تغيير الدين بين الإختيارالحر والواقع الإجتماعي
دكتور/محمد فؤاد منصور
الإسكندرية
m_mansour47@hotmail.com
21 نوفمبر 2006


فى عصور الإنحطاط تبرز الخلافات الفردية والجماعية بشكل لافت للنظر,تنتشر المعارك الصغيرة بين الناس ويتقلص الإنتماء للوطن ويصبح
الإنتماء للعائلة أو القرية أو المدينة أو القبيلة أو الدين هو البديل عن الإنتماء للوطن بل تترسخ الأنانية والأنامالية حتى لايرى الإنسان إلاذاته ولايصبو إلالإشباع رغباته,يصبح كل شخص منكفئاً على نفسه يدافع عن قضايا هى فى الغالب لاتستلفت إنتباه أحد ولاتستوقف المشغولين بهموم الوطن فماجدوى أن يزيد المسلمون واحداً أو ينقص المسيحيون واحداً أو العكس إذا كان الجميع قد تحولوا إلى غثاء كغثاء السيل لاخطر منه ولارجاء فيه.

إن الإنسان كلما أرتفعت حصيلته المعرفية أرتفعت معها إدراكاته حتى يصبح ولاإنتماء له إلا للأسرة الإنسانية بمعناها الأوسع والأشمل فتذوب مثل تلك القضايا الفرعية وتنتفى الزوايا الضيقة للرؤية ويتسع مجال النظر امامه فيرى الكون كله بعين بصيرة وقلب سليم .

من هنا ندرك أننا نعيش هذه الأيام تلك الحالة البدائية للإنكفاء على الذات بحيث يضيق مجال الرؤية امام الإنسان حتى لايرى إلانفسه وإحتياجاته الأساسية البسيطة فتبدو أمام ناظريه ضخمة ويجعل منها قضية القضايا.

لايختار الأنسان جنسه ولاأسمه ولامتى وأين يولد ولامتى وكيف يموت كما أنه لايختار دينه الذى ولد عليه ومن بين هذه المقدرات جميعاً والتى تبدو كثوابت يصعب تغييرها فإن الأسم والدين يبدوان كأضعف الحلقات فى هذه المنظومة من الثوابت, الأسم يمكن للأنسان أن يغيره إذا لم يعجبه وقد لايرضى عن دينه فيرى تغييره كذلك ,لكن الأمر ليس بالسهولة التى تبدو فى الظاهر ففكرة تغيير الدين عموماً لاتنشأ إلافى المجتمعات المتدنية والأوساط التى تنتشر فيها الأمية والجهل بشكل كاسح بحيث يسهل التأثير على أفرادها.

نحن هنا أمام حالة ليست مثل حالات الرغبة فى تغيير الأسم أو محل الإقامة, فالعقيدة التى ينشأ عليها الفرد من الأمور التى يصعب تغييرها إلا بعد دراسة متأنية وتعمق فى الفهم والتفكير.

ولأن مسألة تغيير الدين أو التخلى عنه يحتاج إلى ثقافة عالية وإدراك سليم فإن نفراً من المثقفين ذوى الوعى لايلجأون عادة إلى تغيير الدين وإنما يتخلون مؤقتاًعن طقوسه وتعاليمه الموروثة والمحفوظة دون أن يجاهروا برغبتهم فى التخلى عن الدين بالكلية ,فأنت ترى الإنسان المثقف الذى لايتردد على المسجد أو لايختلف إلى الكنيسة وربما لايحفظ من آيات القرآن أو الإنجيل مايجعله يؤدى صلاته بشكل سليم ليس عن زهد فى الدين أو تخلص من العقيدة وإنما لمجرد أن الدنيا قد شغلته فوجهت أهتمامه وجذبت تفكيره إلى شأن آخر,هناك المسيحى الذى لايؤدى ماعليه من صيام لأنه لايعرف كيف يستغنى عن أكل اللحوم أو لايعرف للحياة طعماً دون تناول الفطائر المصنوعة من الزبد والبيض ويرى في الإبتعاد عن هذه العناصر الغذائية الهامة سخافة لامعنى لها.

مثل هؤلاء المثقفين يختارون تجميد موقفهم من الدين لعدم رغبتهم فى الأصطدام بتعاليمه ,فمابال أولئك الذين لاحظ لهم من وعى أو ثقافة أو إدراك سليم يغيرون الدين بجرأة يحسدون عليها كما يغيرون جواربهم بلا فهم حقيقى أو إختيار مدروس !؟

المسألة إذن لها جانب آخر إجتماعى غالباً فكمية الإحباط واليأس التى تعترى شباب الطبقات الدنيا فى المجتمع نتيجة البطالة الشديدة وإنعدام الفرص وعدم وضوح المستقبل أو الأمل فيه رسخت لديهم الإحساس بالظلم الإجتماعى الواقع عليهم وسهلت على من يداعب أحلامهم وأمانيهم فى مستقبل أفضل مهمته بحيث أصبح تحقيق بعض الرغبات العاجلة إلى جانب الأستفادة من بعض المزايا المادية التى توفرها جماعات الدعوة من جهة أو التبشير من جهة أخرىمثل توفير نفقات الزواج أو ضمان دخل ثابتً يحقق الإحتياجات الأنسانية إلى جانب ضعف العقيدة وعدم رسوخها فى مثل هذه الطبقات الدنيا التى تعانى من العسف الإجتماعى والتى ورثت الدين كمجرد خانة تملأ فى بطاقات الهوية ضمن ماورثته من هموم الفقر وضيق ذات اليد كل ذلك إلى جانب بعض العواطف المراهقة المشبوبة فى هذا السن الصغيرتجعل التخلص من الدين والإنتقال إلى الجانب الآخر أمرأً ميسوراً ولاخطر له.