الخراب البشري في العراق (4)
 محمود المشهداني نموذجاً
د.عبدالخالق حسين
10 اكتوبر 2006


نشرتُ هذا العام ثلاث حلقات من دراسة بعنوان (الخراب البشري في العراق (افترضت فيها أن ما يحصل بالعراق الآن هو نتيجة التركة الثقيلة التي ابتلى بها الشعب العراقي من النظام الشمولي القومي خلال أربعين عاماً من حكمه الجائر، ابتداءً من انقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود إلى يوم سقوطه في 9 نيسان 2003 الأغر، بجناحيه القومي العروبي والبعثي الفاشي. لقد تعرض الشعب خلال هذه الفترة إلى أبشع أنواع الحكم الدكتاتوري الشمولي وإلى أشد أنواع الظلم والقهر والإذلال والاستلاب، إضافة إلى ما عاناه من الحروب العبثية الداخلية والخارجية، والعوز والتجويع بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليه الأمم المتحدة بعد غزو النظام البعثي للكويت. فقد حكم البعث وخاصة خلال حكم صدام حسين، الشعب بالقبضة الحديدية وفرض عليه سياسة العزلة التامة عن العالم، وتأليه الدكتاتور وعملية غسيل الدماغ وتفتيت النسيج الاجتماعي والتجهيل المتعمد وإحياء القبلية وتقاليدها المتخلفة وتأجيج النزعات الطائفية تحت شعار "الحملة الإيمانية". ونتيجة لكل ذلك حصل انهيار حضاري وفكري وثقافي وأخلاقي، وحل الولاء القبلي والطائفي بدلاً من الولاء للوطن، وتفشت الجريمة المنظمة...إلى آخره من خراب ودمار، ظهرت نتائجه بعد سقوط النظام على شكل قتل ونهب وتخريب للوطن.

المشهداني نموذجاً للخراب البشري
هذه الأعمال التدميرية لم تحصل بدون خراب الإنسان العراقي نفسه. لذلك أود في هذه الحلقة أن أقدم شخصية نموذجية كمثال واضح لهذا الخراب البشري والنموذج المبالغ به في ضعف شخصية السياسي العراقي وعدم قدرته على أداء المهمة المنوطة به، ولم أجد أفضل من رئيس البرلمان العراقي الدكتور محمود المشهداني. فالخراب لم يشمل فقط أولئك الفقراء الذين انطلقوا في ارتكاب جرائم النهب (الفرهود) وتدمير ممتلكات الدولة في الأيام الأولى من سقوط البعث، بل شمل جميع المستويات، من قعر المجتمع إلى أعلى مستويات السلطة الحاكمة. وهذا لا يعني عدم وجود سياسيين مخلصين وكفوئين، ولكن في ظل الفساد المستشري والفوضى العارمة يكون دور المخلصين ضعيفاً.
بدءً أود التأكيد على أن القصد من تحليل شخصية الدكتور المشهداني ليس توجيه إهانة له معاذ الله، بل لأنه يمثل الشخصية النموذجية الواضحة لهذا الخراب، وذلك لما تعرض إليه الإنسان العراقي من مسخ لشخصيته خلال حكم البعث الفاشستي المقيت. فقد صار المشهداني وجهاً معروفاً للجميع بحكم منصبه كرئيس للبرلمان، تسلطت عليه أضواء الإعلام في زمن التلفزة الفضائية الممتدة على مدار الساعة. فهو بحق شخصية كاريكاتيرية بكل امتياز ووضوح، سواءً بتعليقاته المقيتة أو نكاته السمجة أو تلفظه بكلمات سوقية مخجلة لا تصدر إلا من أولاد الشوارع، أو مواقفه الرجعية المعادية والمهينة للمرأة أو سلوكه الفظ في التعامل مع أعضاء البرلمان بكل صلافة وجلافة وحماقة إثناء إدارته للجلسات، أو من خلال تصريحاته المتناقضة والغريبة خارج البرلمان والتي تصب بمجملها في صالح أعداء العراق. فقد نال هذا الرجل اهتماماً كبيراً من قبل المعلقين السياسيين، فكتبوا عنه عشرات المقالات، معظمها سلبية، لم ينافسه في هذا الاهتمام سوى مقتدى الصدر الذي هو الآخر صار ظاهرة غريبة تستحق الدراسة، وقد نشرت عنه مقالة بعنوان (ظاهرة مقتدى الصدر مرة أخرى ) قبل أكثر من عام. لذلك فالمشهداني يعتبر بحق، النموذج الواضح للسياسي العراقي الفاشل في عراق ما بعد صدام يستحق الدراسة (case study).
نشر فردريك انجلس، في القرن التاسع عشر، كراساً شرح فيه دور العمل في تحويل القرد إلى إنسان حسب نظرية أصل الأنواع لتشارلس داروين. أعتقد لو عاش انجلس في عصرنا هذا وعرف العراق وما جرى له من عسف واضطهاد خلال حكم البعث، لألف كراساً آخر شرح فيه دور الآيديولوجية البعثية الشمولية وحكم البعث الجائر في مسخ الإنسان إلى قرد. طبعاً التطور البايولوجي بطيء يستغرق ملايين السنين، ولكن التغيير الاجتماعي وخاصة تغيير الاخلاق والسلوك إلى الوراء أو إلى الأمام، يمكن أن يتم خلال جيل واحد ويعتمد على الظروف. فتحت ظروف لا إنسانية قاهرة كتلك التي أوجدها البعث الغاشم في العراق وتعرض الشعب إلى عملية غسيل دماغ وتجهيل متعمد، تمت إعادة المجتمع إلى الوراء وإلى سلوك القردة. فالإنسان ابن بيئته كما يؤكد علماء النفس والاجتماع.

خلفية المشهداني
لم نسمع عن المشهداني قبل اختياره لرئاسة البرلمان العراقي. فكمعظم العراقيين في عهد البعث، كان الرجل مغموراً ومقموعاً لم يعرفه إلا القلة في محيطه. لذا فإني اعتمدت في التعرف على خلفيته على ما كتب عنه الأستاذ عبد الستار نورعلي، وهو كما يبدو من مقالته، يعرفه عن قرب قبل سقوط البعث، فيقدمه لنا كطبيب أسنان يدير عيادة في حي شعبي في بغداد، حي(الحرية) فيقول عنه أنه: "رجل مؤمن متدين صادق الأيمان والتدين, نظيف الطوية, سليم القلب، طاهر اليد، يحب الناس. وللعلم كان لا يأخذ من الفقراء أجرة العيادة، بل يمنحهم أيضاً من عيادته الدواء مجاناً، وهو المطرود من وظيفته في الجيش والمصادرة أمواله، لا يملك شروى نقير حينها..." ويضيف الكاتب: " لم نشعر يوماً بأن الرجل في داخله تعصب أو رفض للآخر، فما كان يمنحنا من دفء عاطفته وحبه ورعايته وعلاقته وسلوكه الإنساني أدخل في نفوسنا الإطمئنان إليه والثقة به وحبه واحترامه. " (عبدالستار نور علي، موقع الجمعية الوطنية العراقية في 23 نيسان 2006).

إذنْ كيف تحول هذا الإنسان المتدين المسالم المحب للفقراء إلى ما هو عليه الآن من فظاظة وصفاقة وطائفية وعنصرية ورعونة في التعامل مع الآخرين؟ الجواب ذكرته في مقالي السابق الموسوم: (هل هي بداية حكم ولاية الفقيه في العراق؟ )، فاستشهدت بمقولة فولتير: " لتعرف إنساناً على حقيقته امنحه السلطة". وقلت أن الأقدار وضعت المشهداني على المحك، فمنحته المنصب الخطير، وكشفته على حقيقته.

نماذج من تصريحات الشمهداني
ففي ندوة نظمتها مجلة البيان (ندوات البيان) حول الانتخابات العراقية في العام الماضي شارك فيها الدكتور محمود المشهداني، وقُدَّمه مدير الندوة ب(فضيلة الشيخ الدكتور محمود المشهداني: عضو الهيئة العليا للدعوة والإرشاد والفتوى) إضافة إلى مشاركة شخصين آخرين في الندوة وهما الشيخ أحمد البغدادي ومثنى حارث الضاري. وكان السؤال الأول: " ... كيف تقوِّمون الانتخابات والنتائج التي تمخضت عنها؟" أجاب الشيخ الدكتور المشهداني بمداخلة طويلة قال فيها أن الانتخابات حصلت بإصرار من أمريكا لشرعنة الاحتلال ولكن انقلب السحر على الساحر؛ حيث جاءت نتائجها مخيبة لآمال الذين راهنوا عليها....الخ. وقسم نتائجها إلى قسمين: سلبيات وإيجابيات. وعدد 10 سلبيات، منها حسب نظره: شرعنة الاحتلال، تهميش السنَّة العرب، الجاهلية السياسية لدى معظم المنتخبين، زيادة رصيد المشروع الإيراني في العراق، إعطاء الغطاء الشرعي لذبح المقاومة العراقية البطلة (كذا)، دفع مشروع (إسرائيل الكبرى) خطوة إلى الأمام. أما النتائج الإيجابية في رأيه: اصطفاف ستة ملايين ناخب من أصل أربعة عشر مليوناً وراء المقاومة العراقية.(إذ اعتبر كل عراقي تخلف عن الإدلاء بصوته ومهما كانت الأسباب هو مؤيد "للمقاومة")، زيادة اهتمام قيادات المقاومة العراقية المسلحة لبلورة مشروعها السياسي البديل، وفضح التواطؤ السياسي بين الفرس وأمريكا في احتلال العراق.
ومن هذه التصريحات نفهم أن الدكتور المشهداني متعاطف مع "المقاومة المسلحة" ويطالب جميع أهل السنة بالوقوف وراءها، ويصف شيعة العراق بالفرس بقوله: " فضح التواطؤ السياسي بين الفرس وأمريكا في احتلال العراق"، فبالتأكيد لا يعني إيران بهذا القول، لأن موقف إيران من أمريكا "الشيطان اكبر" معروف كما في دعمها "للمقاومة الشريفة". كذلك أكد في تلك الندوة على "إلغاء قانون إجتثاث البعث وكل ما يترتب عليه...". فكيف تحول هذا لإنسان المسالم المتدين إلى طائفي عنصري متعاطف مع الإرهابيين ويسميهم بـ "المقاومة البطلة"؟ والأكثر غرابة، كيف صار رئيساً للبرلمان؟
كما ويبدو أن الرجل متعطش للأضواء وحب الظهور، فلم يترك مناسبة إلا واستغلها وراح يطلق التصريحات المضحكة التي أوقعته في مشاكل. فهو من أولئك الذين يتكلمون قبل أن يفكروا. ففي ندوة مجلة البيان تهجم على إيران، ولكنه عاد في مناسبة أخرى وقال لراديو سوا أن "إن العراق حريص على استعادة وتطوير علاقاته مع ايران" . والمعروف أن إيران وسوريا اللتان تربطهما علاقة استراتيجية متينة لإفشال التجربة الديمقراطية في العراق نكاية بأمريكا. إذ يقول المشهداني بعلاقة هذين البلدين بالعراق: إن سورية تريد أن تكون جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة في العراق، مشيراً الى أن هذا البلد (العراق) لا يطير إلا بجناحين: سورية القومية وإيران الإسلامية. أما موقفه من أمريكا فأيضاً يعتمد على المزاج المتقلب كتقلبات الجو. فتارة يتهم القوات الأمريكية بـ الوقوف وراء بعض العمليات الإرهابية في بلاده. ووصف العراق في الوقت الراهن بـ أميركستان. ثم يعود ويعبر لراديو (سوا) الأمريكية عن تقييمه للدور الاميركي في العراق وأن "العراق عازم على المضي قدما في تجربته الديمقراطية وإنجاحها". وعن الاتهامات لسورية وايران بالتدخل في شؤون العراق، قال المشهداني مستهجناً: إن دولتين مثل سورية وإيران تناصبهما اميركا العداء وتزرع نفسها بينهما ثم يقفان متفرجين! هذا ليس من الواقعية بشيء، فإن كان هناك تدخل فهو لحماية أمنهما القومي. نحن لا ننكر ذلك، فالأمن القومي السوري والإيراني مهدد بالوجود الأميركي وهو يتعكز على الورقة الأمنية. (صحيفة الحياة اللندنية، 07/08/2006). وهكذا لا تعرف أين يقف هذا الإنسان، فتارة يشتم أمريكا وأخرى يقيمها، ومرة يتهم إيران بالسيطرة على العراق، ليعود ثانية ويصفها بالجناح الذي لا يستغني عنه العراق، هل هو مع الديمقراطية في العراق أم مع "المقاومة البطلة" ولله في خلقه شؤون.

العلاج
يبدو أن الرجل، كغيره من معظم السياسيين العراقيين في هذه المرحلة العصيبة، يعاني من أزمة نفسية حادة يحتاج إلى علاج نفسي psychotherapy أكثر مما يحتاج إلى تقريع ونقد. فالبعث لم يسمح للعراقيين بممارسة السياسة وإدارة الحكم بشكل طبيعي. والمشهداني عانى من هزة نفسية عنيفة، انتقل خلالها من إنسان مغمور مقموع خانع ذليل، يعمل كطبيب أسنان في حي شعبي، يجد السلوى في تردده على الدراويش والتكيات، وفجأة وجد نفسه في قمة المناصب في إدارة الدولة العراقية وهي تمر في أخطر مرحلة من مراحل التحولات التاريخية العاصفة. فهكذا شخص لم يكن مهيئاً، لا نظرياً ولا عملياً ولا نفسياً لتحمل هكذا مسؤولية، لذلك لا يعرف كيف يتصرف، فراح يطلق الكلام على عواهنه دون تفكير، مما أثار على نفسه وعلى المؤسسة التشريعية السخط والسخرية والتهكم من جميع الجهات. فبعد سقوط البعث وانطلاق الحرية أتيحت الفرصة للرجل في العمل السياسي، ورغم تعرضه لظلم البعث الجائر، إلا إنه اختار بملء إرادته أن ينحاز إلى أعداء العراق الديمقراطي الذين يسميهم بـ"المقاومة البطلة". فلم يعرف حدود مسؤولياته كرئيس برلمان، مهمته تنظيم جدول أعمال المجلس وإدارة الجلسات بمنتهى الحيادية. إلا إنه يتصرف كما لو كان رئيساً للوزراء، مسؤولاً عن كل صغيرة وكبيرة في الدولة العراقية، يتنقل من عاصمة إلى أخرى، يطلق تصريحات مشوشة ومتناقضة. وهذا خطأ كبير ارتكبه المشهداني ودليل على تعطشه للسلطة وحب الظهور وهو في منصب غير مؤهل له.
إنه واجهة قبيحة ودعاية سيئة للعراق وللبرلمان العراقي، ولأبناء طائفته وللتنظيم السياسي الذي ينتمي إليه. وفي هذا الخصوص يقول أصحاب "نظرية المؤامرة" أن الإئتلاف الشيعي والتحالف الكردستاني تعمدا في دعم المشهداني لمنصب رئاسة البرلمان رغم علمهم بعدم كفاءته له، وذلك ليكشفوا شخصيته الهزيلة ومقدرته الضعيفة ليقولوا للعالم هذا أفضل ما عند السنة العرب!! أنا لا اعتقد بهذه النظرية، ولكن من الأفضل للجميع إزاحته واختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، ليريحوا الجميع من سلوكه الفج، فقد جعل من البرلمان العراقي الوليد مسخرة للعالم.
ونصيحتي له هو كمريض يعاني من عقد نفسية كثيرة، أن يعتزل العمل السياسي، فقد خاض هذه التجربة وفشل فيها فشلاً ذريعاً وكشف معظم نقاط ضعفه وعقده وهزال شخصيته خلال تسلمه هذا المنصب الخطير الذي لولا سياسة المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب لما وصل إليه. كما وأنصحه، بعد أن يستعيد عافيته ويجتاز دور النقاهة، أن يعود إلى عيادته ويمارس مهنته كطبيب أسنان في حي الحرية أو أي مكان آخر، ويعيد علاقاته الحميمة بمرضاه كما كان قبل سقوط البعث، متمنياً له الصحة والعافية والنجاح في حياته المهنية والاجتماعية.