كتابة التاريخ على الطريقة البريطانية
تأليف : سـلوين لويـد
عرض ومراجعـة : الدكتور عبدالقادرحسين ياسين
20 نوفمبر 2006


في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي ، وفي الذكرى الخـمسين لـ "أزمة السـويس" ، أصدرت دارJonathan Cape (واحدة من أشـهر دور النشـر البريطانية) طبعة جـديدة من كتاب سـلوين لويد ، وزير الخارجية البريطانية الأسـبق ، Suez 1956 . وقدأثار الكتاب عند صدوره ردود فعل متضاربة في الصحافة البريطانية ، خصوصاً وأنه يتناول مسـألة كثرت حولها الآراء والتكهنات .

يعرف القراء العرب سـلوين لويد وزيراً للخارجية البريطانية ، أثناء العدوان الثلاثي على مصر في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1956 ، ويجهل الكثيرون أن سـلوين لويد كان من السـاسـة البريطانيين الأوائل الذين التقوا وتفاوضوا مع الرئيس المصري الراحل ، حمال عبدالناصر ، في السنوات الأولى لثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952 . ولعب لويد دوراً بارزاً في المفاوضات التي جرت حول مسـتقبل السـودان ، ودوراً أكثر أهمية في تأسـيس The Central Treaty Organization منظمة المعاهدة المركزية (حلف بغـداد) ، بالإضافة الى دوره المميز أثناء أزمة السـويس ، سـواء في الأمم المتحـدة ، أو في بريطانيا ، أو في المحادثات السِّـرية الي أجراها مع كل من فرنسـا واسـرائيل .

وقد خيَّبَ الكاتب آمال الكثيرين من النقاد ، لأنه - خلافاً لما ورد في مقدمة الطبعة الجديدة - لم يكشـف أسـراراً جديدة ، كما كان متوقعاً. ويرجع السبب في ذلك ، في اعتقادي ، الى أنه على الرغم من كونه وزيراً للخارجية والسـاعد الأيمن لأنطوني إيدن ، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ، الا أن لويد كان شـخصاً غير متميز في منصبه .

ويقول الـدكتور روبرت كوك ، أسـتاذ التاريخ البريطاني بجامعة أكسـفورد ، أن شـخصية إيدن "طغت على شخصية وزير الخارجية" ، وأن الأول كان يحرص على أن "يُسَـيِّر الأمور الخاصة بالحكومة ، والسـياسـة الخارجية بالتحديد ، بنفسـه". ومن هنا جاء كتاب سـلوين لويد بمثابة تفسـير وتبرير لما فعله رئيسـه . أما الحقيقة الثانية فهي صدور كتابين مهمين سـبقا كتاب لويد في الصدور بعـدة سنوات ، وكشـفا الكثير من الحقائق والأسـرار المتعلقة بأزمة السـويس ، وخاصة فيما يتعلق بالتنسـيق البريطاني ـ الفرنسـي ـ الإسـرائيلي ، الذي يحاول سـلوين لويد جاهدا إنكار وجوده .

أما هـذان الكتابان فهـما The Story of My Life لموشـيه دايان ، وزير الدفاع الإسـرائيلي الراحل ، و Suezلشـارل بينو ، وزير الخارجية الفرنسية آنذاك .

ويتضح من الكتاب أن سـلوين لويد بذل قصارى جهده لمعارضة ما ورد في كتابي دايان وبينو ، في بعض المسـائل الثانوية (مثل التضارب في مواعيد بعض الإجتماعات) ، معتقداً أنه ، بذلك ، سـينفي عن نفسـه وعن حكومته صفة التواطؤ مع كل من فرنسـا واسـرائيل .

وقد أكد كل من موشـيه دايان وشـارل بينو ، بما لا يدع مجالاً للشـك ، أن الدول الثلاث (بريطانيا وفرنسـا واسـرائيل) كانت عازمة على وضع حد لحكم الرئيس جمال عبدالناصر ، ولو إسـتلزم ذلك اسـتخدام القوة العسـكرية . فقد تركزت فكرة الإطاحة بعبدالناصر في أذهان زعماء الدول الثلاث حتى قبل أن يقوم الزعيم المصري بتأميم قناة السـويس .

وهكذا جاءت "حملة السـويس" لا للرد على قرار التأميم الذي اعتبره سـلوين لويد "خرقاً فاضحاً للإتفاقية الدولية حول قناة السويس" و "سـببا ًكافياً" لإسـتخدام القوة ضد "دكتاتور حاقد ومصاب بجنون العظمة يريد أن يفرض سيطرته على الممر المائي" [كـذا!!] ، وانما كانت محاولة قامت بها الدولتان الإستعماريتان واسرائيل للإطاحة بحكم وطني في العالم العربي .

كانت بريطانيا أول من شـعر بهذا الخطر، لأنه كان قائما في منطقة نفوذ مباشـر لها ، ولأنها فشـلت ، غير مرة ، في الإطاحة بهذا الحكم أو ثنيه عن عزمـه ، وذلك من خلال وضع العراقيل أمامـه . وعملت فرنسـا ( أثناء حكم مولييـه) على تحقيق الهدف نفسـه ، منذ أن وجدت في النظام الجديد في مصر العزم على دعم الثورة الجزائرية بالمال والسـلاح ، وتأمين التغطية الإعلامية الكافية لها .

ويعترف وزير الدفاع الإسرائيلي الراحل ، موشـيه دايان ، في مذكراته الآنفة الذكر ، بأن دعم الرئيس المصري جـمـال عبدالناصر للثورة الجزائريـة "كان من أهم الأسباب التي دفعت فرنسـا الى تزويد اسـرائيل بكافة أنواع الأسـلحة" .

أما بالنسبة لإسرائيل ، فإن وجود حكم عربي وطني متحرر من القيود التي يمكن أن تمنعه من مواجهة اسرائيل عسـكرياً كان أمراً لا يمكن التسـليم به . وقد عزَّزت هجمات الفدائيين الفلسـطينيين ، المنطلقين من قطاع غزة ، قناعة دافيد بن غوريون ، رئيس وزراء اسرائيل آنذاك ، بضرورة الإطاحة بعبدالناصر ، قبل أن يؤمم قناة السويس ويمنع السفن الإسرائيلية من اسـتخدام هذا الممر المائي . فقد أشـار بن غوريون في مذكراتهIsrael : A Personal History الى إقالة موشـيه شـاريت ، وزير الخارجية آنذاك (حزيران 1956) "لأنه كان العضوالوحيد في الحكومة الإسرائيلية الذي يعارض إسـتخدام القوة العسكرية ضد مصر" ، ورأى بن غوريون أن وجود موشـيه شـاريت في الحكومة "يضر بمصلحة اسرائيل" .

لقد أغفل سـلوين لويد كل هـذه الحقائق ، وضَمَّن كتابه الحجج الواهية نـفـسـها ، الي لم تقنع أحـداً ، حتى في عام 1956.

منذ السـطور الأولى ، فشـل وزير الخارجية البريطانية الأسبق في أن يكون محايداً وموضوعـياً . فقد صرَّح بعدائه الشـديد لعبدالناصر... ويزعم لويد أن كراهيته للزعيم المصري الراحل لم تؤثر على موضوعيته . فقد دفعت الكراهية لويد الى الخوض في التفاصيل اعتقاداً منه بأنه يبرر بها مواقفه هذه. فقد كان دائماً يزعم بأن عبدالناصر "لم يكن أهلاً للثقة ، لأنه لم يحفظ عـهداً".

ويقول لويد أن عبدالناصر "نكث وعداً" قطعـه اليه بأن "تتوقف أجهزة الإعلام المصرية عن مهاجمة بريطانيا" ، اذا ما توقفت الأخيرة عن محاولاتها لإسـتدراج الأردن (أو أية دولة عربية أخرى) الى حلف بغـداد غير العراق... .

ويُرجع لويد تصرفات الرئيس المصري هذه الى "نزعة تآمرية" متأصلة فيه [كذا!!]. كيف توصل لويد الى هذا الإسـتنتاج؟ يسـتند وزير الخارجية البريطانية الأسـبق الى ما قاله عبدالناصر له بأنه منذ أن كان ضابطاً صغيراً ورأى التدخل المُهين لبريطانيا في الشـؤون الداخلية المصرية "بدأ يتآمر للإطاحة بالنظام الملكي والنفوذ البريطاني" .

ولا يرى لويد أن قيام عبدالناصربإخفاء خططـه حول مسـتقبل القناة جزء من سـيادة مصر ، ودفاع عن مصالحها الوطنية ، التي لا يحق لأية جهة أجنبية أن تتدخل بها ، بل يُرجعه الى "النزعة التآمرية" في شخصية عبدالناصر .ولكن لويد لا يرى أي "نزعة تآمرية" في الأسـاليب الي لجأت اليها كل من بريطانيا وفرنسـا واسرائيل في تخطيطها لضرب مصر . ويزعم لويد بأن سوء النية لم يكن متوفراً آنذاك ، وانما الهدف كان "وقف دكتاتور حاقـد عـند حـدِّه " .

هل كانت "حملة السـويس" خطأ؟
هل كان هناك تواطؤ بريطاني- فرنسي- اسرائيلي ؟
هل نجحت الحملة في تحقيق أهدافها؟

على السؤالين الأولين يجيب لويد بـ "لا" ، بينما يؤكد أن الحملة قد حققت أهدافها .
هل ارتكبت بريطانيا خطأ في عدوانها على مصر ؟
في الواقع يشـكل هذا السؤال محور الكتاب ، ويحاول لويد أن يثبت صحته في كل فصل من فصوله . وفي هذا المجال ينقل لويد فقرات من أحاديث وآراء لأكاديميين بريطانيين بارزين ، تجادل بمشـروعـية اتخاذ بريطانيا اجراءات عسكرية ضد مصر ، وبعدم مشروعية تأميم قناة السويس .

إن مزاعم لويد بأن ما قامت به بريطانيا "يسـتند الى القانون الدولي" لا تغير من حقيقة العـدوان الذي قامت به الدول الثلاث ضد دولة مارست حقها الطبيعي (الذي يُقره القانون الدولي العام) بفرض سـيادتها على مواردها الوطنية .

وفي محاولة لتبرير ما قامت به الدولتان الإسـتعماريتان قام لويد بعقد مقارنة بين جمال عبدالناصر والزعيم النازي أدولف هتلر ، وبين "فلسـفة الثورة" و Mein Kampf" " كفاحي" .

وفي كل فصل من فصول الكتاب يذكر المؤلف القارئ بما قام به الزعيم النازي من احتلال قسـم كبير من أراضي تشيكوسلوفاكيا ، وكيف أن الفشل الأوروبي (وخاصة البريطاني) في الرد على خطوة هتلر هذه كانت السبب الرئيس في إشعال الحرب العالمية الثانية ، وما جرَّته على البشرية من ويلات ، وكيف أن الرئيس المصري (وآراؤه المدونة في كتابه "فلسفة الثورة") كان يشكل "خطراً مماثلاً" [كـذا!!] .

ويرفض سلوين لويد ، بإصرار ، وجود أي تواطؤ ، وينكر أن يكون له (أو للحكومة البريطانية) أي علم بالتواطؤ الفرنسي ـ الإسرائيلي ، ويؤكد أن حكومته "علمت بالتنسيق العسكري الفرنسي ـ الإسرائيلي قبل أيام قليلة من وقوع الهجوم الإسرائيلي على سيناء [في التاسع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1956]" .

وحتى لو أخذنا بصحة مزاعم لويد هـذه ، فان الحقائق تؤكد أن الحكومة البريطانية أعدت خطة لحملة عسكرية أطلقت عليها اسـم”Musketeer” في شهر آب (أوغسطس) عام 1956 ، لإحتلال منطقة قناة السويس . ويؤكد موشـيه دايان في كتابه The Story of My Life "قصـة حياتي" أن فرنسـا كانت متواطئة مع اسرائيل ، وأن بريطانيا "كانت على علم بذلك ، وكانت في الوقت نفسـه تنسـق خططها العسكرية والدبلوماسية مع فرنسـا" .

ويمر سـلوين لويد ، مرور الكرام ، على حدث غاية في الأهمية ، وهو موافقة الحكومة الفرنسية ، في أيلول 1956 ، على اعطاء أسلحة متطورة لإسرائيل ، ومن بينها عدد كبير من طائرات "مسـتير" ، ولا يشـير الى التقارير التي نشـرتها الصحف البريطانبة في حينه ، والتي أكدت أن هذه الأسلحة والطائرات كانت تنقل عن طريق القواعد الجوية البريطانية في قبرص .

هل نجحت حملة السويس في تحقيق أهدافها ؟
على الرغم من فشـل العدوان ، وما نتج عنه من هبوط في سمعة بريطانيا وفرنسـا ، فان سلوين لويد يصر على التأكيد بأن العدوان نجح في مجالات مهمة :

* "تثبيت الحكومات الموالية للغرب التي كان عبدالناصر يشـكل تهديداً لها" ، وتقليص نفوذ عبدالناصر . ومن نافلة القول أن العدوان أدى الى تثبيت نظام عبدالناصر ، وأن الحركات العسكرية في المنطقة العربية بدأت تعمل ، منذ ذلك الحين ، للإطاحة بالأنظمة الموالية للغرب .

* يزعم لويد أن "حملة السويس" نجحت في "تأخير أزمة النفط الى العام 1973" ؛ فهو يرى بأن عبدالناصر كان "سـيملي شـروطه الخاصة لإستخدام قناة السويس" ، ونتيجة لذلك "سـيتسنى له الإمساك بشريان النفط الذي يمر عبر قناة السويس بيديه" ، وأن الحملة نجحت في منع الرئيس المصري من القيام بذلك .

إن أي مراقب محايد لا يمكن أن يقتنع بهذه المزاعم لسبب بسيط ، وهو أن بريطانيا ، بصورة خاصة ،(في العراق وايران) والدول الغربية ، يصورة عامة ، كانت مهيمنة على الثروة النفطية في المنطقة ، وأن أكثرية (إن لم يكن كافة) حكومات الدول المنتجة للنفط كانت مُسَـيَّرة من قبل بريطانيا (بإسـتثناء تجربة الدكتور محمد مصدق في ايران) .

لقد استطاعت الدول الغربية ، وطوال ما يزيد على سبعة أعوام ، الحصول على نفط المنطقة ، عن طريق البحر الأبيض المتوسط ، أو عن طريق رأس الرجاء الصالح .

وبـعــد ؛

إن كتاب سلوين لويد يبقى نموذجاً للمواقف البريطانية تجاه الأمة العربية ومشـاكلها ، هذه المواقف غبر الواقعية التي سببت للأمة العربية ، بصورة عامة ، وللشـعب الفلسطيني ، بصورة خاصة ، المآسي التي ما زلنا نعاني منها. والموقف البريطاني الأخير المؤيد للعدوان الأمريكي السـافر على العراق والحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز الماضي خير دليل على ذلك . وعلاوة على ذلك فإنه يبقى تبريراً سطحياً وسـاذجاً لعدوان أجمعت الأسـرة الدولية على ادانتـه ، واعترفت الحكومات البريطانية المتعاقبة بخطئه وقصرنظرأولئك الذين خططوا لـه .

وليس ثمة شـك في أن الكتاب كان سـيكتسـب أهمية أكبر لو كلف المؤلف نفسـه عناء البحث في أسباب فشـل أنطوني إيدن في إدارة الأزمات ، أو في تفهم المنغيرات الدولية ، وتحليل التغييرات التي طرأت على السياسـة البريطانية بعد تأميم قناة السويس .

إن النتيجة التي يمكن أن نسـتخلصها من كتابSuez 1956 هي حقيقة أنه ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، فقدت بريطانيا القدرة على التصرف بحرية (كما اعتادت في الأيام الخوالي ، عندما كانت الإمبراطورية لا تغيب عنها الشـمس) دون اسـتشـارة الولايات المتحدة الأمريكية.

إن معارضة الرئيس الأمريكي آيزنهاور ، ووزير خارجيته جون فوسـتر دالاس ، للعدوان الثلاثي ، لا تعدو كونها محاولة لإفهام بريطانيا ذلك ، و "وضعها في حجمها الحقيقي" .

وقد أدركت الحكومات البريطانية (العُمَّـالية والمحافظـة ، على حـد سـواء ) ذلك ، وأخذت تؤقلم نفسـها للعيش في ظل هذا الواقع الجديد. ولعل ما حدث في العراق يبين الحجم الحقيقي للدور الذي تقوم به كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ، كل على انفراد ، وبالإشـتراك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كـاتب وأكـاديمي فلسطيني مقيـم في السـويد