حملة تحريض جديدة
أكذوبة ميليشيا الإخوان في مصر
بقلم : علي عبدالعال
alyabdelal@gmail.com
22 ديسمبر 2006


"ميليشيا الإخوان المسلمين" مصطلح جديد في مصر ، جرى الترويج له إعلامياً هذه الأيام في حملة تحريضية غير مسبوقة، ضد الجماعة الإسلامية التي تملك نحو 88 مقعداً نظيفاً ــ أي غير مطعون فيها ــ داخل مجلس الشعب، وضد أكبر قوة معارضة في البلاد، وأكبر الحركات الإسلامية المعاصرة في العالم.

وهو مصطلح ــ على قدر ما أثاره من جدل ولازال ــ له قصة جديرة بأن تروى للوقوف على حقيقته، وخلفيات ظهوره : ففي تظاهرة احتجاجية على فصل ثمانية طلاب من مؤسسي "اتحاد الطلاب الحر" في جامعة الأزهر الأحد 10ــ12ــ2006م، ظهر عدد من طلاب "الإخوان" وهم ملثمين ويرتدون زياً أسوداً مشابهاً لزي الميليشيات المسلحة وأقنعة كتبت عليها عبارة "صامدون" ، خلال تقديمهم (اسكتش) تمثيلي ــ بالمدينة الجامعية ــ يحاكي الأعمال القتالية لحركة المقاومة الإسلامية "حماس".

وهو مشهد تلقفته كاميرات وسائل الإعلام سريعاً، حيث بثت بعض القنوات الفضائية المصرية والعربية لقطات مصورة لهؤلاء الطلاب، كما ربطت جهات علمانية ويسارية بينه وبين ما سبق وصرح به مرشد الجماعة محمد مهدي عاكف ــ قبيل وقف إطلاق النار في جنوب لبنان ــ من أنه على استعداد لإرسال عشرة آلاف شاب للقتال في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. ومن ثم راح البعض يفسر ويحلل معتبرين هذه اللقطات دليل حي على وجود "جناح عسكري" للإخوان ــ داخل مصر ــ يستلهم أفكاره من كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في فلسطين.

ودن أن يشفع للجماعة اعتبارها ما جرى تصرف خاطئ من جانب الطلاب ومناصريهم المظلومين، شنت الصحف الحكومية والمعارضة والمستقلة على السواء هجوماً شرساً على سلوك طلاب الإخوان، ورأت إحدى الصحف أنه يمهد "لنشوب حرب أهلية بين الطلاب في الحرم الجامعي" في حين اعتبره معلقون ومحللون، استعراض قوة يعني أن الجماعة تستطيع تأسيس "جناح عسكري" ، كما اتهم حزب التجمع اليساري الجماعة بالعودة إلى "التنظيم السري".

ورغم الاعتذار الذي قدمه الطلاب أنفسهم، في بياً لهم، فقد شن عدد من كتاب المقالات والأعمدة العلمانيين هجوماً حاداً معتبرين هذا "العرض" عودة للتنظيم الخاص السري، كما يكشف كذب ادعاء الجماعة أنها ابتعدت عن العنف في العمل السياسي. وفي لمحة تحريضية انتقد بعضهم ما أسماه "صمت أجهزة الدولة على هذا التحدي" من جانب الإخوان الذي ينذر بالعنف، ويمثل رسالة للدولة.
ولم يمض يومان حتى شنت أجهزة الأمن المصرية حملة اعتقال طالت نحو 200 من طلاب الإخوان في القاهرة. كما لاحقت مجموعات أخرى من الطلبة في الأقاليم المختلفة وبمدنهم وقراهم، وهي حملة أمنية جديدة تم فيها اعتقال النائب الثاني للمرشد (محمد خيرت الشاطر) وعشرات من قيادييها .

وفي ظل الاتهامات التي تحاصرها من كل اتجاه، نأت جماعة "الإخوان المسلمون" بنفسها عن الاستعراض الذي تفتق عن ذهن مجموعة صغيرة من شبيبتها في جامعة الإزهر. ونفى المرشد العام محمد مهدي عاكف صدور أي تعليمات لطلبة "الإخوان" تحثهم علي القيام بعرض "شبه عسكري" لاستعراض القوة، من أجل المطالبة بإلغاء قرارات فصل صدرت بحق عدد منهم في "الاتحاد الحر". وقال عاكف : " ليست عندنا ميليشيات في الجماعة، ونرفض اللجوء للعنف والقوة في حل المشكلات".

كما رفضه أيضاً النائب الأول للمرشد الدكتور محمد حبيب، قائلاً : إنني أستنكر بشدة هذا الأمر، فنحن لا صلة لنا بالعنف، ونرفض سلوك هؤلاء الطلاب جملة وتفصيلاً. وأكد "عضو مكتب الإرشاد" الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، أن الجماعة ليست لها أي ميليشيات، وأنها كانت من أوائل القوى السياسية في المجتمع المصري التي استنكرت اللجوء إلى العنف، مدللاً علي ذلك بعدم وجود قضايا "عنف" للجماعة منذ أكثر من ٣٠ عاماً، عندما استأنفت عملها في السبعينيات من القرن الماضي. وأضاف أبوالفتوح أن: هؤلاء الطلبة ينتمون بالفعل لجماعة الإخوان، ولكنهم لم يحسنوا التعبير عن أنفسهم وأساءوا التصرف السليم، منتقداً الجهات الإعلامية التي نقلت الحدث، مطالبا إياها بأن تضع الأمر في نصابه الطبيعي. واعتبر أبوالفتوح ما قام به الطلبة من "الاعتصام" هو سلوك ديمقراطي تعبيراً عما حدث لزملائهم، مطالباً الجهات المسؤلة بتقديم الشكر لهم، وليس عقابهم.

ومن جهتهم أصحاب القضية والمتسببون فيها، أصدر طلاب الإخوان ــ الذين قاموا بالعرض ــ بياناً يعتذرون فيه عن الصورة السلبية : "التي أعطاها العرض التمثيلي" الذي قاموا به " ضمن فقرات الاعتصام للاعتراض على فصل ثمانية طلاب لمدة شهر ". وقال الطلاب في بيانهم: "هذا الاعتذار أولا لجامعتنا وأساتذتنا وزملائنا، عن هذا العمل الذي قمنا به، وهو ما أساء لشكل الجامعة، وأيضا ما شكل إساءة لأنفسنا نحن بوصفنا بأننا ميليشيات عسكرية، وهو على غير الحقيقة مطلقا إذ إننا طلاب". وختم الطلاب بيانهم بالقول : "أردنا أن نجذب الأنظار إلى قضيتنا، ولكن أخطأنا في تقدير حركتنا، ولهذا وجب علينا الاعتذار".

جاء ذلك في بيان رسمي أصدره طلاب الإخوان في جامعة الأزهر، إلا أن الصحافة التي بالغت وصورت الأمر على أنه من فعل ميليشيات عسكرية طلابية في استعراض عسكري للقوة، لم تهتم ببيانهم وغضت الطرف عنه، ولم تنشره أي صحيفة محلية، سوى ما بادرت به مواقع على شبكة الإنترنت.

وتأتي تلك القضية على خلفية تصاعد المواجهات ــ داخل الجامعات المصرية ــ بين الطلاب المحتجين ــ وكلهم ينتمي إلى تيارات سياسية معارضة ــ على شطبهم من قوائم الترشيح لانتخابات الاتحادات الطلابية، والإدارة الجامعية ومن خلفها الأجهزة الأمنية التي قررت فصل طلاب الإخوان والمعارضين، وتحويل عدد منهم إلى التحقيق، ما دفع الطلاب إلى إجراء انتخابات طلابية موازية أسفرت عن "اتحاد الطلاب الحر" الموازي للاتحاد الحكومي، وهو ما لم تقبله الدولة من ثم دارت اشتباكات متكررة في الجامعات، بعد أن هاجمت عناصر أمنية ــ ترتدي الزي المدني ــ طلاب الجماعة، خلال مظاهرات احتجاج على إبعاد زملائهم من قوائم المرشحين.

وجماعة "الإخوان المسلمون" بدأت كحركة شبابية تُعنى بالاصلاح الاجتماعي والسياسي، تأسست على يد الشيخ حسن البنا عام 1928 ،،، وتعد حالياً أكبر القوى المعارضة في مصر وأكثرها تنظيماً ، ويشغل نوابها 88 مقعداً في مجلس الشعب (البرلمان) المكون من 454 مقعداً ، ويخوض أعضاؤها انتخاباته كمستقلين تفادياً للحظر الحكومي المفروض على الجماعة. وكان للجماعة جناح عسكري في الثلاثينات والأربعينات إلا أنها تخلت عن العمل المسلح بعد حظرها عام 1954. ويتعرض قادتها وكوادرها لكثير من أشكال التضييقات الأمنية (احتجاز ، اعتقال ، منع من السفر ) وقالت منظمة حقوق الانسان "هيومان رايتس ووتش" التي مقرها نيويورك، في تقرير لها الآونة الأخيرة : إن جماعة الإخوان تتعرض لحملات أمنية متصاعدة في مصر.

وقبل الانتخابات الرئاسية الماضية في مصر ، تظاهر الالآف من شباب "الإخوان المسلمين" ، وسط القاهرة ، مرددين هتافات تقول لا لمبارك، مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء حالة الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ عام 1981. وتأكد الحركة الإسلامية أنها ضد التوريث الذي يعد له النظام السياسي لعضو لجنة السياسات ونجل رئيس الجمهورية جمال مبارك.