والطبع فيك غالب!
د.إبراهيم حمّامي
 DrHamami@Hotmail.com
26 نوفمبر 2006


فجأة ودون سابق إنذار، خرج نبيل عمرو يوم 20/11/2006 ليعلن تعليق مفاوضات تشكيل الحكومة، ليتبعه مباشرة باقي عناصر زمرة أوسلو الواحد تلو الآخر، ليعودوا إلى مواقعهم الحقيقية، مواقع التربص والتشهير والفتنة والتخريب، وقد ساءهم أن يكتشفوا أن محاولاتهم المستمرة منذ أشهر لإجهاض الخيار الشعبي الفلسطيني كادت أن تصل إلى نهاية الطريق، وكادت أن تنتهي تماماً مع قرب الاعلان عن حكومة الوحدة الوطنية ببرنامج يرفض التنازل والخنوع والركوع.

الثلاثي نبيل عمرو - ياسر عبد ربه - وعزام الأحمد، ومعهم بعض الصغار ممن يتسمون بناطقين رسميين، بددوا الشكوك تماماً حول نوايا زمرة وعصابة أوسلو، وأزالوا أي غموض ساور البعض عن حقيقة حرصهم على المصلحة العامة، وكشفوا عوراتهم وعورات من يقف وراءهم، وأعادوا استنساخ أنفسهم من جديد، ليكرروا نفس العبارات والشعارات والتهم المعلبة الجاهزة، فالمهم بنظرهم الاحتلال ورضاه التام، والمهم هو الاعتراف بالاحتلال وشرعيته، والمهم هو سحق الخيار الشعبي الفلسطيني، حتى وان لونوا مطالبهم بعباراتهم المقيتة من نوعية برنامج منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامج عباس والتي تعني في نهاية الأمر شيء واحد لا ثاني له، وهو التسليم الكامل والرضوخ، ولا عجب في ذلك فهم أساتذة هذا النهج ولا حياة لهم خارجه، والتوافق والوفاق يعني نهايتهم السياسية للأبد، وكذلك نهاية نهجهم وبرنامجهم وتحويلهم بشكل مبكر لمزابل التاريخ.

ربما يظن البعض أن هذا تحامل شخصي، أو أنه اتهام بلا دليل، أو تهجم على حركة معينة، وحتى نقطع الشك باليقين، لنراجع سوياً ما تفوه به ثلاثي الغدر والفتنة خلال يوم واحد، ولنراجع بعدها ما صرح به الساسة من مختلف الاتجاهات حولهم:

أصوات الفتنة:

* نبيل عمرو افتتح جوقة الشر بمؤتمر صحفي بمدينة رام الله يوم 20/11/2006" أن المشاورات وصلت إلى نقطة حرجة إلى حد ما مؤكدا أن الرئيس لديه خيارات سيعلنها في الوقت المناسب"، ليشدد المستشار الاعلامي لعباس!: " على ضرورة أن يكون الموقف السياسي للحكومة القادمة متطابق بشكل واضح مع موقف الرئيس والتزاماته كرئيس للسلطة الوطنية ولمنظمة التحرير معربا عن أمله في أن تصل الرسالة إلى حركة حماس ونسرع في انجاز هذا المشروع الوطني ونحقق الشراكة الوطنية السياسية ونشكل حكومة قادرة على فك الحصار وإلا فإنه لا لزوم لها"
* عزام الأحمد رئيس كتلة حركة فتح في المجلس التشريعي يقول في تصريحات لقناة العربية في نفس اليوم 20/11/2006"أنه من العبث والملهاة أن تبقي الحكومة الحالية التي يرأسها إسماعيل هنية وفي المقابل نتحدث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية" وأضاف " إن كل التصريحات تثير الريبة وتثير عقلية المحاصصة دون التمسك بجوهر الاتفاق الذي هو تشكيل حكومة لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني والغوص في التفاصيل يدل على تفكير مغاير لذلك".
* في نفس اليوم هددت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" إقليم جنين- بأنها ستقوم بإعلان العصيان المدني الشامل في حالة عدم الإسراع في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية!
* الشيء المسمى ياسر عبد ربه في مؤتمر صحفي بمدينة البيرة يوم 21/11/2006 يقول: "أن الموضوع الجوهري وهو البرنامج السياسي للحكومة والذي سيقودنا لفك الحصار تضعه الأطراف المتحاورة في زاوية النسيان وفي مكان ثانوي جدا حيث يكتفون بالتلميح لوثيقة الأسرى وبرنامج الوفاق الوطني"، وحذر عبد ربه من المساس بمنظمة التحرير الفلسطينية قائلاً "أنها وبرنامجها ليسا للبيع في المزاد"، في إصرار واضح على برنامج المنظمة الذي يعترف بالاحتلال.
* المجرم دحلان، دعي الاصلاح دخل هو الآخر على الخط ليدلي بدلوه، ففي تصريح لتلفزيون فلسطين مساء اليوم قال مهدداً: "أن الرئيس أبو مازن سار مسافات أبعد مما كنا نتوقعها لدرجة انه لا يريد لفتح أن تأخذ مقاعد في الحكومة وقد وافقنا على ذلك واستنفذ ساعات من الحوار والإهانات التي وجهت له من قبل حركة حماس ولكنه صبر مؤكدا أن لهذا الصبر له حدود لأن الرئيس مطالب بتحمل مسؤولياته الوطنية اتجاه الشعب الفلسطيني"، وأضاف "أن التصريحات المتفائلة التي أطلقت في الأيام السابقة هي غير دقيقة وغير محسوبة"، خاتماً بأخس عبارة سمعتها أو قرأتها حتى اللحظة وتعبر عن نفسية هذا المجرم الملطخة أياديه بدماء الشعب الفلسطيني ليقول: "وشعبنا يريد الراتب لا يعنيه من يكون في الحكومة"

ردود الأفعال:

اتهم الدكتور مصطفى البرغوثي، رئيس كتلة فلسطين المستقلة، عصر الثلاثاء21/11/2006 بعض أصحاب المصالح الخاصة، الذين "لا يريدون أن تنشأ حكومة وحدة وطنية"؛ بأنهم يقومون بالعمل على عرقلة هذه الحكومة من خلال الإفراط في نشر الجو التشاؤمي، والتسرع بالإعلان عن انهيار المباحثات، وقال الدكتور البرغوثي "استغرب أنّ الكلام خرج عن تعليق المفاوضات في نفس الوقت الذي كنا مجتمعين فيه بمشاركة رئيس السلطة ورئيس الوزراء في مقر الرئاسة"، داعيا إلى الكف عن هذه التصريحات "التي لا نريدها اليوم".

أكد أمين سر حركة فتح فاروق القدومي في تصريح لصحيفة الخليج نشر يوم 21/11/2006 "أن قوى خارجية تمارس ضغوطات على الداخل من أجل الاعتراف بإسرائيل وأن لا جدوى من إدخال جيش التحرير الفلسطيني قبل خروج الاحتلال"، وأضاف " إن ثمة من يشعرون بأنهم فقدوا وظائفهم بفقدانهم السلطة وجلهم من حركة فتح".

طاهر النونو المستشار الإعلامي في وزارة الخارجية بالحكومة الفلسطينية صرح يوم 21/11/2006 أيضاً قائلاً: إن هذه الجهات تخرج إلى وسائل الإعلام بتصريحات مربكة للواقع الفلسطيني، حيث خرج بعض المسؤولين يتحدثون عن تجميد مباحثات تشكيل حكومة الوحدة"، وأضاف: "إن هذه التصريحات تعتبر تراجعاً للمرة الثانية عن مشروع الوحدة الوطنية، إذ في المرة السابقة جرى التراجع وإعادة الحوار إلى نقطة الصفر، والآن مرة أخرى يجري التراجع بعد أن وصل الحوار إلى مراحل متقدمة"، متسائلاً "ألم تكن هذه الوثيقة هي المطلب الوحيد قبل عدة أشهر وجرى الحديث عن إجراء استفتاء حولها باعتبارها الحل لقضية الحصار؟".

الدكتور إسماعيل رضوان، الناطق الرسمي باسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة قال يوم الاربعاء 22/11/2006: "بعض الرموز في الساحة الفلسطينية ممن لا يريدون وفاقاً وطنياً، هم المسؤولون عن بث أجواء من التشاؤم حيال نتائج الحوارات الجارية، وكأنهم لا يريدون اتفاقاً ينهي معاناة المواطنين ويفك الحصار الظالم عن شعبهم"، وأضاف "يبدو أنّ هؤلاء التوتيريين يحرصون على توتير الساحة الفلسطينية لأجندة خاصة بعيدة عن المصلحة الوطنية العليا، من خلال زعمهم بالحديث عن خلافات"، متسائلاً "هل كان ياسر عبد ربه مشاركاً في الحوارات وهو بعيد عنها وغير ذي صلة بها، ليتحدث عن الخلافات والعقبات؟ ومن نصّبه للحديث عن مصالح الشعب متحدثا بلسانه؟ ثم من يمثل ياسر عبد ربه الآن"؟

لم تكتمل الصورة إلا بتصريح لأحمد عبد الرحمن لوكالة معاً يوم 21/11/2006 معاً قال فيه "ان البرنامج السياسي للحكومة هو الاساس ويجب الاتفاق عليه قبل كل شيء بين المتحاوين ويجب ان يكون مقنعا وواضحا ويكون قادرا على رفع الحصار وان لا يتسم بالغموض ولا بالتردد ".
وتابع " هناك برنامج وطني فلسطيني يجب ان يبنى عليه برنامج الحكومة خاصة ونحن اصبحنا الان في منتصف الطريق نحو الدولة ويجب ان يراعي البرنامج التزامات السلطة واتفاقياتها، والبرنامج الحكومي الاساس قبل الحديث عن كل شيء والى الان لم نرى هذا"، وهذا ما يكذّب وبشكل مباشر رئيسه محمود عبّاس الذي صرح بدوره لصحيفة الحياة بالرياض نشر اليوم 23/11/2006 قائلاً: "أن البرنامج السياسي للحكومة الفلسطينية الجديدة أصبح متوافقاً عليه وأوضح انه يجري حالياً العمل "على معالجة بعض القضايا مثل تهدئة الأوضاع الأمنية وإنهاء مسألة الأسير الإسرائيلي من أجل تشكيل الحكومة الجديدة لتسهيل موضوع فك الحصار".

الخلاصة أنه بعد أسابيع من الحوار والمماطلة والتلاعب بالمشاعر والعواطف عادت عصابة أوسلو لتتنصل من كل شيء، إلا برنامج الاعتراف بالاحتلال وشرعيته، برنامج عبّاس ومن معه، برنامج منظمة التحرير التي أصبح عبد ربه المتحكم فيها وبقرارها، فهل بقي هناك شك لمن يعمل هؤلاء ولمصلحة من؟ وهل هناك جدوى من الاستمرار في الحوار مع هؤلاء من مثيري الفتنة العابثين بالشعب وحقوقه؟ وهل ما زال البعض يعتقد بامكانية الوصول إلى أي اتفاق مع عصابة رهنت نفسها بالكامل للمحتل؟ وأي حكومة تلك التي سيختارها ويقودها أمثال هؤلاء ممن سقطوا أخلاقياً وسياسياً؟ وهل من الممكن الوثوق فيهم؟

ترى ما معنى حكومة مقبولة دولياً لرفع الحصار؟ أليس هذا هو الرضوخ بعينه للاحتلال وابتزازه الرخيص؟ وهل علينا أن نسترضي من أجرموا بحقنا لأننا اخترنا بإرادتنا؟ وما هو التنازل القادم لنسترضيهم إن لم تعجبهم الحكومة القادمة؟ أسئلة نوجهها لأبناء الشعب الفلسطيني، وقياداته الشريفة من مختلف الفصائل!

إن المستفيد الوحيد من اقرار حكومة تحت أي مسمى تلتزم الاعتراف بالاحتلال من خلال برنامج عبّاس أو منظمة التحرير الفلسطينية أو أي برنامج آخر، هو الاحتلال وأذنابه، وأي حكومة لا تنطلق من حقوق الشعب الفلسطيني وثوابته، وترضخ لمطالب حفنة من المأجورين هي حكومة خاضعة خانعة، سواء قادتها فتح أو حماس أو كفاءات أو أي فصيل أو شخصية أخرى، وهي حكومة محكوم عليها بالسقوط السريع والمدوي، وعلى كل من يحاول العبث بحقوق شعبنا وتركيعه أن يعلم أن عقارب الساعة لا ولن تعود إلى الوراء.

المكاشفة والصراحة وفضح نهج التفريط أمانة في أعناق كل من قبل الجلوس معهم، وأولهم قيادة حركة حماس والدكتور مصطفى البرغوثي، ولا يمكن أن نقبل بعبارة "فشل الحوار" دون تحديد المسؤولية الكاملة عمن سبب الفشل وتآمر وتخابر، أما مسؤولية الشعب فلا مناص عنها في حال نجحت هذه العصابة في إفشال الحوار، وعلى الشعب بكافة فئاته أن يخرج عن بكرة أبيه لإسقاط هذا النهج الفاسد المفسد، ولاسقاط من يكنز الأموال باسم الشعب في حسابات شخصية خاصة، ومن يستقدم القوات ويسلحها استعداداً لمواجهة يعد لها في الخفاء، ومن يجتمع سراً وعلناً مع أعداء الشعب، وكل من سولت وتسول له نفسه أن يقف في خانة الاحتلال وأعداء الشعب.

يحضرني مثل شعبي مصري، استقطعت جزء منه لعنونة هذا الموضوع، يقول "نهيتك وما انتهيت والطبع فيك غالب ............" وباقي المثل ينطبق تماماً على هذه الزمرة ممن ارتضوا لأنفسهم الذلة والمهانة، أتركه لكم لتكملوه بمعرفتكم!