صلاة القبول لدخول القوات الدولية إلى دارفور !!
عبدالماجد موسى
بريطانيا - شفيلد
19 نوفمبر 2006


هاهي حكومة الإنقاذ أخيراً تستعد لتأدية صلاة القبول لدخول القوات الدولية إلى دارفور بعد أن تمنعت كثيراً فى تأديتها مع الجماعة وأصرت على تأديتها منفردة حتى وإن خسرت بعض الدرجات ، فبعد أن أرهقت نفسها والشعب السودانى بماراثون الرفض المزيف الذى تخللته مؤتمرات وزيارات متتالية لأوروبا فى محاولات يائسة لإيجاد عدة طرق للخروج من هذه المعضلة التى جرتها للوطن أولاً ولنفسها الممزقة ثانياً وتناست أو تحاول أن تنسى تهليلاتها وتكبيراتها و ( حليفتها المغلظة ) بجعل دارفور مقبرة للغزاة ولكل من تسول له نفسه أن يطأها .

فقد عقدت الحكومة فى فترات متقاربة عدة مؤتمرات أو لقاءات صحفية من اللاعبين الأساسيين فى المنظومة الإنقاذية إبتداءً من عبدالرحيم محمد حسين وغازى صلاح الدين مروراً بمجذوب الخليفة ونافع إلى إبراهيم أحمد عمر فرئيس الجمهورية ثم توجتها أخيراً بعلى عثمان طه الذى إتضح أن الإنقاذ تعوّل عليه كثيراً فى الملمات ، والملفت للنظر فى تلك المؤتمرات أو اللقاءات الصحفية أن أنفاس الإنقاذ قد هدأت وأصبحت أكثر عقلانية ومرونة وربما مكر جديد أيضاً ، فقد تلاشت تلك الحدة التى كانت تسبقهم لبث مايريدون من رسائل سامة أو مسمومة .

فكل تلك المؤتمرات لم تكن إلا تهيئة الرأى العام السودانى على أن حكومته المجيدة قد قررت وبكامل قواها العقلية قبول القرار 1706 أو فى طريقها إلى ذلك ولكن بثوب ٍ جديد مع الإكثار فى المتبلات .

لا أدرى كيف تفكر الإنقاذ أو إلامَ ترمى أو ما الذى تريد أن تصل إليه أو تجنيه ويجنيه الشعب السودانى إذا كانت القوات تحت إمرة الإتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة فالأمر فى الحقيقة سيان ، فالدول الإفريقية ممثلة فى إتحادها الإفريقي ستنفذ كل ما يُطلب منها من الأمم المتحدة أو الدول العظمى دون تردد سواءً كان ذلك بشكل علنى أو بطريقة سرية والقوات الدولية إذا دخلت أو أدخلت إلى دارفور تحت مظلة الإتحاد الإفريقى أو غيره ستكون بكامل عدتها وعتادها وتجهيزاتها التى لا قِبَلَ للحكومة بمعرفة ماهيتها أو أغراضها وليس الأمر كما تتوقع الإنقاذ ( يَدْ ورا ويَدْ قِدَّام ) وستـُجـبر الحكومة على تقديم تنازلات إثر أخرى للمجتمع الدولي والدول الغربية فيما كان الأفضل لها أن تفعل ذلك لشعبها دون قيد أو شرط ، فقد كان الأمر بين يديها ورجليها لتفادى كل تلك الضجة فى مهدها عندما أحست بأن المجتمع الدولي بدأ فى التركيز عليها وتأخذ الأمر بجدية وصدق وتبذل الغالى والنفيس لتطوى الملف بالكامل وبشكل يرضى جميع الأطراف قبل تفاقم الأمر الذى أصبح سرطانياً ومخيفاً بدرجة كبيرة .

أما اللقاء الأخير الذى عقده على عثمان طه يوم الأربعاء الماضى 15نوفمبر2006 م والذى بُث بالتزامن وإشتراك عدد من الصحافيين فى كل ٍ من لندن وواشنطن ، باريس برلين ، بريتوريا ، والقاهرة فقد كان قمة فى الدهاء وذلك لجس نبض المجتمع الدولي من جهة ولتبرير رفض الحكومة لدخول القوات الدولية الصرفة من جهة ٍ أخرى ولصرف الأنفس وشق الصفوف من جهة ٍ ثالثة ، ولضمان تلقيها أموال من المجتمع الدولي فى حالة قبولها للقرارمن جهة رابعة وقد جاءت معظم أسئلة الصحافيين محددة ودقيقة مع الطلب والتركيز على تلقى إجابات واضحة وشافية ويبدو أن على عثمان طه قد أعطي كافة الصلاحيات والتفويض الكامل للإجابة على كل الأسئلة والإستفسارات وبما يراه مناسباً وقد بدى الرجل أكثر إرتياحاً لا كما حدث فى مؤتمره السابق فى سبتمبر الماضى مع التركيز على نقطة الخلاف بعدم قبول دخول قوات دولية إلى دارفور ولكن أو ربما يمكن قبول ذلك إذا كانت تحت إمرة أو مظلة الإتحاد الإفريقي أو جاءت مغلفة فى مناديل راقية ومعطرة مع الأخذ فى الإعتبار سد كل الثغرات التى يمكن أن تفوح منها ريح ٌ منتنة ٌ تحرج الحكومة ومؤتمرها الكرتوني الساذج أثناء تأدية صلاة القبول التى مهدت لها ، والحق يقال فالرجل قد أثبت أنه أكثر عقلانية أو تعقل فى التعاطى مع حقيقة الأزمة برغم تعليقه للأخطاء على مشاجب من شاكلة أن ذلك أمر طبيعي وأن هناك أجندة خفية وأيادى مالحة تتحين الفرص لتضع يدها على الثروات الرهيبة فى دارفور فلا غرو فهو من مؤيدى التدخل ولكن بشروط أو بالأحرى موافقة الحكومة السودانية كما كان يردد سابقاً .

أما ما تردده الإنقاذ بأن القرار 1706 قد تجاوزه الزمن أو أصبح فى ذمة التاريخ فغير صحيح البتة وسيطبق بحذافيره على أرض الواقع إذا دخلت القوات الدولية وما مسألة القوات المشتركة إلا مكياج ثقيل لحفظ ماء الوجه الإنقاذى الذى علته البثور ليس إلا ، فما معنى دعم القوات الإفريقية المتواجدة حالياً من الأمم المتحدة ثم المرحلة الثانية مضاعفة الدعم كمّاً ونوعاً والمرحلة الأخيرة دمج قوات الإتحاد الإفريقي مع قوات الأمم المتحدة وتكون القيادة للأمم المتحدة كما أكد الأمين العام كوفى عنان فى أديس أبابا .

حاولت الإنقاذ فى البداية ولا تزال عند تعاطيها مع مشكلة دارفور أن تسوق لبضاعتها الكاسدة أمام الإعلام العربى والغربى بأن ما يحدث فى المنطقة لا يعدو أن يكون إلا مجرد إحتكاك سنوى وعرض أزياء بين المزارعين والرعاة لإبراز مواطن الجمال فى الإقليم ولكن خاب ظنها مما جعلها تعترف بوجود مشكلة حقيقية بعد أن تدخل العالم لأن الأمر أكبرمن أن يُدارى أو يمر مرور الكرام فالعيون كثيرة ويقظة .

الحكومة السودانية الآن وعلى لسان سفيرها فى الأمم المتحدة عبدالمحمود عبدالحليم تعترض ليس على دخول القوات الدولية بل على عددها وتعدادها وتحريك ملف الحركات التى لم توقع فى أبوجا .

فحكومة الإنقاذ كما عهدناها تصيح وتضج وتهدد وتزبد وترعد وتؤلب الشعب وتفتح أبواب الجهاد والنضال والقتال لترهب الطرف الآخر وهو هنا الأمم المتحدة ولكنها ستقبل بالأمر فى نهاية المطاف وهذا ما أكدته جينداى فريزر مبعوثة الرئيس الأمريكى عند زيارتها الأخيرة للسودان قبل صدور القرار الدولي .

والإنقاذ الآن تبحث عن مكان أو فقرة تحفظ لها ماء وجهها لما إرتكبته من أخطاء وتسرع وطيش فى قراراتها وتحركها و لعدم قدرتها على قراءة المعادلات الإقليمية والدولية بصورة ٍ صحيحة فى الأزمات أثناء مشوارها السلطوي مما أدى إلى هذه النتيجة المؤسفة فى حق السودان وشعبه .
والمجتمع الدولي ممثلاً فى الأمم المتحدة قد يكون له سيناريو آخر فى حالة تفاقم الوضع الإنساني ورفض الإنقاذ إدخال القوات الأممية وأولها إستخدام أراضى دول مجاورة للسودان لحماية السكان هناك وسيساعد ذلك على إيجاد منطقة محظورة الطيران وستصدر الأمم المتحدة قراراً آخر لذلك إذا دعت الضرورة وربما توجه ضربات محدودة لمراكز الجيش السوداني والمليشيات التابعة لها فى المناطق الحدودية مما يساعد على سيطرة الفصائل المتمردة وينتج عن ذلك نزوح آخر لقبائل أخرى هذه المرة مما يزيد الأمر سوء ً ، وبذلك يهتز الوضع فى العاصمة التى يبدو أنها تعيش تحت كومة رهيبة من الأسلحة والمتفجرات وقد تؤول الأمور إلى أكثر من ذلك بضرب مواقع هامة داخل العاصمة وما حولها مما يشل حركة الحكومة تماماً ، وقد حدث ذلك من قبل فى يوغوسلافيا السابقة بقيادة سلوفودان ميلوسوفيتش بعد المجازر الرهيبة فى سربرينيتزا وكوسوفو وغيرهما مما إستدعى التدخل الدولي ، فقد تم تعطيل منظومة الصواريخ المتطورة جداً بواسطة قوات الناتو فى دقائق قليلة وتم بعدها تجزئة الدولة وألقي القبض على رئيسها الذى فضل الإنتحار على ما يبدو من سجون لاهاى ولا زال البحث جارياً عن الفارين .