لماذا تـَخـَلـَّفَ المسلمون وتـَقـَـدَّم غـيرُهم ؟!
الدكتور عبـد القـادر حسين ياسين
10 اكتوبر 2006



بالرغم من الانتشار الواسع الذي عرفه هذا السؤال حول أسباب تأخر العرب وتقدم غيرهم منذ أن جعله شكيب أرسلان عنواناً لأحد كتبه، فهو يظل سؤالا غير صالح لطرح مشكلة مصير العرب التاريخي أو مصير غيرهم .

ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن من أسباب تأخر العرب الاستمرار في طرح هذا السؤال الذي يفتقر إلى الدقة ، بقدر افتقاره إلى الموضوع . فهو ينطوي على مغالطة جوهرية قائمة على الخلط اللاواعي بين مسألتين متميزتين تماما ولا علاقة لإحداهما بالأخرى.

المسألة الأولى تاريخية محضة هي التفسير النظري لتوقف المدنية العربية الإسلامية عن الإبداع والتجدد ، وبالتالي وصولها إلى نوع من التكرار والتقليد والجمود . وهي مسألة كبرى لا تتعـلق بالمدنية العربية الإسلامية وحدها ، ولكن بجميع المدنيات البشرية التي ظهرت على وجه الأرض ، بما فيها الصينية والاغريقيـة والهندية والآشورية والفرعونية والفارسية وغيرها ، ومن ورائها بظاهرة الحضارة نفسها ومنطقها الذاتي. وهي مسألة تحتمل فرضيات متعددة وإجابات متعددة أيضا هي ما نجمله تحت اسم "فلسفة التاريخ والحضارة ". وقد كتب عنها الكثيرون ، بدءا بـعبـد الرحمن ابن خلدون ، مؤسس عام الاجتـمـاع، وانتهاءا بفوكوياما ، صاحب نظرية "نهاية التاريخ " مروراً بآرنولـد توينبي وشبنجلر وماركس وفرناند بروديل وغيرهم كثير .

أما المسألة الثانية فهي مسألة اجتماعية راهنة تتعلق بالصعوبات التي تواجهها مسيرة التقدم التاريخي للمجتمعات العربية الحديثة. وهي صعوبات حقيقية، تتراوح بين النكسات وبين المآزق المؤقتة، ويقتضي البحث حداً أدنى من السيطرة على مفاهيم ونظريات التطور الاجتماعي وتحول المجتمعات في العصر الحديث .

وليست هناك علاقة بين الأسباب التي قادت إلى جمود المدنية العربية الإسلامية القديمة وبين الأسباب التي تدفع إلى تعثر مسيرة تحديث المجتمعات العربية المعاصرة . وعدم التمييز بين الأمرين هو الذي يجعل من السؤال المذكور سؤالا أيديولوجيا يدور حول نفسه ولا يفتح أي إمكانية للإجابة على المسائل الحقيقية المطروحة.

فبالنسبة للمسألة الأولى (أسباب انحطاط المدنية العربية الإسلامية ) لا يمكن لمصطلح التأخر والتقدم أن يقدم أي فرصة لفهم الجدلية التاريخية التي نريد البحث فيها . فلم يحصل في الواقع أي تأخر على الإطلاق . إن ما حصل هو وصول نموذج اجتماعي وحضري معين إلى نضجه وغايته. وكان هذا النموذج قد نما في حضن الثقافية العربية والدين الإسلامي، ولكنه ليس ثمرة مباشرة لهما بقدر ما هو ثمرة للإمكانيات والعوامل والظروف التاريخية والجيو-سياسية والاجتماعية لتلك الحقبة التاريخيـة .

وعندما نقول "وصل إلى نضجه" ، فهذا يعني أنه استنفـذ طاقته الخلاقة ، ولم يعـد قادرا على الذهاب إلى أبعـد مما ذهب. فلكل نموذج حضاري حدوده التاريخية ، لأنه ليس هو نفسه إلا ثمرة العوامل والظروف التاريخية كما ذكرنا.

تمييز مهم

ومن المؤكد أن المسلمين لم يكونوا يشعرون أبداً ، في القرن السابع عشر مثلا ، بأنهم متأخرون عن الغرب، بل ربما كان العكس هو الصحيح ؛ ذلك أن استمرار سيطرتهم على مصائرهم ونجاحهم في تأمين حاجاتهم ، كما كانت مجسدة في ذلك الوقت، كان مصدرا للثقة بهذا النظام السياسي الأخلاقي الذي كان سائدا بينهم.

ولن يظهر الشعور بالنقص والتأخر إلا عندما سيفقد المسلمون هذه الثقة ، نتيجة لتدهور سيطرتهم على مصائرهم وتضاؤل قدرة أنظمتهم المدنية على تلبية حاجاتهم المتجددة. وقد كان من الممكن تصور ثورة داخل هذا النظام المدني العربي الإسلامي لو أمكن للفكر التاريخي أن يميز بين النموذج الحضاري الذي هو ثمرة للعوامل التاريخية ، وبين الثقافة والدين كمصدر لقيم ملهمة تتجاوز تجسداتها التاريخية .

ولكن هذا مستحيل من الناحية العملية . فالمجتمعات التي نجحت في تحقيق درجة ما من التقدم والسيطرة الذاتية والتاريخية من خلال نموذج حضاري ما لا يمكن أن تتصور الثقافة والدين بمعزل عن هذا النظام والنموذج التاريخي.

ويكفي للبرهنة على ذلك أن نشير إلى ما نواجهه نحن اليوم من مشقة للفصل بين النموذج التقليدي للنظام الاجتماعي والسياسي الذي عرفته المجتمعات العربية الإسلامية الماضية وبين القيم والشرائع الإسلامية والثقافة العربية . ذلك أن من طبيعة المجتمعات أنها تخلط بين تقاليدها ونماذج تنظيمها المدنية والتاريخية وبين اعتقاداتها ، بل إنها كثيرا ما تنزع إلى جعل هذه التقاليد والنظم التاريخية موضوعات اعتماد وإيمان .

والقصد أنه لا يمكن تجاوز نموذج للتنظيم الحضاري أثبت جـدارته وتفوقه في حقبة ما من داخل هذا التنظيم . وكل النماذج الحضارية والمدنية تم تجاوزها من خارجها ، وبالضبط في الدوائر الثقافية والاجتماعية التي كانت تخضع لها وتعاني منها ومن سطوتها. فالمسلمون لم يتأخروا ولكن غيرهم تقـدم . وليس المقصود هنا التقدم الأخلاقي ، ولكن النجاح في تشييد نموذج للتنظيم الحضاري المدني والعملي والتقني ، أكثر قدرة على توليد القوة والطاقة ، وبالتالي تجديد الحاجات والقيم والمشاعر الإنسانية .

وكمثال على ذلك كان تدجين الجمل مصدر تقدم هائل في المناطق الصحراوية ، لأنه كان يساوي، بالمقارنة مع معايير العصر ، اكتشاف الطائرة في السرعة وقطع المسافات الصعـبة . ولكن تقدم وسائل المواصلات مع اكتشاف المحركات البخارية ألغى تماما ميزة المواصلات بواسطة القوافل التقليدية من دون أن يعني هذا أن التجمعات التي كانت تستعمل هذه المواصلات قد تأخرت.

ولهذا التمييز أهمية كبرى لأنه شرط لفهم المشكلة الحقيقية التي نعاني منها وتجنب الوقوع فيما تقع فيه الأدبيات التي نشأت من حول السؤال المذكور من متاهات أخلاقية تجعل من انحطاط الذاتية وليس من تغيير الشروط الحضارية مصدرا لفهم التاريخ .

وهنا أريد الوصول إلى المسألة الثانية. فهنا ليس لمصطلح التأخر التاريخي أي معـنى . وإذا كان مما لا شك فيه أن الشعور بالتأخر والجمود يشكل لحظة أصيلة ومتكررة في الوعي العربي والإسلامي الحديث ، فلم يكن هذا الشعور هو السائد أو المسيطر على هذا الوعي في أي فترة... فقد أدى اكتشاف التقدم التاريخي منذ القرن التاسع عشر إلى انخراط العرب العملي في دورة الحداثة العالمية ، والى اعتناقهم قيمها ومفاهيمها حتى انطبع تصورهم لتاريخهم الحديث كله بطابع التحول والتقدم... فالصورة السائدة لهذا التاريخ في الكتب والمؤلفات والوعي الشعبي العام هي صورة الانتقال من الانحطاط ( الذي ميز العصور الطويلة الممتدة بين نهاية الدولة العباسية وظهور الدولة الحديثة) إلى النهضة ( وهي كلمة أطلقت على الانبعاث الفكري والأدبي والعربي في نهاية القرن التاسع عشر تيمنا بالنهضة الأوروبية ) إلى الثورة التي اكتسبت طابع حركة التحرر الوطني من الاستعمار قبل أن تتحول إلى ثورة البنيات والهياكل التقليدية الإقطاعية والأبوية والرجعية .

وليس ثمة شك في أن هذه الصورة التي تتطابق تماما مع صورة التحول الأوروبي، تجسد رؤية تفاؤلية أكثر مما تعكس مشاعر التشاؤم واليأس التي ينم عنها تذكر السؤال المؤرق حول أسباب تأخر العـرب .

ثم إن ما تعيشه المجتمعات العربية منذ القرن التاسع عشر ليس مسار تأخر بأي معيار كان . ولو تأملنا مليـاً في هذا التاريخ لوجدنا على العكس تماما أن السمة الرئيسية لنشاطاتنا هي انبعاث روح الحركة والتغيير ، وتجاوز روح التقوقع والجمود والتقليد ، التي سيطرت علينا في القرون الماضية. فنحن نعيش حقبة انكسار الجمود والتأخر(وهو غير التخلف بالمقارنة مع المجتمعات الحديثة الأخرى).

وفي هذا المسار وما ينطوي عليه من تناقضات وصراعات ومفارقات وتخبطات وآلام أيضا، ينبغي لنا أن نبحث عن أصل المصاعب التي تواجهنا وفي مقدمتها التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي .

وفي اعتقادي أن طرح هذا السؤال عن التـأخر لا ينبع من طلب حقيقي وقوي على فهم وتحليل الأسباب الموضوعية التاريخي للجمود الذي عرفته المجتمعات العربية في ما يسميه العرب بـ "عصور الانحطاط " ، بقدر ما ينبع من القلق على مسار التقدم والتحول الحاصل فعلا في هذه المجتمعات اليوم.

ولذلك نحن نراه يتردد في كل مرة يزداد الشعور لدى العرب بأنهم وصلوا في مسيرتهم التاريخية الحديثة إلى طريق مسدود.

حقيقة المشكلة

إن المشكلة التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية اليوم لا تنبع من أننا كنا متقدمين نملك ناصية العلم والمعرفة والخلق والإبداع ثم تأخرنا، وهو ما يشكل سنة تاريخية تنطبق علينا كما تنطبق على غيرنا .

ولكن المشكلة تنبع من بروز نمط جديد من التنظيمات المدنية والتقنية والصناعية والاجتماعية والسياسية ، أي نموذج حضارة جديد يتوجب علينا استيعابه والسيطرة عليه، ولا يمكن لنا أن ننجح في هذا الاستيعاب والسيطرة الحضارية إلا إذا تمكنا من الفصل بين النموذج الحضاري الذي طورناه نحن أنفسنا في الماضي وأصبح باليا، تماما كما أصبحت القافلة لاغية في مواجهة الطائرة النفـاثـة ، وبين مرجعـياتنا الكبرى التي ارتبطت بهذا النموذج الحضاري التاريخي وكانت من ورائه. وهذه المرجعـيات ، بالنسبة لنا ، هي من دون شك الثقافة بما تنطوي عليه من قيم دينية ودنيوية ، روحية ومادية، ذاتية وموضوعية.

إن سبب تردي أوضاع المجتمعات التاريخية اليوم لا علاقة له بسبب انحطاط حضارتنا السابقة ولا بتدهور ماهيتنا وإنسانيتنا.

فليس هناك عرب ومسلمون بالمطلق ، ولكن هناك مجتمعات تاريخية تقوم على مبادئ وقيم ونظم وقواعد تتبدل بتبدل القيم التاريخية ومسالك الحضارة. ومجتمعاتنا الحديثة هي مجتمعات جديدة ليس لها علاقة قوية بالمجتمعات العربية والإسلامية القديمة، لا من حيث قيمتها ولا مطالبها ولا مفاهيمها ولا تطلعاتها. إنها مجتمعات جديدة وليدة التجديدات الحضارية الراهنة وهي أصبحت متجذرة بقوة فيها .

وليس ما نعيشه اليوم هو استمرار للجمود أو التخلف أو التأخر الماضي، ولكن بالعكس تماما إنه التحول السريع والمتقلب في كل الميادين والمجالات. فقد تحولت المجتمعات العربية في أقل من قرن من مجتمعات تقليدية، أي قائمة على أساس النموذج العربي الإسلامي المتأخر، والذي استنفذ طاقته الحيوية ، إلى مجتمعات حديثة تماما. فنحن لا نتأخر أبداً ولكننا نتقدم ونتحول ونمتص كمية هائلة من المعلومات والنظم الجديدة تماما على مجتمعاتنا.

السؤال المتكرر

وخطر السؤال المتكرر عن تأخر العرب هو الجواب الذي يتضمنه ولا يزال يتضمنه حتى الآن. فليس من النافل أن نذكر بأن جميع أولئك الذين حاولوا الرد على هذا السؤال أجابوا بأن السبب هو تخلينا عن تراثنا ونموذجنا الخاص والصحيح ، وأصبح كل همهم يتركز على مسألة تأكيد الهوية والتميز بين الحين والآخر ، واسترجاع التراث وتلميعه وتحويره وصبغه بصبغة العصر.

وفي الواقع لم تكن نتيجة ذلك إلا صرف الأنظار عن المشكلة الحقيقية وعن فهم حقيقة الأسباب التي تمنع المجتمعات العربية الحديثة عن السيطرة على مصائرها التاريخية . فلا تكمن المشكلة أبدا في أنماط الماهية العربية وتجديد هذه الماهية من خلال تجديد النظر إلى التراث، بل إنها لا تكمن أبدا في تخلينا عن تراثنا ، ولكنها تكمن في إخفاقنا في استيعاب النموذج الجديد للحضارة. وليس ما نعاني منه اليوم من مظاهر الاستلاب والتنكر للذات ، بل وكره الذات مما أصبح يشكل ظاهرة خطيرة في وسط أجيالنا الشابة،إلا النتيجة الطبيعية للإخفاق في السيطرة على نموذج الحضارة الجديدة وبالتالي لعدم قدرتنا على تلبية الحاجات الجديدة والمتبدلة أيضا في إطار ثقافتنا ولغتنا لهذه الأجيال .

لو أردنا أن نطرح السؤال الصحيح الذي يستحق الطرح حول السبب الذي يجعلنا نستمر بالفعل في وضعية الدونية والضعف والتخلف بالمقارنة مع المجتمعات الصناعية أو التي نجحت في تحقيق ثورتها الصناعية، بالرغم مما ذكرناه من تقدمنا على درب امتصاص العلوم والتقنيات الحديثة، فالجواب هو أن مناهجنا في استيعاب هذه الحداثة ليست سليمة ولا منسقة.

إن ما نعاني منه ليس عدم فهمنا الصحيح للتراث ولكن عدم سيطرتنا العملية الفعلية على تقنيات وعوامل الحداثة المادية والمعنوية ، وينجم عن هذا انتكاسات وإخفاقات في مشاريعـنا التنموية الاقتصادية أو العلمية .

كما ينجم عن هذه الانتكاسات والإخفاقات آثار اجتماعية وسياسية ونفسية كبيرة وخطيرة أحيانا هي ما نعيشه في الحقبة الراهنة التي تشهد فيها مجتمعاتنا أقصى أنواع الإحباط وانعـدام الثقة بسبب الإخفاق الشامل في الخروج من حلقة التبعـية وضياع كامل استثماراتنا المادية والمعنوية في العقود الأربعة الماضية .

نمط الحـداثة الرثــَّة

إن السبب الحقيقي في إخفاق تجربة النهوض، وهي محاولة تعبر عن وجود روح التقدم والتغيير، ولا تعكس التأخر الماضي، هو نمط الحداثة الرثة الذي أخذنا به وعشنا عليه، والذي كان يفتقر لكل مقومات الحياة والعقـل والاستمرارية. وهو النمط الذي يعكس سيطرة مصالح اجتماعية معينة وتوازناً تاريخياً للقوى الفاعلة في المجتمع.

وليس هذا التوازن ناتجـاًعن المعطيات الثابتة التي لا تتغير، ولكنه معطى تاريخي قابل للتغيير ويمكن تغييره بالعمل والكفاح المنظم. المهم أن مواجهة التحدي أي الإخفاق وانتكاسة التجربة التجديدية ، لا تكون في العودة إلى النموذج الحضاري السابق والبالي، ولكن تغيير هذا التوازن السلبي الذي قاد إلى نموذج الحداثة الرثة، ثم في نقد هذه الحداثة الرثة نفسها من منظور ومعايير الحداثة الحقيقية، أي من منطلق تأكيد قيم الحرية والعقلانية والإنسانية والعالمية الحقة.

باختصار، إن مشكلتنا ليست في تركنا الماضي ولكن في عدم تمكننا بعد من وضع يدنا على عوامل التقدم والتطور وخلق المستقبل.

بل إننا لا نكتشف ، في الواقع ، أهمية الماضي وإشكالية التراث وإحياء القيم الرحبة والذاتية إلا في سياق نقـدنا لنظام هذه الحداثة الرثة، وفي سبيل تجاوزها نحو حداثة حقيقية تعكس طموحات مجتمعاتنا العميقة للتغلب على تناقص تجربتها التاريخية ، والمساهمة الإيجابية في مسيرة الحضارة العالمية .

تصور خاطىء

والنتيجة أن التصور الخاطىء الذي يوحي به هذا السؤال عن أمة عـربية ذات ماهية تابة ولا تاريخية لا يمكن أن يقدم أي إطار لفهم حقيقة الأسباب التي تمنع العرب اليوم من استملاك ناصية الحضارة الحديثة ... فالعرب ، مثلهم مثل غيرهم تماما، مجتمعات تاريخية ، وبالتالي تنظيمات وتقنيات وعلوم ووسائل عمل وإنتاج.

ومثل جميع التنظيمات والنظم الحضارية لم يكن من الممكن لنظام الحضارة العربية القديم أن يستمر إلى ما لا نهاية . فلكل نظام حضاري طاقة معينة لا بد أن تستنفذ. ونظام العرب الحضاري السابق قد استنفذ طاقته بقدر ما حقق أهدافه وتحقق في التاريخ.

وكان من الطبيعي أن تعود السيادة والسطوة لتلك الشعوب والثقافات واللغات التي ارتبطت بالنظام الحضاري الجديد الذي نشأ بعد ذلك . فالسيادة تعـود للمبدعين في كل زمان ومكان. ويتطلب الإبداع باستمرار تغيير النظم وتغيير السيادة.

وليس من الممكن لأي شعب أن يبقى في السلطة والقيادة العالمية من دون حدود؛ ذلك أن تفوقه السابق هو المصدر الحقيقي لتخلفه اللاحق. وهذا ما عرفه العرب كغيرهم تماما. وما عليهم إذا مـا أرادوا أن يتجاوزوا موقع الضعف والتبعية والتخلف وانعدام السيادة الذين يعيشون فيه اليوم، وهذه هي مشكلتهم الفعلية، إلا أن يجتهدوا لاستيعاب نموذج التنظيم الحضاري الجديد ويبدعوا فيه.

العـيب فينا وليس في تاريخنا

وهذا يعني أن أسباب تخلفنا الراهن موجودة فينا وفي نظمنا الاجتماعية والسياسية والعلمية الراهنة التي أقمناها بأنفسنا ، وليس في ما تركه لنا تاريخـنا. ولا يشبه ما يعـوق مسيرتنا الراهنة لا من قريب ولا من بعيد ما عمل على جمود وانحطاط حضارتنا الماضية . تماما كما أن ما قاد أسلافنا إلى موقع السيادة والسيطرة العالمية والإبداع ليس من الضروري أن يقودنا إلى الخروج من مأزقنا الراهن، فما صلح لعصر لا يصلح بالضرورة لعصر آخر، ولو أردنا أن نختصر سبب مصائبنا الحالية في عبارة واحدة لقلنا إن سبب إخفاقاتنا جميعا في استيعاب الحضارة الحديثة والتمكن من وسائل سيطرتنا على أنفسنا ومحيطنا معا ، هو نزوعـنا إلى الإقتداء والتعلق بالحلول الجاهزة، سواء أكانت شرقية قديمة أو غربية حديثة بدل الاجتهاد والإبداع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كـاتب وأكـاديمي فلسـطيني مـقـيم في السـويد .