تأثير نتائج الانتخابات الأمريكية على العراق
د. عبدالخالق حسين
15 نوفمبر 2006


وأخيراً انتهت الانتخابات الأمريكية وأعلنت نتائجها التي جاءت مطابقة لتوقعات الإعلام الغربي بفوز الديمقراطيين. والمعروف أن الغرب يعتمد على عمليات استطلاع الرأي التي تجرى على الدوام لمعرفة مزاجية الشارع والتي هي وسيلة متبعة في جميع البلدان الغربية الديمقراطية تساعدهم على توقع النتائج وتخطيط سياساتهم على ضوئها. لقد نجح الحزب الديمقراطي في السيطرة على مجلس النواب بأغلبية مريحة وعلى مجلس الشيوخ بفارق مقعدين، 51/49. وبذلك فهناك رئيس جمهوري وأغلبية النواب والشيوخ من الديمقراطيين المعارضين للرئيس.

وهذا الوضع ليس بالجديد في أمريكا وغيرها من الأنظمة الرئاسية التنفيذية مثل فرنسا، حيث يتمتع الرئيس بصلاحيات واسعة ومنها حق الفيتو (النقض) على قرارات المجلس التشريعي. إذ واجه الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون هذه الحالة خلال ولايته الثانية حيث كان الجمهوريون هم الأغلبية في المجلسين. أما عهد جورج دبليو بوش خلال ولايته الأولى وسنتين من ولايته الثانية فكان وضعاً شاذاً في تاريخ أمريكا حيث كان رئيس الجمهورية وغالبية أعضاء المجلسين من حزب واحد. لذلك فما حصل الآن ليس شذوذاً على السياسة الأمريكية كما يؤكد المحللون الأمريكيون، بل هو القاعدة. كذلك ليس غريباً على جورج دبليو بوش نفسه أن يتعايش مع أغلبية الديمقراطيين، فعندما كان حاكماً لولاية تكساس، كان الديمقراطيون يهيمنون على البرلمان المحلي، فاستطاع بوش العمل معهم بسلام.

لقد راهن كثيرون، وخاصة العاملون في الإعلام العربي، أن فوز الحزب الديمقراطي الأمريكي في الانتخابات الأخيرة يعني الانسحاب الفوري من العراق وبالتالي، فشل الحملة الأمريكية في تحقيق أهدافها جملة وتفصيلاً. وهذا يعني في حساباتهم فشل دمقرطة العراق وعودة نظام البعث إلى السلطة. إن أقل ما يقال عن هذا الكلام أنه أفكار رغبوية، أي مجرد تمنيات من بعض العرب الذين يتمنون فشل التجربة الديمقراطية في العراق وعودة معبودهم الطاغية صدام حسين إلى الحكم، ولكن الواقع شيء والرغبات العاطفية شيء آخر، ويدل على جهل هؤلاء "المحللين السياسيين" العرب للسياسة الأمريكية. إذ هناك بعض الحقائق يجب أخذها في الحسبان:
أولاً، أن أمريكا هي دولة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة بالوسائل السلمية، أي الانتخابات الدورية، وليس عن طريق الدبابات والانقلابات العسكرية كما هي الحال في عدد من بلداننا العربية. ففي البلدان الغربية الديمقراطية تتغير قيادات الحكومة التنفيذية والتشريعية فقط، أما بقية موظفي الدولة وقوانينها فتبقى دون تغيير، وليس كما في البلاد العربية عندما يحصل انقلاب عسكري، يتغير المسؤولون من رئيس الجمهورية إلى آخر شرطي وفراش في الدولة. إضافة إلى ذلك، فرغم فوز الديمقراطيين في المجلسين، ولكن أعضاء السلطة التنفيذية (الوزراء) يبقون من حزب رئيس الجمهورية.
ثانياً، ليست هناك فروقات كبيرة بين الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، في السياسة الخارجية التي تقررها مصالح أمريكا، وتحددها لجان مشتركة من الحزبين الكبيرين، مستعينين بجيش من المستشارين الأكاديميين، وليس كما في حالتنا العربية، الرئيس الدكتاتور وحده الذي يقرر كل شيء والبقية لا يعرفون سوى الموافقة وفق مبدأ (نعم سيدي).
ثالثاً، لا ننسى أن نواب وشيوخ الحزب الديمقراطي قد صوتوا في البرلمان مع الجمهوريين على شن الحرب على النظام البعثي الصدامي في العراق وإسقاطه، ولا يمكن أن يغيروا موقفهم الآن، فما قيل من انتقادات لإدارة الرئيس بوش بهذا الصدد إثناء الانتخابات، كان للاستهلاك المحلي أولاً، ونقد الأخطاء في إدارة العملية في العراق، أما الواقع العملي بعد الانتخابات فشيء آخر، إذ من الآن بدأ المسؤولون الديمقراطيون يعربون عن أملهم في التعاون مع الرئيس وأنهم لم يطالبوا بالانسحاب الفوري قبل تحقيق الأهداف المرجوة والتي منها بناء القوات العراقية المسلحة المتمكنة من حفظ الأمن في البلاد وحماية الدولة الديمقراطية في العراق، بل كل ما يريدونه هو الوصول إلى نتائج مرضية وإجراء بعض التغييرات في الإستراتيجية، دون أن يذكروا نوعية التغيير. كذلك فالكلام يدور حول جدولة الانسحاب التدريجي مع تسريع عملية بناء القوات العراقية ورفع كفاءتها لتعجيل استلامها لمسؤوليات الأمن. والنواب الديمقراطيون على إدراك تام أن ما يجري في العراق له علاقة بأمن أمريكا ولا يمكن أن يفرطوا بأمن بلادهم على أي حال، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية قادمة بعد عامين من الآن.
رابعاً، نذكِّر مرة أخرى، إن قانون تحرير العراق صدر في عهد رئاسة بيل كلنتون الديمقراطي، ونفذه جورج دبليو بوش الجمهوري. وهذا دليل على عدم الفرق في السياسة الخارجية بين الحزبين.

خامساً، تصرف المسؤولون العراقيون بحيادية تامة وحافظوا على علاقاتهم الجيدة مع الحزبين، ودون أن يمالئوا هذا الحزب على حساب ذاك، سواءً عندما كانوا في المعارضة في عهد حكم الطاغية صدام حسين، أو بعد سقوطه عندما صاروا في السلطة، وهذا موقف جيد يسجل لصالح العراقيين. كما أن هناك جالية عراقية بحدود 300 ألف، يتمتعون بعلاقات جيدة مع المسؤولين الأمريكيين في الحزبين يعملون على تقوية العلاقة بين العراق الجديد وأمريكا.

سادساً، أعتقد أن استقالة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد من منصبه وتعيين روبرت (بوب) غيتس مكانه، مسألة جيدة وربما في صالح القضية العراقية وذلك لان معظم المحللين السياسيين الأمريكيين، سواء كانوا مع الجمهوريين أو مع الديمقراطيين، وحتى المقربين من إدارة بوش، يعتبرون هذا التعديل الوزاري هو في صالح الجميع، بما فيه القضية العراقية. فكما أفادت التقارير عن شخصية روبرت غيتس، أنه يتمتع بكفاءة أكاديمية عالية وقدرات إدارية ممتازة، فهو الوحيد الذي تدرج من موظف عادي في وكالة المخابرات المركزية إلى رئيس لها في عهد الرئيس بوش الأب، كذلك لحد تسلمه المنصب الجديد، كان رئيساً لجامعة تكساس، وعميداً لمدرسة بوش للعلوم السياسية... الخ. كما وكان عضواً في لجنة جيمس بيكر التي زارت بغداد لدراسة الوضع هناك. وهذا يعني أنه يتمتع بمعلومات تساعده على فهم ما يجري في العراق وكيفية التعامل مع الوضع. ولذلك قيّّم معظم المحللين غيتس عالياً ووصفوه بأنه الشخص المناسب في المكان المناسب في التعامل مع الأزمة الحالية.
وهذا لا يعني أن العامين القادمين المتبقيين من ولاية بوش ستكون فترة انسجام وغرام مع الديمقراطيين، ولكن هناك مبالغة في حجم احتمال الصدام بين إدارة الجمهوريين والنواب والشيوخ الديمقراطيين المهيمنين على المجلسين، النواب والشيوخ. إذ "يشك نورمان أورنستاين الخبير السياسي بمعهد أمريكان انتربرايز في أن يحاول الديمقراطيون خفض التمويل للعراق رغم تهديدهم بذلك لان عددا كبيرا من الأمريكيين يعارض هذه الخطوة لأنها قد تعرض القوات الأمريكية هناك للخطر في وقت يبدأ فيه الحزب في البحث عن مرشحين لانتخابات الرئاسة التي تجري عام 2008 ." كذلك يضيف أورنستاين إن الديمقراطيين "سيعقدون جلسات استماع في كل مكان ويجعلون حياته (بوش) صعبة لكن ليس بوسعهم أن يفعلوا أكثر من ذلك. ليس بوسعهم تطبيق سياسة تجعله يغير ما يفعل." (تقرير بي بي سي).
كذلك يطبل معظم الراغبين في فشل دمقرطة العراق أن نتائج الانتخابات دليل على فشل العملية برمتها، وهذا في رأيينا خطأ كبير. أولاً، كان الرأي العام الأمريكي مع إسقاط النظام الفاشي في العراق قبيل شن الحرب. أما الآن فهناك تحول في نسبة معينة في موقف الشعب لا بسبب إسقاط النظام البعثي في العراق، بل بسبب الأخطاء التي ارتكبت بعد الحرب، الأخطاء التي أدت إلى تفاقم المشكلة الأمنية وتزايد عدد القتلى في صفوف العسكريين الأمريكيين والمدنيين العراقيين. إلا إن العملية قد حققت نجاحات لا يمكن الاستهانة بها، منها مثلاً: القضاء على النظام الديكتاتوري البعثي، إنهاء خطر برنامج العراق لانتاج اسلحة دمار شامل، تحقيق الديمقراطية، نجاح الانتخابات البرلمانية، كتابة الدستور الدائم والاستفتاء عليه بنجاح، إلقاء القبض على صدام حسين وأعوانه، إصدار الحكم بالإعدام على الطاغية صدام والمقربين من أعوانه في جرائم ضد الإنسانية... والسير قدماً في بناء مؤسسات الدولة... وغيرها من الإنجازات.
نعم هناك صعوبات تواجهها الدولة الديمقراطية الوليدة، إلا إن معظم هذه الصعوبات هي ناتجة من فلول النظام الساقط وحلفائهم الإرهابيين الإسلامويين من القاعدة وبدعم من إيران وسوريا وحكومات وتنظيمات أخرى تخاف من نجاح الديمقراطية في العراق. وجميع هؤلاء يبذلون قصارى جهودهم لإفشال العملية السياسية، ولكن هيهات أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء. كذلك ما يعانيه العراق من تفشي الطائفية والصراع الدموي بين فئات الشعب هو نتاج مباشر للتركة الثقيلة التي خلفها نظام البعث الساقط. ولكن في نفس الوقت أن منطق التاريخ والظروف الدولية السائدة لا تسمح مطلقاً لأمريكا، سواء تحت قيادة الجمهوريين أو الديمقراطيين، بالانسحاب من العراق قبل التأكد من ضمان الدولة الديمقراطية على البقاء. لأن الانسحاب قبل الأوان لا يعتبر فشلاً للجمهوريين فقط، بل لأمريكا، وبذلك ستفقد أمريكا مكانتها وهيبتها كدولة عظمى. وهذا لن يقبل به لا الحزب الجمهوري ولا الديمقراطي ولا الشعب الأمريكي.
خلاصة القول، إن فوز الديمقراطيين لا يؤدي إلى تأثيرات سلبية على العراق، بل ربما ستعجل في تحقيق النجاح وتعجيل بناء قواته المسلحة وسحق الإرهاب وبناء الدولة الديمقراطية القابلة للبقاء.