السعودية تتخلى عن سياسة الدبلوماسية الفعالة الهادئة
رشاد الشلاه
rashadalshalah@yahoo.se
4 ديسمبر 2006


مثلت عمليات التفجير الإجرامية التي حدثت في مدينة الثورة " الصدر" وما رافقها من قصف آثم لمنطقة الاعظمية يوم 23 تشرين الثاني/ نوفمبر ذروة في تصعيد الفتنة الطائفية ، و بالكاد استطاع أعضاء المجلس السياسي للأمن الوطني وباجتماع عاصف، تطويق اتساع وشيوع تداعياتها في ظل وضع أمني خرب ، عمق من سوئه وزاد في أواره تواصل الدعم العلني المادي والإعلامي الوارد من خارج الحدود للمتطرفين من كلا الطرفين. و إذا كان الدعم الإيراني الرسمي الكبير للمتطرفين من الشيعة يتم بالخفاء وان بدا هذا الدعم للمواطن العراقي كتلك النعامة التي تخفي رأسها بالرمال، فان المتطرفين من السنة حظوا بعد مضي بضعة اشهر على انهيار نظام صدام حسين، على الدعم الصريح والمتنوع من عدة جهات وأنظمة عربية وخليجية وان كان غير "رسمي" ، وبذلك تحول العراق علاوة عن كونه ساحة قتال بين القوات الأمريكية والقوى الإرهابية التي استدرجتهم الإدارة الأمريكية من أصقاع الأرض، الى ساحة قتال بالنيابة عن الفرس الشيعة والعرب السنة.
معروف ان صراع العرب مع إيران شهد تصعيدا في سبعينات القرن الماضي عندما استولى جيش الشاه على جزيرتي طنب الكبرى والصغرى وجزيرة أبو موسى في شهر نوفمبر/تشرين الثاني العام1971، مما دفع الدول العربية آنذاك إلى قطع علاقتها الدبلوماسية مع حكومة الشاه محمد رضا بهلوي. وصادف ان يكون شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من هذا العام إعلانا صريحا بنية المملكة العربية السعودية التدخل في الشأن العراقي عسكريا بحجة الدفاع عن السنة في مواجهة التدخل الإيراني الداعم للشيعة، تدخل " ينطوي على مخاطر كثيرة، فقد يؤدي إلى إشعال حرب إقليمية، فلتكن: لأن نتائج الوقوف جانباً أسوأ بكثير." والسطر المقتبس هذا هو ختام مقال كتبه المستشار الأمني للحكومة السعودية ومدير مشروع تقييم الأمن الوطني السعودي ، نواف عبيد، تحت عنوان " السعودية ستحمي سنة العراق" وفي هذا المقال يقدم الكاتب القراءة السعودية لمآل تطور القضية العراقية الى حرب عربية إيرانية في حال المباشرة بانسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من العراق.
يمضي الكاتب بقراءته قائلا" إن البقاء في وضع المتفرج لن يكون مقبولاً للسعودية، وسيعني غض الطرف عن مذابح العراقيين السُّنّة التخلي عن المبادئ التي قامت عليها المملكة، وسيؤدي ذلك إلى تقويض مصداقية السعودية في العالم السُّنّي، وسيمثل استسلاماً لأعمال العسكرة الإيرانية في المنطقة."... وهنا جوهر مضمون المقال وهو رفض الاستسلام لأعمال العسكرة الإيرانية بعد ان غدت إيران القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة بمقابل ضعف تأثير الدور السعودي فيها. ولكن ما هي الوسائل و الأدوات الكفيلة بالحد من توسع قوة إيران الشيعية العسكرية وأطماعها التوسعية في العراق و المنطقة؟ يجيب المقال" إن القيادة السعودية تستعد لإجراء مراجعة جوهرية لسياستها في العراق، حيث تشتمل الخيارات، الآن، على تزويد القادة العسكريين السُّنّة (وهم بشكل رئيسي أعضاء سابقون في الجيش العراقي البعثي السابق، الذي يشكل القاعدة الأساسية للتمرد)، بأنواع المساعدة ذاتها -التمويل والأسلحة والدعم اللوجيستي- التي تقدمها إيران للجماعات الشيعية المسلحة منذ سنوات، و يشتمل الاحتمال الآخر على تشكيل ألوية سُنّية جديدة لمحاربة الميليشيات المدعومة من إيران."... هذا في الجانب العسكري، أما في الجانب المادي فيمضي الكاتب في القول" كما أنه من المحتمل أن يقرر العاهل السعودي، الملك عبد الله، أن يحاصر الدعم الإيراني للميليشيات الشيعية من خلال سياسة نفطية، فإذا عمدت السعودية إلى رفع الإنتاج وتخفيض سعر النفط إلى النصف، فإن المملكة تبقى قادرة على تغطية مصروفاتها، بينما إيران التي تعاني صعوبات اقتصادية حتى في ظل ارتفاع أسعار النفط، ستجعلها تلك السياسة النفطية غير قادرة على دعم الميليشيات بمئات الملايين من الدولارات سنوياً. "
إذن فقد أعدت السعودية خياراتها بتفصيل معلن وهي جاهزة العدد والعدة. اللافت ان الإعلان عن هذه الاستعدادات قد تم بعد مرور اسبوع واحد على زيارة نائب الرئيس الرئيس الأمريكي ديك تشيني للسعودية ، حيث يقول الكاتب " تؤكد زيارة نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، إلى الرياض، الأسبوع الماضي، لبحث الوضع (لم تكن هناك محطات أخرى في رحلته الطويلة) أهمية السعودية في المنطقة وأهميتها للاستراتيجية الأميركية في العراق". كما تزامن نشره أيضا في الوقت الذي التقى فيه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في العاصمة الأردنية عمان.ـــ المقال نشر في الواشنطن بوست في 29 تشرين الثاني /نوفمبر وأعاد نشره موقع إيلاف في 30 منه ـــ .
المقال المذكور يؤكد مرة ثانية وعلنا قلق المملكة العربية السعودية من توسع النفوذ الإيرانيو امتداداته في الخليج و منطقة الشرق الأوسط المترافق مع طموحها النووي ، ويؤشر إلى خروج المملكة عن سياسة الدبلوماسية المدروسة الهادئة، ففي حرب حزب الله المدعوم إيرانيا وسوريا ضد إسرائيل في تموز الماضي، جاء رد فعلها سريعا ومنفعلا عندما وصفت قيام حزب الله باختطاف جنديين إسرائيليين بأنه" مغامرة غير محسوبة". واليوم تعلن المملكة تفاصيل الحرب القادمة مع إيران بصورة غير معهودة منها. فهل ستنساق المنطقة الى حرب البوابة الشرقية مرة أخرى أم أن التبشير بإعلان الحرب هذا لدواع طائفية هو إنذار لحكومة المالكي وإيران ودعم لسياسة إدارة بوش الجمهورية المتمسكة بعدم الإعلان عن جدولة لانسحاب قواتها من العراق في وقت واحد ؟ ثم أين ذهبت وثيقة ميثاق مكة الذي حرم الدم العراقي و تم التوقيع عليه في 20اشرين الأول/ أكتوبر الماضي بجهود وإشراف سعوديين ؟