملابس السوداء، والسبب كما يقول المثل ( العذر أقبح من الفعل) فأنه يدعى ان إرهابين قد أنتحلوا شخصيات جيش المهدي وحرقوا المساجد لكي يشعلوا ( الفتنة) !!!!
وقام هذا "الجيش" بنشر الرعب والقلاقل والفوضى العارمة في المدن العراقية، مثل النجف وكربلاء والديوانية والسماوة ومدينة الثورة في بغداد، وأخيراً، محاولتهم الفاشلة في السيطرة على مدينة العمارة خلال يومي 19/20 من تشرين الأول الجاري. فهذا "المقتدى" يشن حرباً على الحكومة وهو مشارك بخمسة وزراء فيها وأكثر من ثلاثين نائباً في البرلمان، فلصالح من يرتكب هذه الجرائم بحق الشعب العراقي؟ لا شك أنه مسير من قبل أسياده في إيران، وهذا دليل آخر على ثقافة نكران الجميل.
أما أبناء الطائفة السنية، فليسوا أقل خطأً من الشيعة، إذ كان صدام قد استغلهم أشد الاستغلال لدعم نظامه الجائر فارتكب الجرائم باسمهم، بل قتل منهم جمعاً كبيراً، ولكن بدلاً من أن يرحبوا بالوضع الجديد ويساهموا بالعملية السياسية الجارية كما عمل أجدادهم مع الإنكليز في بداية القرن الماضي، عملوا العكس وساهموا في هدم المعبد عليهم وعلى الشعب العراقي، والآن يقودون العراق إلى الدمار الشامل.
إنها اللعنة التي لازمت العراقيين، دائماً يقفون ضد مصالحهم. لقد دمر البعث اخلاقية هذا الشعب وأوصله إلى الحضيض، بحيث صار بإمكان أي معتوه مثل مقتدى الصدر ودجال مثل الصخري وحاقد مثل حارث الضاري ومن لف لفهم، أن يقود الملايين منهم إلى الهاوية. أجل، هناك تحالف غير مقدس بين قادة الشر. فكما يقول (شلش العراقي في موقع كتابات) بهذا الخصوص: "لا يتلفظ مقتدى الصدر باسم حارث الضاري، إلا ويسبقه بعبارة الشيخ المجاهد، ولا يأتي اسم مقتدى الصدر، على لسان حارث الضاري، إلا ويسبقه بعبارة سماحة السيد القائد. وأسباب هذه العلاقة الوطيدة والاحترام المتبادل بين هذين الرجلين ليست بسبب من ترفعهما على الخلافات الطائفية، ومشاعرهما الوطنية الصادقة، وعدائهما المشترك للاحتلال البغيض، بل هي على العكس من هذا تماما، فحارث الضاري ومقتدى الصدر مسئولين عن التهجير المتبادل على جانبي الوطن".
إن وضع الشعب العراقي وتفويته الفرص على نفسه يذكرني بحكاية شعبية مفادها أن غريقاً في البحر دعا الله تعلى أن ينجيه. فوصلته سفينة وألقى البحار له حبل النجاة، فرفض مدعياً أنه يريد النجاة من الله وليس من بني آدم. فتركته السفينة، ودعا الله ثانية، وجاءته سفينة ثانية ليرفضها وثالثة ورفضها.. وأخيرا بلغ به الإعياء واقترب من الهلاك، فعاتب الله لماذا لم ينقذه، فأجابه الله في كل مرة دعاه بعث له سفينة فرفضها، فما عساه أن يفعل مع هكذا معاند؟ وهكذا هلك بسبب عناده وجهله. هذا هو حال الشعب العراقي، مرت عليه فرص ذهبية منذ تحريره من الحكم العثماني إلى الآن، ورفضها جميعاً، وهاهو مشرف على الهلاك.
إن هؤلاء ناكري الجميل يضربون اليد التي أنقذتهم من نظام المقابر الجماعية، ويشنون حرباً على القوات التي حررتهم وعملت على إقامة نظام ديمقراطي حضاري وإدخال البلاد في عصر النهضة والحداثة والحضارة المعاصرة. إنهم ولجهلهم، ينفذون مخططات إيران وسوريا وفلول البعث ومنظمة القاعدة الإرهابية لتدمير العراق. وهذا دليل على إن الذين أدمنوا على نظام القهر والعهر والسفالة لا يستسيغون العيش بالكرامة والحرية. ولو نجحت مساعيهم في إجبار القوات متعددة الجنسيات على الانسحاب من العراق قبل استقرار الوضع فيه، فإن الشيعة أول من سيدفعون الثمن باهظاً وسيتحول العراق إلى أكبر مقبرة جماعية في العالم، وسوف تسوى ضرائحهم مع الأرض على أيدي الوهابيين من القاعدة، وسيتأكد للعالم أن هذه المجازر وتفجير ضريح الإمامين في سامراء ما هي إلا البداية ولعب أطفال وتمارين إحماء فقط، ومقدمات لما هو أشد وأفظع، وعندها لا تفيدهم إيران ولا سوريا ولا يفيدهم الندم، لأن ليس هناك وقت ليشعروا فيه بالندم، لأنهم سيكونون تحت التراب، أو رماد الحرائق التي يعملون على إشعالها. إنهم يسعون لتحقيق ما وعد به الجلاد صدام حسين قبل سنوات من "أن الذي يحكم العراق من بعده سيستلمه أرضاً بلا شعب".