حاميها حراميها...!!
د.عبدالخالق حسين
16 نوفمبر 2006



"حاميها حراميها" مثل شعبي عراقي يقال عندما يتم تعيين شخص بمهمة حماية الناس وممتلكاتهم، يقوم هو نفسه بالاعتداء عليهم وسرقتهم. والسارق يطلق عليه في العراق (حرامي) وجمعه حرامية، لأن المال الذي يسرقه حرام في شرع الله وجميع القوانين الوضعية، فجاء المثل، (حاميها حراميها). وهذا ينطبق على القوات المسلحة العراقية ومليشيات الأحزاب الإسلامية المفترض بها حماية الناس وممتلكاتهم. ولكن في عراق ما بعد صدام أو عراق الفلتان الأمني في هذا الزمن الأغبر، صارت المليشيات الإسلامية التي تدعي أنها تأسست لحماية أرواح الناس وممتلكاتهم من عصابات الجريمة المنظمة والإرهابيين، هي ذاتها الآن تقوم بالسطو والاعتداء على الناس ونهب ممتلكاتهم وخطفهم وفرض الفدية عليهم وترويعهم وحتى قتلهم بمختلف الوسائل الوحشية البشعة التي يندى لها الجبين.
في يوم الثلاثاء 14/11/2006، وفي وضح النهار وحتى أمام وسائل الإعلام، تم هجوم مسلح على دائرة البعثات في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في بغداد، من قبل مجموعة مسلحة يرتدي أفرادها ملابس الشرطة جاءوا في نحو 25 سيارة من سيارات الشرطة، وقاموا باختطاف أكثر من مائة من الموظفين والمراجعين بعد أن تأكدوا من انتماءاتهم المذهبية. معظم الأدلة تشير إلى أن القائمين بهذه الجريمة المروعة هم مزيج من الشرطة العراقية والمليشيات الإسلامية الشيعية. والأدلة هي: جاء الخاطفون بسيارات الشرطة، وبملابس الشرطة، وبعضهم كان يرتدي الملابس الرسمية الجديدة التي صنعت حديثاً في أمريكا وتم توزيعها على بعض أفراد القوات المسلحة قبل أسابيع والتي من الصعوبة جداً تقليدها أو وصولها إلى الإرهابيين. كذلك صرح رئيس الوزراء السيد نوري المالكي أن "ما حدث ليس إرهاباً، بل وقع نتيجة خلاف ونزاع بين عناصر الميليشيات من هذا الجانب أو الآخر" (بي بي سي، 14/11/2006). إن لم يكن هذا إرهاباً، فما هو الإرهاب إذنْ؟ وهذا يعني أن هذه المليشيات هي نفسها مندسة في قوات الشرطة ترتكب الجرائم ضد أبناء الشعب وتنتهك حرمة مؤسسات الدولة. ومتى ما حصل تعكر في ميزاجية قائد الشرطة أو المليشيا، فيقوم بالهجوم على مؤسسة حكومية ويخطف نحو مائة من الموظفين والمراجعين، ومع ذلك فهذا ليس إرهاباً!! كما تم إحتجاز قائد منطقة الكرادة التي تمت فيها عملية الاختطاف وعدد آخر من الضباط والمنتسبين في مديرية الكرادة لتقصيرهم بواجباتهم في حماية تلك المؤسسة الحكومية.
دلالات ومخاطر هذه الجريمة
1- هذه الجريمة تدل على نقلة نوعية مقلقة في تصعيد الإرهاب والاستهتار والفلتان الأمني ومدى الدرك الذي هبط إليه عراق ما بعد صدام حسين، وعجز السلطة في السيطرة على قوات الأمن وضعف الانضباط العسكري،
2- فشل حكومة السيد نوري المالكي في تحسين الوضع الأمني، وحل المليشيات كما وعد في خطابه الذي دشن فيه حكومته قبل أشهر.
3- القوات المسلحة المفترض بها أن تقوم بحماية أرواح الناس وممتلكاتهم، هي نفسها تقوم بترويع الناس وسلبهم وخطفهم وقتلهم على الهوية الطائفية ولأسباب مختلفة.
4- كما ذكر مدرب أمريكي للقوات العراقية في تقرير له رفعه إلى البنتاغون، أن القوات المسلحة العراقية مخترقة من قبل عناصر مليشيات الأحزاب الإسلامية، وعصابات الجريمة المنظمة، والإرهابيين البعثيين وحلفائهم الزرقاويين بنسبة 70%. ولعل هذه النسبة العالية جداً من الاختراق هي السبب الرئيسي في فشل الحكومة في السيطرة على الوضع الأمني.
5- تدل هذه الجريمة على ما أكدناه مع غيرنا، مراراً وتكراراً أن قطاعاً واسعاً من العراقيين لا يحملون أي ولاء للوطن، بل كل ولائهم لشيخ العشيرة ورجل الطائفة والحزب السياسي على حساب الشعب والوطن. وأفراد القوات المسلحة يفتقرون إلى الانضباط العسكري والولاء للوطن.
6- كما أفادت الأنباء، أن المهاجمين اختطفوا السنة فقط. وهذه كارثة تجلب السمعة السيئة للحكومة وللطائفة الشيعية التي كان معظم ضحايا الإرهاب منهم، ويعطي ذريعة للإعلام المعادي للعراق لتأجيج النزعة الطائفية ضد الشيعة في العالم العربي وتبرير قتلهم على أيدي فلول البعث وحلفائهم التكفيريين.
7- هذه العملية الجبانة تكشف الجانب النفسي للمجرمين. فنحن نعرف أن صدام حسين وبدعم من حزبه وآيديولوجيته الفاشية قام بإخصاء الجماهير العراقية وأذلها أشد الإذلال. فبعد سقوط صدام ونظامه، يريد هؤلاء الشباب أن يثبتوا لأنفسهم ولغيرهم أنهم ليسوا جبناء، بل هم شجعان. ولكن بجرائمهم هذه فقد أكدوا على جبنهم أكثر بدلاً من إبعاده عنهم. فهؤلاء الشرطة والمليشيات الشيعية خاصة، بدلاً من أن يحموا الشعب من الإرهابيين، راحوا هم يعتدون على الشعب وعلى الناس العزل. فقد شاهدنا كيف قامت الشرطة بالاعتداء على طلبة جامعة البصرة قبل عامين، كما ويقومون بضرب الشباب الذي يلبسون بناطيل الجينز، وقتل أصحاب الديانات الأخرى، والاعتداء على النساء غير المحجبات وبائعي الخمور ومحلات بيع الأقراص المدمجة وأشرطة الأغاني والموسيقى وقتل حليقي الذقون والرياضيين......إلى آخره من التجاوزات التي تدل على الخسة والدناءة والجبن. تقع كل هذه الجرائم على مسمع ومرأى الجميع، ولكن يتم السكوت عنها من قبل القيادات الدينية والسياسية والحكومية على حد سواء.

8- إن إصبع الاتهام لجريمة يوم الثلاثاء الأسود موجهة إلى الشرطة العراقية، كما ذكرنا آنفاً. ولهذا فعلى الحكومة العراقية أن تبذل كل ما في وسعها لتطهير القوات المسلحة من المندسين في صفوفها. وليعلم هؤلاء الذي جعلوا العراق جحيماً لشعبه أنهم مهما قاموا من جرائم وبلغوا من غطرسة، فهم ليسوا بأقوى من سيدهم صدام حسين الذي كانوا يهتفون له (بالروح بالدم..). لقد ذكرنا مراراً مصطلح (مكر التاريخ)، فالتاريخ لا يرحم، إذ كما انتهى الجلاد صدام حسين، رغم جبروته، في حفرة حقيرة وحكم عليه أخيراً بالإعدام ليلقى جزاءه العادل، فهذا درس لكل المجرمين الصغار والكبار أن نهايتهم هي مزبلة التاريخ.

وختاماً، يجب على حكومة المالكي أن تتبنى الحزم في مواجهة المليشيات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة والإرهابيين، وأمامها فرصة ذهبية بسبب وجود قوات التحالف أن تستفيد منها في هذه المرحلة الحالكة من تاريخ العراق. إن أي إجراء حازم إزاء الإرهاب يكسب الحكومة تأييد الشعب الجريح الذي سأم من هذه الفوضى العارمة. بل يمكن القول أن هناك من كفر حتى بالوطن المستباح وحكومة منتخبة لا تقوى على حماية شعبها، إذ صار هم المواطن البحث عن وسيلة يغادر بها العراق إلى غير رجعة. لذلك فهي فرصة تاريخية للسيد نوري المالكي أن يتدارك الأمر ويثبت قدرته السياسية، وكسب الشعب إلى جانبه وذلك بسحق تنظيمات الإرهاب بما فيها المليشيات المسلحة وبالقوة إذا اقتضت الضرورة، لأن أي تساهل إزاء الإرهاب وأمن المواطنين سيؤدي إلى كوارث ماحقة.