القرآن- الموقع والدور: سؤالان وجوابهما
إبراهيم عوض
19 نوفمبر 2006
ibrahim_awad9@yahoo.com


سألنى أحد الصحفيين البحرانيين هذين السؤالين، فكان الجواب كالتالى:
1 -- ليس من الإفراط ولا الاختزال القول بأن القرآن الكريم يحتلّ مركزا محوريا داخل الحضارة الإسلامية، ولكن ثمة أسئلة تُطرح في هذا السياق: ما هو البعد/ الأبعاد التي تؤهل نصّا لغوياً ليحظى بهذه المحورية؟
ج: القرآن ليس كتابا عاديا كأى كتاب، بل هو كتاب سماوى أُنْزِل ليكون نبراسا للبشر جميعا ولينجح فى تغيير مسيرة الحضارة البشرية وليبقى فى لغته الأصلية سليما دون أى تحريف أو تزوير. كذلك وقع التحدى به ولم يستطع بشر حتى الآن أن يخرج لنا كتابا مثله فى تأثيره وتسلطه على النفوس والعقول وإنجازاته العجيبة التى أنجزها وما زال ينجزها إلى وقتنا هذا رغم كل الهوان الذى يسربل حياة المسلمين، ورغم الهجوم الضارى عليه من كل ناحية، وبخاصة من قِبَل الغرب المتقدم القوىّ الذى يحسب أن من حقه التحكم فى مصير الإنسانية وتدمير القرآن والإسلام كله وسَوْق المسلمين بالعصا أمامه كما تساق الأنعام إلى مصيرها الوبيل. القرآن إذن ليس كتابا عاديا لا فى أسلوبه ولا فى القيم التى يبشر بها ولا فيما حققه فى ميادين التاريخ والجغرافيا والأنظمة الاجتماعية والسياسية والأوضاع الثقافية... إلخ. وهو أيضا ليس كتابا عاديًّا من جهة الرسول الذى حمله إلى الناس. إنه، عليه الصلاة والسلام، يأتى على رأس قائمة الأنبياء رغم احترامنا التام لهم جميعا، لكن من المعروف أن الدنيا قائمة على التراتبية، ورسولنا يَقْدُم إخوانه الأنبياء والمرسلين كلهم. وهذا واضح فى إنجازاته المتمثلة أوّلاً وقبل كل شىء فى تربية الجيل الأول من المسلمين، ذلك الجيل الذى إذا ما قارنته بأية جماعة رباها أى نبى من الأنبياء فسوف تدرك ما أقصد. كما أنه واضح أيضا فى التغييرات التى أحدثها دينه فى تاريخ البشرية ومسيرتها الحضارية حتى قبل أن يفارق عليه السلام دنيانا هذه ويلحق بالرفيق الأعلى لدرجة أنه فى غضون بضعة عقود قليلة تحوّل العرب من أمة من الهَمَل إلى أمةٍ سيّدةٍ تحكم العالم وتقوده وتفرض عليه لغتها ودينها، لا بسبيل الإكراه بل بقوة شخصيتها وصلابة إيمانها وتضحياتها والمثل الكريمة التى ضربتها لكل من عنده عين ترى وأذن تسمع وعقل يفكر ويقارن بين حكمهم وحكم غيرهم ومنهجهم ومنهج غيرهم رغم أننا لا نخليهم من العيوب بوصفهم بشرا. وليس مطلوبا هنا من أى شخص إلا أن يقف قليلا ويقارن بين عرب اليوم بل مسلمى اليوم جميعا بمليارهم ونصف المليار وبكل ما تحت أيديهم من إمكانات بشرية وثقافية واقتصادية وإدارية واختصاصيين فى كل المجالات مما لم يكن للعرب منه فى عصر الرسول ولا فِيمْتُو واحد، وبين مسلمى الجيل الأول رغم تدنى الإمكانات التى كانت متاحة لهم بل رغم انعدامها تقريبا، ثم قارن أيضا بين هوانهم الآن وذلتهم وانسحاقهم وتقبيلهم مواطئ أقدام الغرب لعله يرضى ولن يرضى، وبين العزة والكرامة والثقة بالله والنفس والاطمئنان إلى المستقبل وإلى النصر لدى مسلمى الجيل الأول الذى رباه رسول الله بإمكانات لا تزيد تقريبا عن الصفر كما قلت، وعندئذ ترى مصداق ما أقول عن القرآن والرسول الذى حمل إلينا هذا القرآن وتعرف أنه ليس كتابا عاديًّا أبدا.
وعلى سبيل التفصيل تستطيع أن ترجع إلى العهد القديم والعهد الجديد لترى كيف كان أصحاب موسى أو عيسى يتصرفون مع نبيهم رغم المعجزات التى كان يصنعها لهم بإذن من ربه، فسترى أن أصحاب موسى كانوا دائمى الشغب عليه والانفضاض عنه والعصيان له فى أبسط الأمور حتى فى صلب العقيدة، حتى إنه حين تركهم مثلا ومضى لميقات ربه فوق الجبل وعاد فوجئ بصنعهم العجل وعبادتهم له وانتقاضهم على هارون ومحاولتهم أن يقتلوه عندما أراد أن يصدهم عن هذا الكفر. وحين طلب منهم أن يدخلوا معه إلى الأرض المقدسة انفضوا عنه وقالوا له: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون". أما حواريو عيسى فقد تركوه عند مجىء الخطر وأسلموه لأعدائه وهربوا جميعا وأنكروه حسبما هو مكتوب فى الأناجيل ذاتها وبأقلامهم هم أنفسهم، وإن كنا نحن المسلمين لا نؤمن بأن أعداءه قد نالوا منه أى منال. كما أنك تفاجأ بالشتائم التى كان عيسى يوجهها لهؤلاء الحواريين وكبيرهم بطرس واتهاماته إياه بقلة الإيمان بل عدمه. كذلك تبحث وقت الجِدّ والخطر عن المستضعفين الذين كثيرا ما قام عيسى عليه السلام بالمعجزات ليخفف عنهم متاعبهم وأمراضهم المستعصية فإذا بهم "فَصّ مِلْح وذاب" كما نقول فى مصر، وكأنهم لم يكن لهم وجود، وكأنه لم يَنْحَزْ لهم ويعمل كل ما فى طَوْقه لتخفيف الكرب عنهم. وعلى عكس هذا كان تصرف صحابة الرسول محمد عليه السلام كما فى بدر مثلا، وكذلك فى أُحُد حيث فَدَوْه بأنفسهم وشكّلوا ستارا حوله غير قابل للاختراق حَمَى رسول الله من الموت الذى كان يريد المشركون إيقاعه به آنذاك. وفى غزوة الطائف تبعثر عقد الصحابة من حول رسول الله إثر المباغتة العنيفة التى تعرض جيش المسلمين لها، لكنهم ما إن سمعوه صلى الله عليه وسلم يناديهم وينبههم إلى وجوده وثباته حتى رجعوا فورا إلى مواقعهم التى كانوا تركوها فى غمرة المباغتة وأبلَوْا أعظم البلاء وأحرزوا النصر على الوثنية النجسة. ومعروف ما فعله بأنفسهم أولئك الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة مؤتة بتاثير الضعف البشرى، إلى أن تاب الله عليهم. وهذا يعطيك صورة للفرق بين تربية وتربية ومعدن ومعدن وتأثير كتاب وتأثير كتاب آخر. بل إنك لا تجد فى أى من العهدين المذكورين اللذين يشكلان ما يسمَّى بــ"الكتاب المقدس" دعوة إلى العمل ولا إلى العلم ولا إلى النظام ولا إلى النظافة ولا إلى المحافظة على البيئة ولا إلى تغيير أى نظام اجتماعى أو ثقافى... إلخ. خذ مثلا عيسى عليه السلام كما تحكى لنا الأناجيل قصته هو وأتباعه وكيف أنه كلما آمن به أحد طلب منه أن يتبعه ويترك أسرته وعمله. ومن ثم كانوا إذا جاعوا لم يكن لهم إلا طريقان حسبما تروى لنا كتب سيرته: إما أن يقوم هو بتوفير الطعام لهم على نحو إعجازى، ونحن نعرف أن المجتمعات والحضارات لا تقوم على المعجزات، بل على العمل الجاد والإنتاج والإبداع والإتقان والتنظيم وتعاون التخصصات المختلفة، وإلا كان على الرسول أن يبقى مع قومه إلى الأبد جيلا بعد جيل لا يموت ولا يتركهم طرفة عين، وذلك كى يصنع لهم المعجزات كلما احتاجوها، ولسوف يحتاجونها يقينا بهذه الطريقة فى كل خطوة وفى كل ثانية ما داموا يعيشون فى بلادة واستكانة انتظارا لما تسفر عنه المعجزة، وإما أن يهجموا على أول حقل يقابلهم فى الطريق ويقتحموه ويأتوا على ما فيه دون إذن صاحبه كما نقرأ فى الأناجيل. فإذا تصادف أن وُجِدت شجرة يابسة لا تعطى ثمارا يأكلها هو وأصحابه لأنها فى غير موسم الثمر لعنها دون ذنب جنته... وهكذا. وهو أمر طبيعى ما دام قد طلب منهم أن يتركوا دنياهم وأشغالهم ويتبعوه!
أما نبينا فقد كان يُفْهِم أصحابه أن العمل عبادة وأنه قد يكون أفضل العبادات، أى يسبق الصلاة والصيام ذاتهما على ما لهما من أهمية كبيرة فى الإسلام. كما كان ينفّرهم دائما من التبطل والبقاء فى المسجد دون سعى وراء الرزق، ويبغضهم فى مد اليد بالسؤال قائلا لهم إن ذلك لا يليق بالمسلم وإنه كفيل بإخزائه يوم القيامة أمام الخلائق. أما العلم والحث عليه والتحبيب فيه وما قاله الرسول عن حضور الملائكة مجالسه وعن بركة هذه المجالس حتى لتصيب البركة من يتصادف وجوده هناك لأن أهل العلم هم السعداء لا يشقى بهم جليسهم، وكذلك ما قاله عليه السلام من أن العلماء هم ورثة الأنبياء وأن فضل العالم على العابد كفضل البدر على سائر الكواكب، علاوة على أنه عليه السلام لم يُؤْمَر فى القرآن بطلب الازدياد من شىء من ربه سوى العلم: "وقل: رب، زدنى علما"، فكل هذا معروف للقاصى والدانى. ولو فتحنا هذا الباب فلن ينغلق أبدا. ثم إنك لو ذهبت فأنفقت عمرك كله فى البحث عن قيمة النظافة مثلا فى العهدين القديم والجديد فلسوف تصاب بخيبة أمل، لأنك لن تجد من الكتاب الأول أى اهتمام بهذه المسألة، أما فى الثانى فستجد أن عيسى طبقا لما ذكروه هم بأقلامهم كان يحتقر النظافة ويعيب على اليهود المتنطسين شدة اهتمامهم بها. وكان بالإمكان أن يعيب عليهم حرصهم على الشكليات مع عدم الاهتمام الكافى بالجوهر، إلا أنه عاب النظافة قولا واحدا، وهذا غريب. لكنك فى الإسلام تجد شيئا آخر، وهو أن "النظافة من الإيمان". أى أنها ليست أمرا مدنيا فقط، بل هى واجب دينى من صميم الإيمان كما قال الرسول الأعظم. وهذا كله فضلا عن أن النبيين الكريمين إنما أتيا لبنى إسرائيل وحدهم ولمواجهة عيوب خلقية وعقيدية معينة، ثم ينتهى دور دينيهما ويبدأ دور الإسلام بعد مجىء النبى محمد عليه وعلى إخوانه جميعا الصلاة والسلام لأن الإسلام هو الدين العالمى الوحيد. وحتى فى هذين المجالين نجد العجب الذى لا يمكن العقل قبوله، إذ إن صورة الله والأنبياء فى الكتاب المقدس تبعث على النفور، فالله ليس سوى إله خاص ببنى إسرائيل وحدهم، وهو يتصرف كما يتصرف البشر ويعتريه ما يعترى البشر من عيوب ونقائص، أما الأنبياء فما من واحد منهم إلا وقد لوث الكتابُ المقدسُ شخصيتَه ومرّغها فى التراب، فهم قتلة زناة يمارسون الجنس مع المحارم ويتآمرون على عباد الله المخلصين ويكذبون ويسكرون ويعبدون الأصنام ويصنعونها ويصارعون الله ذراعا بذراع ويتطاولون عليه ولا يَرْعَوْن له وقارا وينوحون ويجدّفون فى حقه سبحانه ويكتبون قصائد العشق والغرام الشهوانى الجارح... إلخ. فأين هذا كله، وما هو إلا قطرة من بحر، إزاء القرآن المجيد؟
وأحب أيضا أن أشير فى سياقنا هذا إلى مقالين رائعين ترجمتُهما ونشرتُهما فى كتاب صدر لى مؤخرا بعنوان "نصوص استشراقية إنجليزية عن الإسلام" وفى عدة مواقع مشباكية (منها موقعى الخاص: http://ibrawa.coconia.net/index.htm ومدونتى: http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9) تتحدث فى أحدهما صحفية وأنثروبولوجية هولندية عن الريادة المحمدية لمفهوم الحفاظ على البيئة قبل أن يتنبه العالم كله لهذه القضية بقرون وقرون كما تقول. أما الثانى فيرد فيه كاتب غربى على نظيرٍ له يزعم أن الإسلام دين إرهابى يقوم على العنف والقتل، مبينا له وللقراء بالإحصاءات أن المسلمين رغم كل ما يمكن أن يُتَّهَموا به لم يرتكبوا طوال تاريخهم كله حتى وقتنا هذا إلا كَسْرًا صغيرا مما اقترفه الغرب المتشامخ بتسامحه الزائف والمتباهى بحبه الكاذب للسلام. ويكفى هنا أن نشير، كما فعل الرجل، إلى الإبادة التامة لأمة الهنود الحمر فى أمريكا الشمالية، وكانت تقدر بعشرات الملايين، إن لم يكن بمئاتها، وكذلك إلى الملايين الكثيرة الأخرى التى سقطت أثناء الحربين العالميتين اللتين أشعلهما ذلك الغرب المجرم المنافق. ترى أهذا يكفى أم علىّ أن أستمر إلى ما لا نهاية؟ مع العلم بأنى إنما أكتب على الطائر مَتْحًا من الذاكرة ودون إعداد مسبق أو تنظيم لأفكارى أو مراجعة لأى كتاب أو دراسة!
وعودةً إلى النص القرآنى الذى تتساءل عن سر تأثيره البالغ على النفوس والعقول والضمائر وما يتقوله المتقولون عن بشرية مصدره أُشِيرُ إلى أن لى عدة كتب تهتم بهذه القضية، ومنها كتاب "مصدر القرآن"، الذى لم أترك فيه شاردة ولا واردة مما اتُّهِم به الرسول فى هذا المجال إلا وناقشتها بصراحة تامة: بدءا من اتهامه بالكذب ومرورا بصدور القرآن عن لاوعيه وليس عن السماء أو بأنه عليه السلام كان مريضا بهذا المرض العصبى أو ذاك كالصرع والهستيريا والهلاوس أو أن القرآن يعكس أفكارا أو مشاعر بشرية وانتهاء إلى أنه مأخوذ من الكتب السابقة وأنه لم يأت بجديد ليس عند الأمم الأخرى، وتتبعت كل الطرق التى سلكها هؤلاء المتَّهِمون بالتفصيل الشديد المرهق، فكانت كلها تنتهى إلى لاشىء. وهذا الكتاب يقع فى 350 صفحة تقريبا، وهو موجود لمن يريد الاطلاع عليه على موقعى الذى سلفت الإشارة له قبل قليل. أما بالنسبة لأسلوب القرآن وهل يصح القول بأنه هو أسلوب الرسول فقد خصصتُ لهذا الموضوع كتابا آخر عنوانه: "القرآن والحديث- مقارنة أسلوبية" يقع فى 600 صفحة كلها إحصاءات ومقارنات وتحليلات نصوصية تخلو تماما من العبارات الإنشائية وتدخل دائما فى الصميم واقفة بتريث عند الموضوعات التى تناولها كل من القرآن المجيد والأحاديث النبوية الشريفة والمفردات وكذلك الصيغ الصرفية والتركيبات النحوية والصور البلاغية والأبنية الأسلوبية والفنية هنا وهناك مما لم يكتب فيه أحد من قَبْلُ طوال الأربعة عشر قرنا الماضية. وأرجو أن يكون متاحا لقراء موقعى قريبا بعد أن ينتهى من تجهيزه القارئ الصديق الذى أخذ على عاتقه تصويره وتنزيله فى ذلك الموقع وفى غيره من المواقع الإسلامية والثقافية المختلفة، وأدعو الله ألا يكون ذلك بعيدا، وبخاصة أنه وعدنى، لولا أشغال له عرضت، أن ينتهى منه قبل عيد الفطر الفائت.
******
2- كيف يمكن توضيح أن تقوم حضارة كبرى وتزدهر على مدى قرون وتنتج إسهامات معرفية وحضارية انطلاقا من نصّ يُقَال بأنه يتميز بالرمزية والكثافة اللغوية والإشارية العامة؟ وفي المقابل، لماذا لا يؤدي هذا النص دوره النهضوي مجددا اليوم؟ أهي الدورة الخلدونية أم الترتيبات والاستحقاقات الموضوعية الضاغطة؟
ج: وهل تصدق هذا الذى يقال؟ ترى كيف تقوم حضارة كاملة انطلاقا من كتاب يتسم بالإبهام والغموض والعمومية؟ إن هذا لأمر مضحك! فمن أين أتت كل هذه الإنجازات الحضارية العظيمة إذن؟ أأتت من الهواء؟ لقد كان القرآن هو نقطة البدء والنهاية فى هذه المنجزات، وإن لم يمنع هذا من وقوع الانحرافات هنا وهناك حتى تراكمت تلك الانحرافات مع تطاول الزمن، وتوارت القيم القرآنية الأصيلة تحت هذا الركام، فكان ما كان مما لا نزال نعانى منه حتى وقتنا هذا. إن هناك تلازما واضحا فى تاريخ المسلمين بين التمسك بالقرآن والنجاح فى مجالات الحياة المختلفة من سياسة واقتصاد وعلم وثقافة وصحوة وعمل وإنتاج وإتقان، وكذلك بين التفريط فى التمسك كما ينبغى بهذا الكتاب والتخلف الذى نحن غائصون فيه الآن حتى أذقاننا بل حتى أنوفنا لدرجة أننى أحيانا ما أفزع وأتساءل: ترى هل انتهى تاريخ صلاحيتنا الحضارية؟ أم ماذا؟ ذلك أننا منذ قرون ونحن نتعرض لهجمات الغرب المتتالية علينا دون أن نتخذ من الإجراءات ما يضمن رجوعه عنا. وها هو ذا الغرب يعود فيدمر بلادنا ويقتلنا وينزح ثرواتنا لبلاده للمرة الثالثة على الأقل منذ الحروب الصليبية، ونحن ولا نحن هنا. وأقولها صريحة: إنه لولا أولئك الشبان والرجال الذين يضحون بأنفسهم فى البلاد العربية والإسلامية المختلفة دفاعا عن الأمة والوطن والدين ضد هؤلاء المجرمين الغربيين لكنا قد ضعنا تماما وأصبحنا أخبارا تُرْوَى. لكن إلى متى ستظل جموع الأمة راقدة تتمطى فى فراشها، فراش المذلة والرعب والاستسلام، والدنيا من حولها تتوثب بحركة الحياة، تلك الحركة التى أوصلت أعداءها إلى القمر والمريخ، وهى لا تزال عاجزة عن رصف شوارعها بأيديها رصفا سليما، وهذا أهون عمل ممكن بالنسبة لأمة من الأمم؟
قلتَ إنهم يزعمون أن القرآن يتسم بالعمومية والضبابية، وقلنا إن هذا غير صحيح، والذين يزعمون ذلك يعرفون قبل غيرهم أنهم كاذبون مدلسون، لكنها آلة الإعلام تشارك فى الحرب المعنوية بغية تكسير إيماننا وأعصابنا وضمان استمرار تخثير إرادتنا الخاثرة من تلقاء نفسها فى هذه المرحلة التاريخية البائسة. أيمكن أن يصدق عاقل أن القرآن بالصورة التى يشيعها عنه أعداؤنا؟ إن القرآن موجود بحمد الله بين أيدينا، ويستطيع كل من يريد التأكد أن هذا كذب بواح. وإلا فماذا عن الآيات التى تدعو إلى التوحيد والإيمان باليوم الآخر وتحمل على الوثنية والثنوية والتثليث، أو تلك التى تتحدث عن الصلاة والصيام والزكاة والحج، أو تلك التى تفصل القول فى هذا التشريع أو ذاك كتشريعات الزواج والطلاق والحيض والتوريث والحرب والقتال والأسرى والبيع والشراء والربا والعلم والعمل، أو تلك التى تحذر من التراخى والكسل وإلقاء السلاح والثقة بأكاذيب العدو ووعوده...؟ أوكل هذا ضباب وغموض؟
وعلى كل حال فهناك السنة المشرفة التى تضيف إلى ما لم يفصله القرآن التفاصيل المطلوبة وتبين لنا كيف نتصرف كلما جَدّ وضعٌ ليس فيه نص مباشر، مما كان من ثماره المباركة تلك الثروة الفقهية العظيمة. لكن انظر أيها الصديق الكريم: إنهم يدعون إلى نبذ تلك الثروة بحجة أنها ليست هى القرآن، كما يدعون إلى إهمال الأحاديث هى أيضا بشبهة أن فى القرآن ما يكفينا. وفى ذات الوقت يلتفّون من ورائنا ويأتوننا من الناحية الأخرى قائلين إن القرآن مجرد ضبابيات وتهويمات رمزية لا تؤدى إلى طائل! يعنى ببساطة: ليس فى الإسلام شىء صالح! أرأيت اللعبة المعقدة وكيف يمكن تفكيكها لمعرفة أسرارها وهتك الستار عن العقول الشيطانية التى ابتدعتها لتحطيم الكنز العظيم الذى نملكه دون أن يمدونا بالبديل النافع؟ وها نحن أولاء نتبعهم ونأخذ بكثير مما يأمروننا به منذ وقت طويل، لكن ما نتيجة هذا كله؟ النتيجة هى أننا لا نزال متخلفين رغم السيارات الخارجة لتوها من مصانعها فى أوربا وأمريكا والتى تملأ شوارعنا، والبيوت العصرية التى نبنيها ونسكنها، والآلات الحديثة التى نستوردها ونستعملها، والجامعات التى بُنِيَتْ ووُضِعَتْ مناهجها على آخر طراز ...!
فما السبب يا ترى؟ السبب هو أن المبانى والآلات والمناهج لا تصنع بذاتها تقدما، بل لا بد من العامل البشرى بإرادته ونشاطه وعمله وجده وطموحه وعقله وتفكيره وتنظيمه وإتقانه، وبدون هذا العامل البشرى تظل المعادلة ناقصةً ركنًا من أركانها الأساسية ولا توصل إلى شىء. وكان مالك بن نبى، رحمه الله، يتحدث عن ثلاثة عناصر فى معادلة التقدم هى الإنسان والوقت والأرض، ولو تخلف أى عنصر من هذه العناصر لم نحصل على شىء. وقد سألتَنى: لماذا لا نستطيع الآن أن ننتج الحضارة بهذا القرآن الذى أنتج من قبل حضارة عظيمة؟ والرد سهل جدا، وهو أن نصوص القرآن وحدها لا تنتج شيئا ما لم تتحول إلى اقتناع فى العقول وإيمان فى القلوب وطاقة وحيوية متوثبة على مستوى الفرد والجماعة كليهما. فهل يمكنك أن تقول إن هذا متوفر فى المجتمعات العربية والإسلامية؟ لقد أجاب الرسول على هذا السؤال بطريقته العبقرية حين قال: ليس الإيمان بالتمنى، ولكن ما وَقَر فى القلب وصدّقه العمل. كما قال فى مناسبة أخرى كلمة عظيمة القيمة جديرة بالاستشهاد بها فى هذا الصدد حين أشار إلى صدره مؤكدا أن التقوى ها هنا لا فى المزاعم والادعاءات والتمسك التافه بالشكليات مع إغفال الجوهر وعدم الاهتمام بتحويل الكلام النظرى إلى واقع عملى، وهو ما يحدث فى بلاد المسلمين اليوم بوجه عام: الاهتمام بالشكليات دون الغوص إلى الجوهر. لدينا مثلا جامعات وأساتذة ومناهج وميزانيات بالمليارات تنفَق على العملية التعليمية، لكن الحصاد فى نهاية المطاف هزيل وتافه مخجل. ذلك أن الطالب ليس عنده الدافع إلى التعلم الحقيقى، بل يريد أن يجد كل شىء جاهزا كى يحفظه ويصبه فى ورقة الامتحان، ويا حبذا لو أعفيناه حتى من هذا وقمنا نحن بدلا منه بهذه المهمة دون جزاء منه أو شُكُور، وإلا فليكن ما يتعلمه "كلمتين وبَسْ" حتى لا نرهق دماغه. وتتساءل: ومن أين جاءه إرهاق الدماغ؟ فلا تجد جوابا لأنه لا يشغّل دماغه أصلا ولا يريد أن يتحرك هذا الدماغ، لأن فى الحركة نشاطا، وهو كسائر أفراد مجتمعه يحب الكسل والبقاء فى الفراش، بينما الدنيا من حوله تضج كخلية النحل بالحركة والنشاط والتنافس المسعور على تبوإ المراكز الأولى فى حلبة الصراع! وأنا دائم الاحتكاك بالطلاب وأسألهم كلما واتتنى فرصة أشعر أنهم سيجيبون فيها على سؤالى بصراحة، والذى أخرج به فى كل مرة هو أنهم فى مجموعهم (لا فردا فردا بطبيعة الحال) لا يحبون العلم ولا يتذوقونه ولا يجدون له أية أهمية، ومن ثم يرون أن ما يبذلونه من جهد (رغم أنه، بوجه عام، جهد تافه) هو تضييع وقت فيما لا فائدة فيه ولا عائدة.
صحيح أنه منذ فجر التاريخ حتى الآن والدنيا قائمة على ما يشبه لعبة الكراسى الموسيقية فى تبادل المركز الأول، وإن كنا لا نستطيع الزعم بأننا نعرف قانونا محددا يحكم هذا التبادل، اللهم إلا إذا لجأنا إلى الكلام العام كالقول بأن الجِدّ والعلم والعمل والتنظيم والإتقان... إلخ هى التى تكفل لأصحابها التقدم على الآخرين أو على الأقل: التساوى معهم فى التقدم. لكن لماذا نجد أمما فى بعض فترات تاريخها نشيطة متوثبة طموحة لا ترضى إلا بالمعالى، وفى بعض الأحيان الأخرى كسولة متبلدة لا تشعر بعزة ولا كرامة ولا تثور لما يقع على رؤوسها من إهانة واحتقار ولا تجد بأسا فى التقهقر إلى موضع الذَّنَب ولا تحس بأى دافع للخروج مما هى مرتكسة فيه؟ هذه هى المعضلة التى لو عرفناها فلربما استطاع المصلحون تحريك الهمم الراكدة والعقول الخائرة والنفوس الخاثرة. ولعل هذا ما قصدتَه أنت بإشارتك إلى الدورات الخلدونية، وهو ما يصدق على أمة العرب والإسلام من جانب، إلا أن هذا لا يعفيها بدورها من المسؤولية من الجانب الآخر، إذ الواقع المر الكئيب يصيح بأعلى صوته أن الأمة لا تريد الإفاقة مما هى فيه. إذن فجوابى هو أن الوضع الحالى المتأزم يرجع إلى العاملين معا. ولو كانت الدورات الخلدونية هى وحدها التفسير لما نحن فيه لكان معنى هذا أن الحياة البشرية قائمة كلها على الجبرية، وهو ما لا أستطيع تصديقه لأن العقل يقول بغير ذلك، ولأن إلحاح القرآن على الإرادة البشرية (التى هى منحة من الله ومظهر من المظاهر التى تتجلى من خلالها إرادة المولى سبحانه) يقول هو أيضا بعكس هذا. وهناك آية فى سورة "الحديد" كانت تبدو لى غريبة قبلا، وهى قوله تعالى: "ألم يَأْنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أُوتُوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقَسَتْ قلوبهم، وكثير منهم فاسقون؟". وسبب استغرابى أننى كنت أحسبها موجهة إلى مسلمى الجيل الأول الذين لم يدخروا وسعا ولم يتخلفوا عن تضحية ولا قصّروا فى شىء. إلا أننى تنبهت فيما بعد إلى مغزى عبارة "فطال عليهم الأمد"، ففهمت أنهم ليسوا المقصودين بذلك، إذ لم يكن الأمد قد طال عليهم حتى تقسو قلوبهم إلى المدى الذى يخاطبهم القرآن معه بهذه اللهجة الشديدة. وإذن فهى موجهة إلى أمثالنا من كل من طال عليه الأمد فقسا قلبه ولم يعد يعبأ بقرآن ولا بحديث ولا بتقدم ولا بعزة ولا بكرامة ولا بعلم ولا بعمل ولا يحس أنه إنسان فيه نفحة من روح الله، وليس مجرد كائن حى يأكل ويشرب ويتنفس ويمارس الجنس ويقضى وقته فى التفاهات والمكايدات الصغيرة والمضارّ التى من شأنها إفساد الحياة وإيذاؤه هو ومن حوله، وكان الله بالسر عليما!!!