مثلث برمودا الفكري: نقاب، وحجاب، وجلباب
نضال نعيسة
sami3x2000@yahoo.com
6 نوفمبر 2006



لم يطأ العرب، والمسلمون أرضاً إلا وانتشرت فيها النزاعات، والحروب، والاقتتال، وفجّروا فيها من المشاكل، والصراعات والخلافات التي لا يمكن أن تحلّ بعمر الزمان. وأما الأراضي، والمناطق التي "فتحها" المسلمون(والتعبير الأدق أغلقها، وقفلها, ورموا مفاتيحها في عقول الفقهاء الجهلاء) ، صارت نكبة على أهلها، وعلى سكانها المسلمين، أولاً، والذين افتقدوا أية قدرة على التطور، والانسجام مع مجتمعاتهم. وهذه "الجيوب" الإسلامية، التي خلفها المسلمون وراء ظهورهم، صارت بؤر توتر مستمرة، وناراً كامنة تحت الرماد، تندلع فيها الحروب، والمذابح، والمنازعات، والاقتتال، بين فينة وأختها. فثمة إشكالية كبرى في هذا العقل المنكوب، المجبول على التوجس، والخوف من الآخر، وتخوينه، وتكفيره، والقائم كلياً على نظرية المؤامرة، والأنا، والتصنيم، وعبادة الذات.

وقد أدت حالة الانكماش، والجمود الفكري، والعقائدي، والاستبداد، والطغيان، التي تشهدها بلاد المسلمين عامة، إلى عملية هجرة، ونزوح كبير، وخروج جماعي من سعير القحط، واليباس، والمراوحة في المكان، إلى بلاد، حباها الله، بنوع من الانفتاح، والتحرر، والإنعتاق من كل الخرابيط، والخزعبلات، والزعبرات، وذهبت نهائياً باتجاه ازدهار اقتصادي، واجتماعي، وسياسي عام.

ولقد وجد العرب والمسلمون في هذه البلدان ضالتهم المنشودة، والملجأ، والمأوى، والملاذ، من بطش أبناء جلدتهم المسلمين، الذين أصبحوا رموزاً دولية، لا يشق لها غبار، في الإرهاب، والتنكيل، والاستبداد. إلا أن هؤلاء المهاجرين الجدد الذين، وبسبب من التركيبة العقلية الخاصة للعقل المشوه المعاق، لم يستطيعوا التأقلم، والتكيف مع هذه المجتمعات الجديدة، وحاولوا إعادة إنتاج المجتمعات التي فرّوا منها هاربين بالقوارب، حفاة، وعراة، تحت جنح الظلام، وبكل ما فيها من ويلات، ومصائب، وآثام. ولذا نشأت حالة استعداء مستحكمة، بينهم وبين هذه المجتمعات، فلا هم بقادرين على العودة إلى مجتمعاتهم الأصلية، التي خرجوا منها، ولا هم بقادرين، بل من المستحيل عليهم، الانسجام، والتكيف، والذوبان في مجتمعاتهم الجديدة، واحترامها، والولاء لها، والإخلاص لهويتهم الوطنية الجديدة، وبقي الولاء القبلي، والديني، والعشائري هو المعيار والأساس، لا بل تم اعتبار أوطانهم الجديدة، على الدوام، كدار كفر، وحرب، وخراب، ولم تحظ من قبلهم بأي نوع من الود، والوفاء. وكانت تلك النتيجة المؤسفة التي نراها اليوم، من ضياع، ودمار، وانتشار للإرهاب، وتخبط، وتشتت، وتوهان، ورغبة عدوانية كامنة للانتقام، في أوساط هذه الجاليات المسلمة في الغرب.

وإن مثلث برمودا الفكري الفظيع، الذي تتكون أضلاعه، من الحجاب، والجلباب، والنقاب يبدو أكثر المناطق خطورة، وسخونة، وقلقاً، ويوشك على تفجير الكثير من الصراعات، ويهدد السلم والأمن، للمغتربين في تلك البلدان. وتبرز مسالة النقاب، التي يتبناها أصحاب الجلباب، كواحدة من أكبر التحديات، التي تواجها المرأة المسلمة في الغرب، الآن. فلا هي قادرة، وبفعل عوامل اجتماعية موروثة، على خلع هذا النقاب، و"التبرج" أمام الكفرة، وعابري السبيل، والغرباء، ولا هي بقادرة على استمرار لبسه، في مجتمعات باتت تنظر بريبة لهذه الظواهر الدنيو- سياسية، بكل ما ينطوي عليه ذلك من تحدٍ للقيم، والعادات الاجتماعية السائدة في تلك البلدان. والأنكى من ذلك كله، أن العقل المشوه ذاته، يرى في كل من لا تتبرقع، وتلبس هذا اللباس، وتتحلى بهذه المظاهر كافرة، ومرتدة، وزنديقة، ويجب التخلص منها، حتى لو كانت بحماية البلاد التي يعيش في كنفها، ويستمر على خيرها. والنقاب، بحد ذاته، يحمل الكثير من المتناقضات، والإشكاليات، التي لا يمكن تفكيك ألغازها البتة. فناهيك عن كونه أصلاً، رمزاً دينياً، وشعاراً طائفياً، وتحريضاً استفزازيا، في مجتمعات علمانية، ينقض، بل قد يقوض أسس وجودها السياسي، وبكل ما تحمله هذه العلمانية من خير للبشرية، هو عادة اجتماعية شكك كثير من المفكرين المسلمين الشجعان، والمتنورين، في ضرورته الدينية، ووجوده، وجدواه، ويبرز السؤال البديهي البسيط التالي، لِمَ تحاول المرأة التي تتنقب، ولا تريد أن يراها أحد ما، الخروج من بيتها، أصلاً،، ولا تلتزم به، وهذا يعفيها من مشكلة الاصطدام، مع الناس، والمعايير والقيم السائدة في هذه المجتمعات. وأنا أرى في تسامح الغرب، إزاء هذه الظاهرة الصحراوية المنفرة، ضرباً من الكرم، الذي لا يمكن أن يتوفر، البتة، للمنقبات، ومن يقف وراءهم من جماعات الجلاليب، والتدين السياسي، والاتجار بالأديان.

وإذا كانت المرأة المنقبة لا تثق بنفسها في مواجهة الرجال، كما تفعل كثير من "السافرات" الكاسيات، العاريات، المتبرجات، فهذه مشكلتها الخاصة، وليس ذنب الآخرين حتى يتحملوا هذه المناظر، وتستفزهم بهذا اللباس، وتفرض زيها، ونظرياتها الغيبية على الناس. والأفضل لها، في هذه الحالة، أن تبقى تحت الأرض، وفي "مخدعها" المحصن كترسانة عسكرية، لا تبرحه طول الزمان، ولكي لا تشوه الوجه الحضاري لهذه المجتمعات، كما أسلفنا. وعلى أن يقوم، في الآن ذاته، جيش من الذكور، والفحول الكواسر الأقوياء، من الأخوة، والآباء، وأبناء العشيرة، والأقرباء، بحمايتها، ومراقبتها، ليل نهار، إذا كانوا يخافون عليها من الانزلاق، والانحراف. وليس ذنبها، في الآن إن لم يقوموا بتربيتها بالشكل الأمثل، كما هو حاصل في كل مكان، والذي يحميها من الانحراف عند مقابلة أول رجل في الشارع، ولكي لا تقع في المحظور، وتفكر في أن تمارس إنسانيتها، وحياتها كالمعتاد. وإذا كانت لا تملك هذه الثقة بالنفس، والالتزام الذاتي، والقدرة الخاصة على مقاومة شتى أنواع الإغراءات، فهي بالتأكيد بحاجة إلى إعادة تربية، وتأهيل نفسي، وتربوي خاص، وليس إلى قطعة نقاب، تتفنن دور الأزياء في عملية النصب والاحتيال في ترويجها، بغرض الكسب المادي، وليس لوجه الله، ولن تفيد هذه "القميشة" في شيء، أو تدفع "البلاء" الأعظم، حين تسيطر على الجميع الغريزة الحيوانية، وتتحرك الشهوات، وتذهب الإنسانية، وتقضي على العقل.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا يعقل أن يكون جميع الرجال، في كل مكان، تتواجد فيه النساء، هم مجموعة من الذئاب البشرية الشبقة المتحفزة للانقضاض على أية امرأة، تلوح لهم، ويرونها أمامهم، وكأننا في غابة عزلاء. وحين تقابل المرأة المنقبة، الرجل بذاك الزي المثير للاستغراب، أي رجل، فهو انتقاص له، وإهانة كبرى لهذا الرجل، على اعتبار أنه رجل منفلت، ولا يمكن الوثوق به، واعتباره مجرد وحش بشري لا يحلل، ولا يحرم، وسينقض، من فوره، على هذه المرأة، بمجرد أن يخلو له الجو، وهذا مناقض للعقل، وللسلوك البشري الإنساني السوي العام، الذي يتمتع به معظم الرجال، وللاحترام المتبادل بين الناس. وهنا لا ننكر أن هناك بعض الشواذ، والمغتصبين الذين يمكن أن يتسببوا بأذى وضرر، للنساء، ولكن الاستثناء لا يمكن أن يصبح قاعدة، ومقياساً على الدوام، وهي أشياء نادرة الحدوث في كل زمان، ومكان.

ومن الجدير ذكره، وهو الأهم على الإطلاق، أن عادة التنقيب، تنتشر فقط، وبكثرة في المجتمعات الذكورية المطلقة، والتي يكون فيها عملية فرز اجتماعية حادة بين الجنسين، وتشديد، ومنع للاختلاط، وتكثر فيها المثلية الذكورية، والأنثوية، على حد سواء، ولم يستطع "التنقيب"، والتبرقع، والاختفاء من منع انتشار أمراض اجتماعية، وجنسية، ونفسية قاتلة شلت تلك المجتمعات. أما في المجتمعات المفتوحة والمتحررة من هذه العلل، والآفات، والتي تحاول جماعات الإسلام السياسي، التي لا تملك، عموماً، أية برامج تنموية وتوعوية وحضارية إنسانية اللهم دغدغة العواطف الغرائز والنزوات، إدخال النقاب إليها للقضاء عليها، وإعادتها إلى عصور الذكورة، والفحولة والحرملك والانحطاط، فالمرأة مجرد كائن عادي لا يثير انتباه الذكور، وقد لا تثير فيهم أية نوازع "شيطانية" ونزوات، كما هو الحال في المجتمعات الذكورية الشاذة المعروفة التي شلّتها هذه الرؤى القاصرة، والنظريات.