كلام رخيص... لا يليق بفخامـة الرئيس
الدكتور عبد القادر حسـين ياسـين
16 نوفمبر 2006



في المؤتمر الصحافي الذي عـقـده في غزة بعد ظهر أمس وصف "رئيس" السلطة الفلسطينية محمود عباس صورايخ المقاومة الفلسطينية بـ "العبثية"... وأنها "تعطي المبررات لإسرائيل لاستهداف المدنيين".

ويأتي هذا التصريح في الوقت الذي ارتكب فيه العـدو الصهيوني مجزرة بشعة ذهب ضحيتها أكثر من عشرين مواطناً فلسطينياً وأصيب أكثر من ثلاثين آخرين في عمليات قصف همجية ضـد مواطنين آمنين أبرياء في منازلهم وهم نائمون في بلدة بيت حانون المنكوبة...

ويـبـدو لي أنـه غاب عن بال "الرئيس" أن العـدو الإسرائيلي لا يفرق بين منطقة تطلق منها الصورايخ وأخرى هـادئة, وأن ما حدث في بلدة اليامون في جنين من اغتيال خمسة مقاومين من كتائب شهداء الأقصى خير شاهد على ذلك، وان العدو الصهيوني لا يفرق بين الكل الفلسطيني ويضع الجميع في دائرة الاستهداف .

ترددت كثيرا قبل أن أكتب هـذا المقال ، وسبب ترددي أن البعض قد يفسر حديثي هـذا وكأنه "ردح" على الطريقة المصرية ، أو "إنفلات" اللغة، وأن الناس "مـقـامـات" ، وبالتالي فان من العيب أن أخاطب "الرئيس" بهـذا الأسلوب.

إن "العيب" ، في رأيي المتواضع ، ليس في وضع النقـاط على الحروف ؛ وإنما العيب كل العيب أن يصرح من "يمثل" الشعب الفلسطيني بهـذا الموقف المخزي، دون أن يرف له جفن،

إن العيب كل العيب أن نسكت ونحن نسمع عبّاس يتحدث "بإسم" الشعب الفلسطيني ليهين هذا الشعب المناضل ويحتـقـره ، وأن نكون شهود زور على ما يقوم به عباس وبطانتـه.

لـقـد أسـاء عباس ، بهذا التصريح ، حتى لتلك الشريحة من الشعب الفلسطيني التي انتخـبتـه ... لا ينكر أحـد أن ثمة شريحة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قبلت بعباس بناء على برنامج سياسي من 14 نقـطـة ، طرحه عباس في ظل فراغ سياسي ناتج عن وفـاة ياسر عرفات...لقـد تخلى محمود عباس عـن هذا البرنامج تماماً، بل وتنكر له ، وباستثناء النقطة الرابعـة (" التمسك بخيار السلام الاستراتيجي") لم يحافظ على أيّ من النقاط الواردة في البرنامج المذكور...

إن حق شعبنا الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حق كفلته المواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحـدة والقـانون الـدولي... وقـد أثبت شعبنا الفلسطيني ، من خلال قوافل الشهداء التي قـدمها على مدى أربعـين عاما ، أنـه لن يتنازل عن هذا الحق، وعن حقه في الدفاع عن النفس أمام الاعتداءات الإسرائيلية.

لـقـد قرأت (وأعـدت قراءة) تصريحات عباس منذ توليه السلطة قبل عامين وحتى اليوم، ولم أعثر في أي منها على كلمة "مقـاومـة"... باستثناء تلك التي زعم فيها أن " الحكومات في العالم كله لا تتبنى المقاومة" وأن "الحكومة يفترض أن لا تمارسها" وأن "كلمة المقاومة لا تصلح"... يتحدث عباس وكأن الفلسطيني مواطن في موناكو أو لخـتنشـتاين...وأن عليه ـ بالتالي - ان يتحاور مع "العالم الحر" بأسلوب "حضاري" يليق بالمقام...

في الانتخابات الأخيرة التي شهدتها هـنغـاريا ، قـدم رئيس الوزراء البرنامج السياسي لحزبه... وتبين ، فيما بعـد ، أنه خدع الجماهير في برنامجه الانتخابي... وأقامت أجهزة الإعلام الهـنغـارية الدنيا ولم تقعـدهـا، وانطلقت المظاهرات احتجاجـا على الخـداع الذي تعرضت له الأمـة... أما في السلطة الفلسطينية العـتيـدة فيخرج علينا نبيل شعث ، وياسر عبد ربـه ، ونبيل أبو ردينـة ، وغيرهم من الأبواق، لتبرير كل تصريحات "الرئيس" وأفعالـه...

يقف شعبنا الفلسطيني أعـزلا إلا من إرادته وإيمانه بانتصار الحق والحياة، يحمل على كاهله تاريخه المجيـد الذي يـمـتـد مئـة عـام من النضـال... وإن كان هذا التاريخ عبئاً على الكاهل لا يمكن إزاحته أو التخلي عنه، فإن شعبنا الصابر يعرف أن قدره التصدي في وجه هذه الغزوة مهما كلف الثمن ومهما غلت التضحيات .

وفي طليعة هـذا الكفاح المجيـد تـقـف المرأة الفلسطينية ، منارة تعانق السـماء ... إن المقاومة الباسلة للمرأة الفلسطينية في بيت حانون صفحة ناصعة جديدة من صفحات المواجهة مع الـعـدو التي يخوضها شعبنا الفلسطيني ضـد عـدو غاشم فقد كل إنسانية، وملحمة عز وفخار في زمن الذل والانهيار العربي . لـقـد أثبتت نسـاء بيت حانون أنهن أكثر رجولة وشجاعة من كل رؤساء الأركان وقادة الجيوش العربية دون استثناء .....

كنا نتوقع أن يقوم "الرئيس" بتوجيه التحية لأبطال شعبنا الفلسطيني ، أو ـ على الأقـل ـ الاتصال بذوي الشهداء لتهنئتهم وتعـزيتهم.... ولكن عباس لم يكلف نفسـه عناء المشاركة في جنازة واحدة، واكتف ـ بحركة مسرحية ـ بالذهاب إلى مقر بنك الدم المركزي في مستشفى الشفاء في مدينة غزة و "التبرع" بالـدم أمام كاميرات التلفزيون الفلسطيني...

إن المذبحة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في بيت حانون لم تمنع فخامة الرئيس من استقبال الوزير الإسرائيلي السابق أوفير بينيس، الذي قدم استقالته مؤخراً، بسبب انضمام الوزير المتطرف أفيغـدور ليبيرمان للحكومة الإسرائيلية... والبحث معه في "عملية السلام"، و"سبل العودة إلى طاولة المفاوضات"

فعلى الرغم من قتل عشرين فلسطينيا (معظمهم من النساء والأطفال) فان "الرئيس" الفلسطيني يستجدي المفاوضات، أما الاجتماع بإسماعيل هنيـة ، رئيس الوزراء الفلسطيني ، أو مع أهالي بيت حانون فليس من اهتمامات فخامته !

في مقابلة أجرتها معـه مجلة "دير شبيغـل Der Spiegel" الألمانية في 21 شباط 2005 أعلن عبّاس أنه على استعداد لـ "تقديم تنازلات مؤلمة" بالنسبة لموضوع اللاجئين الفلسطينيين... وأنـه "مستعد للتفاوض بشأن المكان الذي سيعـود إليه اللاجئون"، وأشـار إلى أن هناك خمسـة ملايين لاجئ "نعرف أنهم لن يعـودوا جميعـا"، وأكـد أن كثيرين منهم "لا يريدون العـودة" لأنهم يعيشون "حياة كريمة" في الولايات المتحدة أو" سعـداء" في الأردن ... وأضاف : "إننا واقعيون ...وقد تعـلمنا من التجارب الفاشلة بأنه لا يمكن حل مشكلة كهذه ، عمرها قرن خلال 16 يوما ، فقد يحتاج الأمر إلى سنة كاملة للوصول إلى حل شامل"

لا يمر أسبوع دون أن يتحفـنا "الرئيس" أو أحـد أبواقـه بالحديث عن "حقه " في إقالة الحكومة الفلسطينية... وكانت آخر تصريحاته لصحيفة "الشرق الأوسط" السعودية التي زعم فيها أن الحكومة "غير منتخبة" ... وكرر عباس ما قاله غير مرة بأنـه "مستعـد للقاء أولمرت في أي وقت ومكان"... ورغم كل المذابح "ما عنديش مشكلة"...

وسخر عباس غير مرة ، وفي أكثر من تصريح ، من فكرة الهدنة التي اقترحا رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هـنية ، باعتبار أنها "ستمنح الاحتلال فرصة لتثبيت شرعيته" متناسياً أن الهدنة المعروضة مشروطة بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود الرابع من حزيران 1967 ، وخاصة من مدينة القـدس ، وعودة اللاجئين الفلسطينيين ، وإزالة المستوطنات الإسرائيلية ، وإقامة الـدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة ... وينسى "الرئيس" (أو لعـلـه يتناسى ) انه ، وعلى مـدى 13 عـامـا من المفاوضات العبثية (في أوسلو ، وبعـدهـا) لم يستطع منع العـدو من تهويد القدس وضم منطقـة الأغوار وبناء الجدار العـازل..

والسؤال الذي يطرح نغسـة هـو : لمصلحة مَنْ هذه الهجمة الشرسة التي يقودهـا عباس وياسر عبد ربه ومحمـد دحـلان ونبيل شعث وغيرهم من الأصوات المشبوهة ؟!

لست من المدافعين عن "حركة المقاومة الفلسطينية" (حماس) ، فالحركة تملك المئات من الكوادر والكفاآت الفلسطينية للدفاع عن مواقفها. ولا أزايد على أحـد عندما أقول بأنني لا أتفق مع البرنامج السياسي للحركة ، لأنني أرفض أي نظام يقوم على الدين ...ولأنني ضد استخدام الدين في السياسة ... ولكنني ، رغم كل ذلك ، مناصر للحركة لأنها تعبر بصـدق عن طموحات شعبنا الفلسطيني وحقـه في الحياة الحرة الكريمة .

لقد وصلت الوقاحة بياسر عـبد ربه ومحمد دحـلان ، في الأسابيع القليلة الماضية، إلى اتهام الحكومـة الفلسطينية باتهامات لم تصدر حتى عن غلاة الصهاينة و "المحافظين الجدد" في الولايات المتحـدة الذين يملأهم الحقد على شعبنا الفلسطيني.! فـقـد شـبـَّـه دحلان فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بـ "النكبة الكبرى"!

وفي كلمـة ألقـاها في 17 تشرين أول 2006 حول الأوضاع المعيشية في المناطق الفلسطينية المحتلة قال عباس أن "الخبز أهم من الديمقراطية". انـه قول يفتقر إلى الحـد الأدنى من الـذوق والشعور بالمسؤولية ، ويعـود بالإنسان الفلسطيني إلى عصور الظلام...

يريـد عباس أن يقول إنه إذا تطلبت مسألة الحصول على الخبز من الدول الأوروبية المانحـة التي تفرض على الشعب الفلسطيني حصارا ماليا جائرا ، فإنه مستعد للتضحية بالإرادة السياسية الحرة للشعب الفلسطيني من أجل لقمة الخبز التي يقدمها الآخرون.

ولا يحتاج المرء إلى ذكاء خارق لكي يـدرك أبعـاد ما يهـدف إليه "الرئيس" الفلسطيني... ان عباس ـ ببسـطـة ـ يـدعو الشعب الفلسطيني إلى هـدر كرامته مقابل الحصول على رغيف الخبز من الولايات المتـحـدة والاتحـاد الأوروبي... فـهو لا يرى في الأربعـة ملايين فلسطيني في الوطن المحتل أكثر قيمة من رغيف الخبز...

ليس ثمة شك في أن عباس (الحاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية) يدرك جيـدا أن لقمة الخبز التي سيجود بها جورج بوش وتوني بلير وخـافير سولانا لها ثمن فادح، وهو هـدر ما تبقى من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ، وكرامته الوطنية ، ومسخ كل معاني الاستقلال الوطني... ان لقمة الخبز المغمسـة بالـدم التي يـكـدح الفلسطيني من أجلها تعني ـ أولا وقبل كل شيء ـ الكبرياء والكرامة ، ذلك أن العبيـد والأذلاء أعجز من أن يحرروا وطنـا...

ولا يحتاج المرء إلى "دكتوراة في العلوم السياسية" ليدرك أن "المسـاعدات" التي تقـدمها الولايات المتـحـدة والـدول الأوروبية لشعبنا الفلسطيني ليست سوى الثمن الذي تريـد أن يـدفعـه الفلسطينيون بالتنازل عن حقوقهم التاريخية، وأن أقصى ما يمكن أن تجود به هـذه الدول هو فتات تبقيهم على قيـد الحياة شريطة القبول بكل ما تمليـه الولايات المتحـدة وإسرائيل من شروط لا يقبلها إلا كل من تجرد من الإحساس بالكرامة الوطنية.

وبـعــد ؛

إن مثل هـذه التصريحـات كارثة على الفلسطينيين، ولا تقدم لهم سوى روح الهزيمة وتلقي بهم خارج العصر والتاريخ ... هل يبقى 300 مليون عربي على هـذه الصيغة من البؤس واليأس في ظل القوة الأميركية ـ الإسرائيلية المتغطرسة ؟

إن التاريخ لا يصنعه إلا القادرون على صنعه ، وليس أولئك الذين يكتفون بقراءته... كمـا أن الحق والحرية والوطن والكرامة ليست من المعطيات العابرة في التاريخ...

إن أبسـط ما يمكن أن يـقـال في تصريحات محمود عباس وبطانتـه أنـه كلام رخيص لا يليق بقـائـد لشعب يناضل منـذ أكثر من مـئـة عـام ، ولا يمكن أن يـصـدر إلا عن "زعـمـاء" رخصت نفوسهم وارتضـوا بأن يكونوا خدما طائعـين لأسيادهم.

وكمواطن فلسطيني فإنني أشعر بالخجل من نفسي ، وتصيبني قشـعريرة كلما خطر ببالي أن عباس يتحدث باسم عشـرة ملايين فلسطيني...