مصر التى فى خاطرى !!
بقلم : دكتور/ محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
22 ديسمبر 2006


قلبى على مصر ! أرض الكنانة فما يحدث على أرضها هذه الأيام يدعو للجزع والخوف من أن تتحول إلى لبنان آخر أو عراق جديد,وهو امر لايتمناه أبداً أى محب عاشق لوادى النيل المعروف عبر التاريخ بسماحته وطيبته وتقبله الرائع لكل وافد جديد ينصهر مع الوقت ليصبح جزءاً لايمكن تمييزه عن نسيج الوطن.

مايحدث هذه الأيام خطير بكل أبعاد هذه الكلمة,فالدولة تتدخل فى أنتخابات أتحاد طلاب لإسقاط تيار بعينه وبشكل أكثر تحديداً من أجل إستبعاد جماعة الأخوان المسلمين،وهؤلاء من جانبهم قاموا بإعداد وتنظيم إنتخابات موازية نتج عنها إتحاد آخر لاعلاقة له بالدولة وأسموه " الأتحاد الحر" والأمر إلى هذا الحد لايستدعى أى قلق او إنزعاج فالأمر لايعدو كونه نشاطاً طلابياً سواء أتفقنا معه أم لم نتفق, لكن الأحداث تطورت بشكل غير مسبوق حتى فوجئ الناس بل ربما فوجئت الدولة ذاتها بتنظيم إستعراض عسكرى شارك فيه جمع غفير من الطلبة الملثمين بنفس روح وأسلوب الجماعات الفلسطينية المسلحة وبدأوا فى ممارسة بعض تمارين رياضات الدفاع عن النفس بشكل يوحى بوجود ميليشيا عسكرية للجماعة المحظورة قانوناً والمعنى واضح طبعاً ولالبس فيه,إنه إذا كان بإمكاننا إقامة إتحاد طلاب موازٍ منفصل عن الإتحاد الرسمى الذى يتمتع برعاية ومباركة الدولة فإنه بمقدورنا أيضاً أن ننشئ جيشاً موازياً وأمناً موازياً ,أى أنه بإمكاننا أن نقيم دولة داخل الدولة وذلك هو مكمن الخطر الذى يجب أن يتنبه له الجميع.

إن السواد الأعظم من الشعب المصرى لايعرف الإنتماء الحزبى وهو كذلك وبنفس القدر ليس مع الأخوان ولكنه "مع نفسه"إن جاز التعبير,فهو يتفرج على عرض لايعنيه يتم فيه نزاع ليس من شأنه على سيادة لاتهمه من أجل غنائم لن تعود عليه بشئ,والسؤال الملح الآن هو ماالذى أوصلنا لمستنقع اللامبالاة الذى كاد أن يغرقنا جميعاً بلا إستثناء؟ ومن المرشح لدفع الثمن فى نهاية المطاف؟.

إن الدولة بكل أسف هى المحرك الأول لكل الأحداث التى نراها على المسرح والتى أصبحنا جميعاً نراقبها من بعيد ونحاول جهدنا أن نتقى شرها , توفير لقمة العيش هوشغل الجميع الشاغل ,فقدان الطموح وروح المبادرة,الإبتعاد عن المشاركة وغياب الديمقراطية وخلو الساحة من الشعب الحقيقى صاحب المصلحة وإمتلائها بالبلطجية والمرتزقة وأعوان السلطة وسدنة الفساد السياسى كل ذلك وغيره كثير ساهم فى شق الصف حتى بتنا نرى الشعب فى واد والحكومة فى واد والأخوان المسلمون فى واد ثالث وأقباط مصر فى واد رابع, ومصر التى فى خاطرى وفى دمى هى التى ستدفع فى النهاية الفاتورة كاملة من أمنها وسلامتها .

ماالذى فعلته الحكومة بل الحكومات المتعاقبة ومنذ إنتهاء الحرب الأخيرة (أكتوبر1973) أى منذ مايزيد على ثلاثين عاماً وبعد أن أعلن الرئيس السادات أن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب ! لقد تفاءل الشعب المحب للسلام وتوقع الجميع رخاءاً قادماً لامحالة فى ظل مناخ يسوده السلام والوئام ولاتعكر صفوه حروب أو مشاحنات وأنطلقت الأبواق تبشر بالرخاء المرتقب والمستقبل السعيد..! لكن الحلم تبدد أمام واقع لايسر أنتهجت فيه الحكومات المختلفة منهجاً يقوم على تحرير الأقتصاد والدخول إلى إقتصاد السوق الحر وأعتمدت أسلوب الخصخصة فزادت معاناة الناس وبدأت الأزمة الأقتصادية تأخذ بخناق الجميع وزادت معدلات البطالة إلى أرقام غير مسبوقة وأختفت تقريباً الطبقة الوسطى التى هى صمام الأمان لأى مجتمع وإلى جانب الشعار الرأسمالى المعروف "دعه يعمل ,دعه يمر "أرتفع بقصد أو بدون قصد شعار "دعه يعانى,دعه يموت" وأنحازت الدولة للأغنياء رغم أنف الشعارات التى تؤكد فى كل حين إنحيازها لمحدودى الدخل والطبقات الفقيرة وأصبح رجال الأعمال من الأثرياء الجدد هم نجوم المجتمع وحواري النظام ووسط كل هذه المتغيرات أنطلقت حرية صحافة بلاحدود ولاقيود قوامها الإسفاف والتطاول والسباب المتبادل فى ظل ديمقراطية عرجاء قاعدتها الذهبية" ليقل كل فرد مايشاء فنحن فى النهاية نفعل مانشاء".

تلك كانت الصورة التى وصل إليها الحال فى مصرومن هنا تحديداً بدأ دور الأخوان المسلمين ينشط ليستثمر هو الآخر معاناة الناس ولكن بشكل مختلف, تسرب إلى عقول الأغلبية التى تعانى من خلال عيوب النظام وأستغلت الجماعة المحظورة معاناة الناس لتتقرب إليهم وتجمع الأعوان والمريدين وأستغلت أكثر وأكثر القدرة التنظيمية الهائلة للجماعة فى ظل ديمقراطية ناقصة وموجهة بحيث تفرز النتائج المطلوبة لاالمرغوبة.

الحكومة إذن هى المسئولة وليس غيرها عن ظهور هذه الجماعة بمظهر القوة وهى قوة وهمية فى الواقع ولكنها نتيجة حتمية لغياب قوى أخرى تم تغييبها عن الساحة لصالح الحزب الحاكم قسراً فجماعة الأخوان المسلمين لايزيد رصيدها فى الشارع عن 15% على أكثر التقديرات وفى كل الظروف سواء حضر إلى صناديق الأقتراع كل المسجلين فى جداول الأنتخابات أو لم يحضر أحد . فإذا كان الذين يحضرون إلى اللجان الأنتخابية لايزيدون عن 20% من المجمع الأنتخابى فإن الأخوان يحصلون على نفس النسبة (15%) وبالتالى يحققون أغلبية زائفة لاتعبر عن إرادة الشعب الحقيقية والتى غيبتها ممارسات الدولة لفرض ديمقراطية مشروطة.

واقع الحال إذن يؤكد أن الجماعة المحظورة لاتصمد طويلاً فى إنتخابات حرة تماماً ونزيهة تماماً وان ماشاهدناه من إستعراض للقوة الزائفة فى ساحة جامعة الأزهر ماهو إلا إفراز طبيعى لأخطاء النظام وخطاياه.وإذا أستمر الوضع الراهن بكل عواره وعوراته فإن الجماعة المحظورة سوف تحصل على أغلبية زائفة تمكنها من السيطرة على مقدرات البلاد فى ظل غياب جماعى لكل التيارات السياسية الأخرى وغياب كاسح لنحو 80% من الشعب المشغول بتدبير شئون حياته والأنصراف عن صناديق الأنتخابات والذى يعتبر الديمقراطية بشكلها الراهن سفهاً لايؤدى إلى نتيجة تؤثر فى تصحيح أوضاعه المعيشية وليس غريباً والحالة هذه أن تنشأ ميليشيات أخرى قبطية وربما شيعية او بهائية واللى يحب النبى يصلى عليه..!