سياسة بريطانيا الخارجية : إحساس دفين بعجز كبير.!!
بقلم الكاتب الصحفي: عماد عفانة
20 نوفمبر 2006

كان بلير مدهشا ومبتسما ونال كثيرا من الثناء والتصفيق وهو يتحدث أمس الثلاثاء عن السياسة الخارجية لبريطانيا، ولا أخفيكم أنني كنت متفاجأ لما سمعته من حديث لم أكن أتوقعه، حيث اعترف بلير وعلى رؤوس الأشهاد أن السياسية الخارجية لبريطانيا نابعة من:
أولا: إحساس بريطانيا أنها دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها الـ60 مليونا، وأنها تعيش في محيط دولي يتطور باستمرار مما يخلق تهديدات كبيرة لا تقوى بريطانيا على مواجهتها منفردة، الأمر الذي ينم عن إحساس دفين بعجز كبير، وعدد بلير هذه التهديدات وقال أنها تتمثل بوجود عملاقين بشريين واقتصاديين هما الهند والصين التي يفوق عدد سكانها عدد سكان أوروبا مجتمعة، ويقدر لاقتصادها أن ينافس اقتصاد العالم بأسره، من هنا كان على بريطانيا أن تلجأ للتكتل مع أوروبا في الاتحاد الأوروبي، وان تلجأ كذلك للتحالف الاستراتيجي مع أمريكا التي يرى بلير أن أي اتجاه معارض لها في الساحة البريطانية سيعمل على عزل بريطانيا ويسبب لها حرجا وأزمة كبيرة.
ثانيا: أن السياسة البريطانية قائمة على المصالح وليس هناك أي موقع للقيم والمبادئ في عالم المصالح، لذى كان على بريطانيا أن تجاري أمريكا في حروبها وسلامها، انطلاقا من أن أمريكا هي العملاق الاقتصادي الأكبر في العالم والقوة العسكرية الأقوى أيضا وبالتالي ربطت بريطانيا الخائفة مصيرها بمصير هذا العملاق ووضعت خبرتها الاستعمارية العريقة وقوتها المحدودة وجنودها في خدمة السياسة الأمريكية في أفغانستان وفي العراق وفي أي منطقة قد طلبها أمريكا على أمل أن ينالها قسم من الغنائم من جانب، ومن جانب آخر للحفاظ على مكانتها في الساحة الدولية كقوة عظمى حيث أنها في الحقيقة ليست كذلك حيث أن الزمن قد تجاوزها لصالح قوى أخرى.
ثالثا: يقر بلير انه بدون التحالف مع أمريكا فلن يكون لبريطانيا أي وزن معتبر في الساحة الدولية وستفقد مكانتها لقوى لصالح قوى أخرى تتحفز للحلول مكانها، ومن هنا كان الموقف البريطاني المتوافق مع أمريكا في حربها على العراق عدا عن كونها حربا للسيطرة على منابع النفط، فهي حربا للقضاء على أي خصم قد يطمح بان يكون قوة عظمى قد تنافس أو تهدد مصالح أمريكا وبريطانيا ومكانتهما المسيطرة في العالم، وهو ذات المبرر الذي تتخذه بريطانيا للوقوف في وجه المطامح النووية الإيرانية.
رابعا: تتعامل بريطانيا مع الدول العربية الحليفة منها والمعادية على أساس أنها دول ذيلية تابعة لا وزن لها وعليها تلبية كل الرغبات التي تصب في المصالح البريطانية التي هي بالضرورة مصالح أمريكية، فمع إقرار بلير أن مفتاح الحل في الشرق الأوسط هو بحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي- ولم يقل العربي الإسرائيلي- إلا أن هذا الحل لا يجب أن يكون على حساب المصالح الإسرائيلية، وعلى الدول العربية أن تواصل كتم أنفاس كرامتها وعروبتها وقوميتها ومبادئها، وان تواصل الضغط على الفلسطينيين حتى يقبلوا بالحل المقبول إسرائيليا.
كما على دول كسوريا وإيران رغم كونهما مصنفتان دول معادية وإرهابية- مساعدة بريطانيا وأمريكا في حل الأزمات التي تهدد مصالح التحالف الأنجلو ساكسوني، وان تعملا على المساهمة في تبريد الساحة العراقية ونزع فتائل التفجير لضمان تدفق أنابيب الذهب الأسود في خزائن هذا التحالف، فمدى قرب أو بعد أي دولة من هذا التحالف لا يقاس إلا بمدى تحقيقها لمصالح هذا التحالف.
وخلاصة القول أن خطاب بلير بالأمس اظهر بما لا يدع مجالا للشك أن بريطانيا العظمى سابقا لا ترى في نفسها إلا قزما مهددا بالسحق والاندثار ما لم يلتصق بقوة أمريكا العظمى متطفلا عليها لضمان سمعتها ومكانتها الدولية إلى جانب ضمان بعض ما يسمح به العملاق الأمريكي من النفوذ الذي يجر كثير من الغنائم، وليس على العرب الا ان يدركوا هذه الحقيقة وان يتعاملوا على اساسها.