مصر من الغيبوبة الي الغابه
د. مصطفى عبد العال
19 نوفمبر 2006
mostafaabdelaal@hotmail.com


دون اي مواقف ايديولوجية من النظام الحاكم في مصر ودون اي تحيز انساني تجاه الرئيس مبارك يمكننا القول بدون اي رتوش ان مصر عاشت ربع قرن من الغيبوبة تحت حكم الرئيس مبارك واعوانه فمنذ مقتل الرئيس السادات وتولي مبارك للسلطة, والنظام في مصر يفرز مقولات وصيغ لا علاقة لها باي واقع ملموس فيما عدا تلك الفترة القصيره من الزمن التي عاني خلالها المصريون من صدمة اغتيال السادات في مشهد راته الدنيا كلها وما تلي هذا الاغتيال من دعوة الرئيس الجديد الي لم الشمل من اجل اعادة الاستقرار الي وطن مصدوم من سياسات رئيس راحل جعل خصوماته السياسيه خصومات شخصية ثأرية فدفع حياته ثمنا لهذا الوضع الثأري الذي يجد جذورا في الثقافة المصرية رغم كل مظاهر الدعة بل والخضوع

هذه الفترة الزمنية القصيره نسبيا والتي لم تتعد الثلاث سنوات من عمر نظام امتد لربع قرن سمحت للرئيس ونظامه ان يمرروا ترهات عن الرخاء والديمقراطية واستعادة مصر لدورها العربي دون اي تمحيص او تحقيق لما يطرح ويقال, وما ان اخذت الحياه دورتها وخرج الناس من صدمة مقتل الرئيس السادات حتي بدأ النظام الذي جاء الي السلطة تحت رايات المصالحة والاستقرار الي تقوية ادواته القمعية ليس فقط في مواجهة من قتلوا السادات والذين لم يجدوا تأييدا من الناس لفعلتهم حتي وان تعاطفوا مع قتل الرئيس, بل ان تنشيط الاله القمعية كان لمواجهة كل التيارات مع اضافة نوعيه جعلته قمعا مختلفا عما مارسه النظام الناصري وكذلك نظام الرئيس السادات هذه الاضافة النوعية كان سببها عدم وجود مشروع وطني لا علي الطريقة الناصرية ولا الساداتيه بل ان المشروع كان مرتكز علي اصلاح الصرف الصحي وعمل جسر يخفف من زحام المرور, مما اعطي النظام شكلاجعل الناس تراه بل ويتحدث هو عن نفسه كمجرد شركه للمقاولات وليس كسلطة ودولة ووطن بحجم مصر, هذه الاسباب ادت كما قلنا الي اضافة نوعية جعلت الخلاقات السياسية بين النظام ومعارضيه تنزل الي مستوي نقد شركه تقوم باصلاح طريق وتختلس من ميزانية الاصلاح وليس خلافات حول قضايا الحق في الحرية في مواجهة الحقوق الاجتماعية كما كان الحال مع عبد الناصر او الخلاف حول كون مصر قائد للمنطقة العربية ام وكيل للغرب فيها كما كان الحال مع السادات ,

هذا التردي في مستويات الاختلاف والجدل السياسي ادي الي فرض مناخ خطير في مصر دفع بالناس الي ان تحصر جهدها في السعي وبجهد لا انساني من اجل توفير اساسيات الحياه بينما السلطة تحدث الناس عن رئيس يجوب العالم من اجل البحث عن قروض لاطعام شعب يكاد ان يتضور جوعا هذا المناخ والقبول به ادي الي فرض غيبوبة عامه التفت حول مصر وبنيها فاصبح حواريو النظام لايجدون حرجا في ان يتقيؤ علي الناس مقولات من نوعية(ان اهتمام الرئيس بمحدودي الدخل ينبع من ان الرئيس نفسه من محدودي الدخل) هذا بينما الناس تتحدث فيما بينها وفي اطار الغيبوبة العامة عن عمولات وسرقات تصل الي عشرات الملايين من الدولارات يقترفها النظام وحوارييه ولان للغيبوبة منطقها فقد تصور الجميع حكام ومحكومين ان هذا مناخ مستقر ويمكن ان يدوم دون ان يتفكروا فيما يمكن ان يحدثه من تراكمات سوف تؤدي حتما الي تغيرات ذات ابعاد اخطر من الغيبوبة التي هي في ذاتها وضع شديد الخطورهومن هنا تم الانتقال من الغيبوبة الي الغابة عبر احساس النظام بضرورة تشديد القبضة الامنية لحماية الغيبوبه واستمرارها وردع كل من تنتابه حالة من الافاقه ولان مصر خرجت من اي دور اقليمي يستلزم تقوية الجيش اضافة الي خطورة دعم جيش يشكل دائما المؤسسة القادره علي تغيير النظام قامت السلطة في مصر بترك العنان لجهاز الشرطة الذي يستطيع قمع من يفيق دون ان يتمكن من تشكيل اي تهديد للسلطة نفسها بما لها من(جيش) يحمي الرئيس وعائلته وهكذا اصبح من الحتمي تغيير شعار ان الشرطة في خدمة الشعب فهي ليست مجرد شرطة بل جيش جديد بمهمات جديده وكما حدث اثناء حكم عبد الناصر عندما تحول بعض رجال الجيش الذي كان المؤسسة الاقرب الي قلب الرئيس الي مجموعة من اللصوص والساديين اصبحت الشرطة هي المؤسسة البديله لمؤسسة الجيش الناصريه, وظهر الضابط الذي يرغم مواطن يسعي للمرور عبر نقاط تفتيش الي ان يكون اسير حرب دائرة بين سكان مغلوبون علي امرهم ومماليك جدد يامرون المواطن بخلع سرواله وتقبيل الاحذية ليتفادي الاغتصاب الجنسي

 هذه الوقائع التي لايمكن تصور حدوثها حتي في ظل حراب الاحتلال الاجنبي دعمتها الغيبوبة مما ادي الي قيام ضابط اخر ليس فقط بتهديد المواطن بالاغتصاب بل باغتصابه فعلا وتصوير واقعة الاغتصاب من اجل عرضها علي من يعرفون الضحية لكي لا يتمكن المواطن من الاختفاء داخل الغيبوبه وعدم الحديث عما حدث له وكأنه لم يحدث, هذاالضابط والنظام الداعم له راهنا علي ان الغيبوبة ليست كافية لتعميق انكسار الناس بل ان تعميق الانكسار يجب ان يؤدي الي اقرار منطق الغابة التي يعرف الارنب فيها انه ارنب في مواجهة الذئب الذي يتصرف كذئب, وبالرغم من منطقية هذا الرهان المنحط الا اننا مازلنا بكل السذاجة الممكنه نراهن علي ان الناس حتي وان غابت عن الوعي واصابتها الغيبوبه فمن الصعب بل قد يكون من المستحيل ان تفقد كل القدرات الانسانية والتي منها التفكير في معني الحياه اذا ما اصبحت مليئة بكل هذا الذل والامتهان, هذا التفكير قد يؤدي الي تعميق منطق الغابة بظهور جماعات تغتال رجال الشرطة او تحرق مقارهم وهذا جد خطير اذ انه قد يحول الارنب الانساني الي قنبله متحركه لايستطيع اي ذئب الوقوف في وجهها ولاننا لا نريد ان نصحو من غيبوتنا علي هذا الكابوس فانه من الاجدي والاجدر بمصر وبالمصريين ان تدفعهم قدراتهم الانسانية عبر التفكير والبحث عن استعادة الادمية الي اتخاذ مواقف جماعية تغير النظام من جذوره وتلقي به الي مزبلة التاريخ ونفيق جميعا من غيبوبة طالت فادت بنا الي ان يصبح الوطن مجرد غابه.