كل نفس ذائقة الموت
(رحم الله مجدى محرم)
إبراهيم عوض
26 نوفمبر 2006
ibrahim_awad9@yahoo.com


كأنما ضربنى أحدهم بشاكوش على يافوخى وقع علىّ خبر وفاته أمس حين أتت زوجتى من الحجرة الأخرى بعد أن صلينا الصبح لترانى أدخلت فى النوم ثانية أم إنى لا أزال صاحيا، وأخبرتنى أن زوجة الأستاذ مجدى محرم على الهاتف تقول إنه قد توفى. رددتُ على السيدة حرمه وأنا ذاهل، ووضعت السماعة بعد انقضاء المكالمة وتعزيتها وأنا ذاهل. لم أبك، ولا أدرى لماذا، وإن كنت وجدتنى فى المنام أبكيه بمرارة وحرقة كأنى طفل صغير.

 وكتب الله لى رغم صعوبة ظروفى أن أشارك فى جنازته وتعزية أسرته، وأصررت على حمل النعش مع المتسابقين على حمله ووضعت ذراع النعش الأمامية اليسرى على كتفى فشعرت بشىء من الارتياح وجاش الدمع فى عينى، لكنه لم ينزل، ولا أدرى لماذا. لكن عندما رأيت صورته فى جريدة "مصر الحرة"، وكلمات النعى تحتها، لم أتمالك نفسى من البكاء الهادئ الصامت. وشعرت مرة أخرى بشىء من الراحة. والآن وأنا أكتب هذه الكلمات أحس بالدمع يتسابق خلف المآقى، لكنه لا يسيل، ولا أدرى لماذا أيضا. كل ذلك وأنا لا أكف فى الصلاة وخارج الصلاة عن الدعاء له وأحاول أن أتصوره وهو يقضى ليلته الأولى فى التراب فى ظلام القبر وحيدا إلا من عمله ورحمة ربه، أو إذا أردتم الحق الذى أومن وأوقن به: إلا من رحمة ربه فحسب، إذ إنى لا أعول إلا على رحمة الله، وأتخيلنى وقد حانت منيتى وشيعنى المشيعون إلى قبرى وتركونى هناك وحدى، وحلت لحظة المواجهة مع ربى، فماذا أنا قائل له؟

 الحق أنه ليس عندى لهذا اليوم شىء أعددته إلا طمعى فى رحمته سبحانه ورضوانه، فأنا حسن الظن به إلى ما لا نهاية. ألم يقل سبحانه وتعالى: أنا عند حسن ظن عبدى بى؟ فأنا حسن الظن بربى. ترى أهناك بعد إحسان الظن بربى شىء؟ وهذه هى كل عدتى وأوراقى التى سأقدمها يوم الحساب: عبد يحسن الظن بربه. فهل هناك شفيع أفضل من هذا الشفيع؟ إذ من نحن أمام الله بكل قوته وسلطانه وجبروته ومشيئته التى لا تقف فى وجهها مشيئة؟ فاللهم يا قوى يا جبار يا ذا الحول كله والطول كله والسلطان كله والمشيئة النافذة كلها، إننا نتشفع إليك برحمتك فى عبدك المسكين الذى وسده أحباؤه التراب ولم يعودوا يستطيعون له حولا ولا طولا أن تتغمده برحمتك وألا تحاسبه أو تعاقبه أو تعاتبه، بل تغفر له غفرانا شاملا مطلقا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا محاها ونسخها حسنات على قدر ما يسع كرمك، وهو يسع كل شىء مما يخطر أو لا يخطر على بال عبادك... وهأنذا أحاول أن أتمالك دمعى حتى أتم الكلمة، وقد ارتسمت فى لوح خيالى صورة المسكين ممددا فى لحده بعيدا عنا وعن كل محبيه، وعن أولاده... وآه من أولاده الذين لم أرهم رغم أنى كنت دائم السؤال عنهم، كان الله فى عونهم وجنبهم مرارة اليتم، الذى عرفته صغيرا فى أمى وأبى فكانت حياتى سلسلة من المرارات رغم أن الله لم ينسنى قط وكان دائما هناك يأخذ بيدى ويسترنى ويحمينى وينقذنى!

 إننى لم أعد أخشى الموت ولا يحزننى كحقيقة بيولوجية يتحلل الجسد بعدها ويصير ترابا من التراب وينتهى تماما من صفحة الوجود ليتشكل صورا أخرى من صور الموجودات التى لا تنتهى، ولم أعد أخاف الوحش الذى كنا ونحن أطفال صغار نتخيله يجوس خلال المقابر ليلا ويأكل جثث الميتين، وكنت أرتعب اشد الرعب وأنا أحس به إحساسا ماديا يمد فمه الهائل ويمزق جثتى تمزيقا وأنا أصرخ وأستغيث دون مغيث. لم أعد أخاف هذا ولا أخشى ذاك، ولم أعد أُعَنِّى نفسى بالقلق من الحساب، لا لأنى ذو أعمال طيبة تكفى للنجاة، فما إلى هذا قصدت، كما أنى لست من أصحاب الحسنات الكثيرة ولا الكبيرة، إنما أنا عبد طامع فى كرم ربه، والله كريم، فما المشكلة إذن؟ ولست أظن أنه سبحانه وتعالى سيخيب ظنى فيه. لا لا، هذا لن يكون أبدا. وكذلك لا أتصور أن يعاقب الله عبده الذى قدم عليه أمس القريب، أيا كان عمله، بل سيتلقاه بلطفه وحنانه وعطفه (اعذرونى، لقد بدأ البكاء المكتوم الآن، ولست أكتمكم أنى أشعر للمرة الثالثة براحة عجيبة وكأنى قد حصلت فعلا على ضمان بأن الله لن يحاسب صديقنا الذى لم أره إلا مرة واحدة فازددت له حبا وبه تعلقا وقضيت الوقت معه فى المستشفى أضحك وأقول له إننى كنت أتصور حين كتب مقالته الأخيرة أنه كان إلى الدعابة يقصد، ولهذا شبهته بالثعلب فى كلمتى التى علقت بها فى جريدة "شباب مصر" على مقاله ذاك، فضحك معى من أعماق قلبه. والآن بعد أن انقشعت سحابة الدمع واغتسلت نفسى أعود لما كنت فيه فأقول:) إننى لا أتصور أن يعاقب الله عبده الذى قدم عليه أمس القريب أيا كان عمله، بل سيتلقاه بلطفه وحنانه وعطفه وسيغسل عنه كل شىء ويعيده طاهرا نقيا كيوم خرج من بطن أمه. هذا ما أتصور أن الكريم المتعال سيستقبل به عبده الذى قاسى ما قاسى من مرض ابتدأت تفصيلاته تصلنى من هذا الصديق أو ذاك، ولم أكن على علم بشىء منها قبلا. فاللهم يا غفور يا رحيم يا حليم يا ذا المن والإنعام، أنا (عبدك المسكين الذى لا يرى نفسه شيئا بالمرة) مطمئن إلى شىء واحد: أنك كريم، وليكن بعد ذلك ما يكون، فلن يغلب كرمَك يا إلهى شىء. وليس لنا أن نتدخل بينك وبينه، فهو عبدك، وأنت أحن عليه منا بل من أمه وأبيه وزوجته وإخوته وأولاده، ولا يحق لأمثالنا أن يتصوروا ولو للحظة أنهم يمكن أن يكونوا أرحم به منك، وإلا كان هذا غباء منا وعبثا لا يصح. واللهم يا رحيم يا حليم يا كريم، ارع عياله من بعده واجعلهم أفضل من أبيهم فى كل شىء، فهو بلا شك سيكون سعيدا فى عالمه الآخر حين يعرف أن أولاده أفضل منه، إن كان الموتى يعرفون أحوالنا وأمورنا.