From :desertheart75@yahoo.se
Sent : Tuesday, October 31, 2006 9:02 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : تقرير


 إنجازات حكومة حماس : بين أوهام البرنامج الانتخابي وحقيقة برنامج الحكومة

إعداد / إيهاب عبد السلام
باحث وكاتب


مقدمة :
يسعى هذا التقرير إلى تسليط الضوء على المعطيات الحقيقية ـ لا الشعاراتية ـ الخاصة بعمل حكومة حركة حماس التي مضى على تشكيلها واستلاها لمهامها قرابة السبعة أشهر ، وسنحاول فيه تناول موضوعة الانجازات التي يمكن للحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها حركة حماس عقب نجاحها في الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير ـ كانون ثاني 2006 ، أن تعتقد أنها انجازات ، وقد بدت للبعض من مؤيدي حماس أنها بالفعل انجازات حقيقية ، غير أن التدقيق في المعطيات والسلوك والأرقام يبرهن على وهمية الانجاز ، الذي يظل انجازاً فقط في أذهان من أرادوا أن يسموه كذلك اعتباطاً ، وسنسعى في قابل الأيام إلى تنظيم قياس دوري لحجم الانجازات ومن الموضوعية هنا أن نتوقف عند الإخفاقات التي يمكن أن تكون قد تسببت بها هذه الحكومة ، ولن نتوقف هنا عند مؤشرات نحن من يحددها ، بل سنؤسس لمنهجية قوامها أن يعتمد قياس الإنجاز أو الإخفاق على ما ورد من أهداف تسعى الحكومة إلى إنجازها ضمن البرنامج الانتخابي الذي قدمته قائمة التغيير والإصلاح التي شكلتها حركة حماس لخوض الانتخابات التشريعية الثانية في كانون أول عام 2006 .

بدا من الواضح ، منذ اللحظة التي تشكلت فيها الحكومة العاشرة ، أن الأوضاع الفلسطينية تتراجع بشكل متسارع وتزداد سوءاً مع مرور الوقت ، فمنذ تسلم الحكومة الفلسطينية العاشرة لمهامها بتشكيلتها الكاملة من حركة حماس ومجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية وحتى الاجتماعية في فلسطين تعيش تدهوراً غير مسبوق على كافة الصعد وفي شتى الميادين.

يعيش المواطن الفلسطيني حالة اضطراب وارتباك في التفكير في ظل الحروب الكلامية وأحياناً الاشتباكات العسكرية ، متسائلاً عما كان يسمعه ويقرؤه في برنامج حركة حماس الانتخابي ، وبين ما يراه من سلوكيات على الأرض ، فإذا كان هذا هو التطبيق والانعكاس الحقيقي لبرنامج حماس ، فإنه يتوجب عليها أن تعيد النظر في برنامجها وسياساتها وتكتيكاتها المرحلية ، بعد أن فشلت فشلاً ذريعاً في تطبيق ولو ما نسبته واحد بالمائة من برامجها البرّاق ؛ أما إذا كان البرنامج الانتخابي لا يعكس بالمطلق أهداف الحركة وبرامجها ، فعلى الشعب حينئذ أن يعيد النظر في تقييمه لمن يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول.

قراءة في الشعار والتطبيق
ركز البرنامج الانتخابي لحركة حماس على أن "قضية تحرير فلسطين تتعلق بدوائر ثلاث ، الدائرة الفلسطينية ، والدائرة العربية ، والدائرة الإسلامية ، وكل دائرة من هذه الدوائر الثلاث لها دورها في الصراع مع الصهيونية" ، وهنا نتعجب ، ماذا فعلت حكومة حماس في هذه الدوائر منذ تسلمها مهامها ؟ فعلى صعيد الدائرة الفلسطينية يتبين أن الوطن يعيش حالة تنمو فيها الظواهر التالية: ازدياد الفقر، استفحال الفلتان الأمني ، حصار اقتصادي وسياسي ، وحدث ولا حرج ، أما على صعيد الدائرة العربية فللمرة الأولى تتجرأ بعض الأنظمة العربية على اتخاذ مواقف علنية ضد الفلسطينيين والمقاومة وتجاهر بالسير في ركاب الولايات المتحدة وإسرائيل ، وبشأن الدائرة الإسلامية فإننا لم نسمع سوى عن بعض التظاهرات في بعضها ، وحتى أكثر هذه الدول تشدداً وثورية لم تستطع أن تقدم شيئاً من مساعدة ، لأنها ببساطة لا تريد سوى ادخار القضية الفلسطينية كورقة مساومة لا أكثر.

جاء في الفصل الأول من البرنامج الانتخابي لحركة حماس والذي كان بعنوان (ثوابتنا) وفي الفقرة السابعة تحديداً أن الحركة تعتبر أن "تعزيز وحماية الوحدة الوطنية الفلسطينية من أولويات العمل الوطني الفلسطيني" ، ومن المعروف اليوم أن هذا الشعار قد أصبح في خبر كان ، حيث تعيش الجبهة الداخلية الفلسطينية أسوأ أحوالها منذ قرون ، بعد أن استباحت حركة حماس حرمة الدم الفلسطيني وباتت تمارس لأول مرة في العصر الحديث أسلوب تصفية الحسابات الداخلية الفلسطينية بوسائل دموية جعلتها تزهق أرواح عشرات الأبرياء دون وجه حق ولاعتبارات تنظيمية البعض منها يعالج حسابات داخلية بين تيارات حماس المختلفة ، لدرجة أصبح معها الدم الفلسطيني الذي كان يسمى في يوم من الأيام خطاً أحمر عبارة عن "خط مشاة" يدوسه كل من أراد ورغب دون وازع من ضمير أو دين أو أخلاق.

وفي الفصل الثاني من البرنامج الانتخابي الذي كان عنوانه (في السياسة الداخلية) ، فقد ورد في البند الثاني "المحافظة على التواجد الفلسطيني في القدس ودعم ذلك سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ومقاومة محاولات العدو تهويد القدس، وحماية المقدسات الفلسطينية الإسلامية والمسيحية من التدنيس الصهيوني" ، كلام لا يختلف عليه اثنان ، ولكن وأثناء الدعاية الانتخابية لمّح بعض القادة الفلسطينيين إلى احتمالية تأجيل الانتخابات بسبب عدم موافقة إسرائيل على مشاركة فلسطينيي القدس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية ، فخرج بعض قياديي حماس يعلنون أن الانتخابات ستجري في موعدها ولا ضرورة لعقد الانتخابات في القدس ، حيث يمكن لسكانها أن يدلوا بأصواتهم في رام الله مثلاً ، تنازلت حماس عن القدس كعاصمة لفلسطين أو حتى كجزء من فلسطين وليس عاصمة ، في مقابل ماذا كان هذا التنازل عن أهم خط أحمر في القضية الفلسطينية ؟؟ مقابل أن تجرى الانتخابات وتحصل على عدد من المقاعد في المجلس التشريعي ، فأين الفعل وأين القول؟؟!

ونتساءل هنا ما هي طبيعة الإجراءات التي قامت بها حكومة حماس لإعمال هذا البند ؟ والجواب يعرفه الصغير قبل الكبير ، وهو أنها لم تفعل شيئاً على الإطلاق على هذا الصعيد ، بل إن ظروف أهلنا في القدس قد ازدادت بؤساً في الآونة الأخيرة بفعل مجموعة من الإجراءات الإسرائيلية التي لم يتوقف عندها أحد من ولاة الأمر الجدد في زحمة انهماكهم في محاولة لي ذراع الحركة الوطنية وتنصيب أنفسهم سلطة أبدية تتحكم برقاب الفلسطينيين ومصائرهم ما تبقى في عمر الحياة الدنيا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وفي البند الثالث ورد ما نصه "الحريات السياسية، والتعددية، وحرية تشكيل الأحزاب، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة تعد الإطار الناظم للعمل السياسي الفلسطيني، وضمانة الإصلاح ومحاربة الفساد، وبناء مجتمع مدني فلسطيني متقدم" ، وفي البند الرابع جاء "تعميق أواصر الوحدة الوطنية، واعتماد لغة الحوار والاحتكام إلى العقل لحل الخلافات الداخلية وتحريم الاقتتال وكل أشكال استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في الإطار الداخلي" ، أما في البند الخامس فقد ورد "العمل على تثبيت احترام الحريات العامة (حرية التعبير عن الرأي، الإعلام، والتجمع، والتنقل، والعمل...) كواقع معاش للشعب الفلسطيني" ، وفي السادس "الدم الفلسطيني من المحرمات في المجتمع الفلسطيني، والحوار فقط هو المنهج المقبول لحل الخلافات الفلسطينية الداخلية" ، وأخيراً في البند السابع جاء "تحريم الاعتقال السياسي ورفض مصادرة الرأي" ، وهنا لابد أن تكون لنا وقفة طويلة مع هذه النصوص الرائعة في الصياغة والتي تم شطبها كلياً من برنامج حكومة حركة حماس ، فقدت أصبحت ولأول مرة في فلسطين حرية الرأي والتعبير في خطر شديد ، وأصبح أصحاب الكلمة تحت طائلة الإساءة والتهديد والوعيد ، وبدأت حملات الاتهامات بالتخوين والردة والطعن في وطنية الناس بالجملة تطال حملة الأقلام ، وتم تصنيف كل من يعلق على أداء حكومة حماس بأنه من أصحاب الأقلام الصفراء والأقلام المأجورة ، وتم الاعتداء على الصحفيين ومنهم الصحفي المتميز موفق مطر والصحفي خالد بلال ، وتم إحراق إذاعة صوت العمال ، وتلقت إذاعات الحرية والشباب تهديدات متتالية ، وكذا الأمر مع تلفزيون فلسطين الذي دعا العشرات من قيادات حماس عناصرهم إلى التوجه إليه وإحراقه في أقرب وقت ممكن ، وهذا ينطبق على الصحف اليومية والمواقع الإعلامية الإلكترونية التي تم اتهامها بأنها تتلقى تمويلاً خارجياً من أجل الوقوف في وجه "الحكومة الرشيدة" ، وبدأت سياسة تكميم الأفواه تأخذ منحى خطيراً بعد أن تم الاعتداء بالضرب المبرح وإطلاق الرصاص على المتظاهرين المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع يطالبون بحقوق مشروعة لا يمنعها عنهم إلا مجرم وظالم ، وهكذا أصبحت الشعارات الواردة في البنود السالف ذكرها وكأنها لم تكن في عرف من يعتقدون بأنهم يمثلون الحقيقة المطلقة ويحتكرون المعرفة وبالتالي فإن من يعترض على منهجهم لابد وأن يكون على ضلال.

جاء في الفصل الثالث من البرنامج الانتخابي والمعنون (في العلاقات الخارجية) ، وتحديداً في البند الأول "توطيد العلاقات مع العالم العربي والإسلامي في جميع المجالات، بوصفه العمق الإستراتيجي لفلسطين، والانفتاح على بقية دول العالم" ، وفي البند الرابع "بناء علاقات سياسية متوازنة مع الأسرة الدولية تضمن المشاركة الفاعلة في المجتمع الدولي، وتحافظ على وحدة الأمة وسيادتها الوطنية وتقدمها، وصون حقوقها وحماية قضيتها - وفي مقدمتها القضية الفلسطينية- ورد العدوان عنها" ، أما في البند الثامن فقد جاء "إعادة الاعتبار للحقوق الفلسطينية، في المحافل العربية والدولية، وخاصة حق التحرر من الاحتلال، وعودة اللاجئين، وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة، واستصدار المواقف والقرارات الداعمة لها" ، وفي التاسع "دعوة المجتمع الدولي للمساهمة الفاعلة في دعم إعادة تأهيل المدن والقرى وتوفير البنية التحتية لها" ، وعلى هذا الصعيد يمكننا القول أن حكومة حماس قد حققت انتكاسة رهيبة في مجال العلاقات الخارجية والاتصالات السياسية بين السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي ، فبرفضها الإقرار بقرارات الشرعية الدولية وتنكرها لمبادرة السلام العربية التي تشترط إعادة كافة الحقوق العربية السليبة قبل التطبيع بين العرب وإسرائيل ورفضها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني أعادت حكومة حماس القضية الفلسطينية خمسين عاماً إلى الوراء ، وتمكنت خلال بضعة أشهر من نسف العديد من العلاقات المتميزة التي كانت تربط الشعب الفلسطيني بمحيطة العربي والإسلامي والإقليمي والدولي ، وبممارستها إستراتيجية أذن من طين وأخرى من عجين أغلقت حكومة حماس كل أبواب المساعدة والعون التي كان المجتمع الدولي يقدمها للشعب الفلسطيني وأدخلت الاقتصاد الوطني في مجموعة أزمات يحتاج ربما إلى عقود من أجل الخلاص منها .

وأعلنت حماس في برنامجها الانتخابي أنها سوف تستند في علاقاتها مع المنافسين وفقاً للقانون وعلى قاعدة صيانة الوحدة الوطنية وعدم توجيه الاتهامات لأحد بدون براهين وأدلة ومحاكمات عادلة ولم تجز الحركة الطعن أو التشهير بالأفراد أو الجماعات ، على اعتبار أن المؤمن ليس بطعانٍ ولا لعان ، ولكن الممارسة على أرض الواقع شيء مختلف تماماً ، فحركة حماس لم تستطع الخروج من إطار المعارضة ، فهي ما زالت تعارض وتلقي الاتهامات جزافاً هنا وهناك ، فتارة يكون المستهدف هو الرئيس محمود عباس ، وتارة قادة من حركة فتح ، وإن لم يكن أحد من هؤلاء فعلى الحكومة أن تعارض الموظفين ، يجب عليها في كل مرة أن تبدع وتُعمل عبقريتها في البحث عن شماعة تلقي اللوم عليها.


لم نعتد أبداً في تاريخ السلطة الوطنية الفلسطينية أن تطلق ألقاب واتهامات بالخيانة والعمالة والردة والنفاق والتآمر والانقلاب ضد من يطالب بحق أو يقول كلمة حق ، كان الرئيس الشهيد ياسر عرفات رحمه الله محاصراً في المقاطعة برام الله والدبابات الإسرائيلية على أبوابها في وقت كان المعلمون فيه يُضرِبون ويطالبون بزيادة على رواتبهم ، ولم يخرج أحد ليخوّنهم لأن حقهم في الإضراب والاحتجاج مكفول حسب القانون ، ولم تخرج الحكومة لتضع عن كاهلها المسؤولية وتلقي بها على ظهر الرئيس بالقول أن لديه الملايين ولا يريد صرفها للموظفين ، هل أصبح الرئيس وزيرا للمالية ؟؟!! أعلى الرئيس أن يتغاضى عن أخطاء الحكومة وقصورها القاتل في أداء واجباتها ؟؟ وحتى في هذه الجزئية فإن وزراء آخرين من ذات الحكومة يعودون وينكرون ما ذهب إليه زملاؤهم من اتهامات باطلة بحق الرئيس ، خصوصاً فيما يتعلق بالشق المالي من عمل الحكومة.

وفي الفصل الرابع من البرنامج الانتخابي الذي كان عنوانه (في الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد) ، وفي البند الرابع منه فتقول حماس "إعادة صياغة سياسة التوظيف العام بما يضمن تكافؤ الفرص لجميع أبناء الشعب الفلسطيني على قاعدة الكفاءة ومحاربة المحسوبية والوساطة والفئوية والحزبية في التعيينات والترقيات في جميع المؤسسات العامة ودوائر الدولة" . كلام رائع لا ينقصه سوى التطبيق ، ولكن حقيقة ما حصل أن قطاع الوظيفة العامة كان على آخر سلم الأولويات للحكومة ، فهُضمت حقوقه ، ومورست بحقه سياسات الإقصاء والتهميش ، وأكملت "الحكومة الرشيدة" فعالياتها ضد هذا القطاع بأن أوقفت كافة قرارات الترقيات والتعيينات التي اتخذتها الحكومة السابقة بذريعة التضخم الوظيفي.

كان من الممكن أن يتفهم المجتمع الفلسطيني هذه الخطوات لولا أن الحكومة قامت بإنشاء جهاز أمني خاص ـ بعدة وعتاد ـ يبلغ قوامه اليوم حوالي ستة آلاف فرد جديد مع إمكانية دائمة لتوسيعه ، فمن أين للحكومة كل هذه الاعتمادات والمصادر المالية للإنفاق على هكذا جهاز ؟؟ وهي التي تذرعت بأن الصندوق فارغ وهناك تضخم وظيفي وعليه ألغت القرارات السابقة ، ما زاد الطين بلّة أنها قامت بتوظيف ما يزيد عن أحد عشر ألفاً من الموظفين الجدد ، إضافة إلى سبع وستين وكيلاً ووكيلاً مساعداً جميعهم ـ بلا استثناء ـ من أبناء حركة حماس ، لا ندري كم وزارة لدينا من أجل تعيين هذا العدد من الوكلاء ؟؟!! وأين ذهب الوكلاء السابقون ؟؟!! ثم أنها قامت باختراق كبير عندما ارتضت لنفسها أن تعين على الفئات العليا في الجهاز الحكومي شباباً حديثي العمر والتجربة من حملة الشهادات العلمية الدنيا ، وبذلك تكون كمن تناول طعامه من طبق كان قد بصق فيه من قبل !!!

تباهى رئيس الحكومة في خطبة نارية له في ملعب اليرموك بمدينة غزة أن حكومته لم توظف أكثر من مائتي موظف جديد ، وعلينا أن ننوه بأن حديث الأرقام في خطاب السيد رئيس الوزراء فيه لي لعنق الحقيقة ، والتفاف على الوقائع ، ويكفينا أن نتوقف عند المائتي وظيفة التي أعلن عنها في خطابه على أنها كل ما عينته الحكومة ، ونتساءل أليس عدد 5700 الذي تتشكل منه القوة التنفيذية هو موظفين جدد ، وآلاف الوظائف الجديدة في قطاعي التعليم والصحة ، ناهيك عن وزارات تم استحداثها ـ كما وزارة اللاجئين ـ من الفرّاش إلى الوزير ، إضافة إلى ملء الشواغر في كل وزارات السلطة ، إلى جانب مئات المرافقين والحرس للسادة الوزراء والنواب ، كل هؤلاء لا يتعدى عددهم 200 شخص ؟!!

وفي الفصل السابع والمسمى (في السياسة التربوية والتعليمية) ضمن البرنامج الانتخابي أشارت حماس للسماح بمنح رخص للجامعات النوعية (الخاصة وغير الربحية) ، وبدلاً من ذلك بذلت كتلة التغيير والإصلاح (حماس) في المجلس التشريعي ـ من خلال لجنة التربية والتعليم ـ عدة محاولات للسيطرة على جامعة القدس المفتوحة وتحويلها إلى جامعة حكومية ، لماذا ؟؟! لأنها أكبر جامعة فلسطينية من حيث عدد طلبتها وهي كالدجاجة تبيض ذهباً ، وذلك كخطوة أولى للسيطرة على مؤسسات منظمة التحرير والانتقال منها للأكبر منها ، هل أصبح منح الرخص للجامعات معناه السيطرة عليها ؟؟ أم يجب أن تكون الجامعات تابعة لها قلباً وقالباً حتى تكون جامعات وطنية ونوعية ؟؟!!

وفي الفصول التي تلت ، يتحدث برنامج حركة حماس عن السياسات الخاصة بالشرائح الاجتماعية كالشباب والأطفال والمرأة وغيرها من الجوانب ذات الطابع الخدماتي والتربوي والتوجيهي ، ويغازل البرنامج هذه الشرائح بتعبيرات متعددة ، ولكن واقع الحال في ظل الإفلاس المطلق الذي تعانيه حكومة حماس جعل من العبارات التي وردت في هذه الفصول بمثابة قصائد شعر لها أول وليس لها آخر ولكن القاسم المشترك الوحيد بينها أن تقوم على الفارغ من القول دون أية إمكانية ـ ولا بحال من الأحوال ـ لإعمالها على شكل برامج ولوائح تنفيذية وخطط تجد من ينفذها في ظل غرق الحكومة في تفاصيل معقدة هدفها ترسيخ كيانها الحكومي ذو اللون الواحد والانتصار للفئوية البغيضة على كل اعتبار مهني وأخلاقي.

نستكمل البرنامج الانتخابي في فصله السادس عشر والذي تحدث بإسهاب وثقة عن (السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية) ، وقال "تنفيذ برنامج طموح للإصلاح المالي والإداري في جميع مؤسسات وأجهزة السلطة ، واستخدام المساعدات الدولية بالصورة المثلى التي تحقق أهداف التنمية الشاملة بعيداً عن الهدر وسوء الاستخدام ، وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال ذلك". بدأت الحكومة برنامجها الطموح ، ولم تقم بأدنى واجباتها تجاه العاملين في أجهزتها الوظيفية ، فقطعت الرواتب عنهم ودعتهم للعيش على الزيت ، ألم تعلم الحكومة بأن الزيت غالي الثمن ؟؟ وأن الموظفين وصلوا للحد الذي انقطع فيه الزيت والزعتر من بيوتهم ؟؟ ألم تعلم الحكومة بأن تكلفة العيش على الزيت وفق مركز علمي تابع لجامعة بيرزيت تبلغ ثلاثة مليارات دولار سنوياً ؟؟ هنا يأتي الشق الآخر من البند السادس عشر والقائل "بحسن استخدام المساعدات الدولية" ، عن أي مساعدات يتحدثون ؟؟ فمنذ استلامهم الحكم واجهت فلسطين شهوراً عجافاً انقطعت عنها المساعدات وزاد عليها الحصار وتفاقمت أعباء المواطنين.

تعليقات
تعتقد حكومة حماس أن أحد أهم انجازاتها أنها لم تعترف بإسرائيل ، ومهم هنا التأكيد على أن الاعتراف بإسرائيل لم تُقدم عليه فتح ، فكيف تطالب حماس بذلك ، الجهة التي اعترفت بإسرائيل ووقعت معها اتفاقات كانت هي منظمة التحرير الفلسطينية.

تعتقد الحكومة أنه من غير الواجب عليها أن تسعى لتأمين متطلبات المواطن ، معتبرة أن هذه ليست من مسؤولياتها ، والواضح هنا أن حكومة حماس تحتاج إلى من يقول لها أنه يجب الفصل بين مسؤوليات الحكومة على أرض السلطة الوطنية وأيديولوجية التنظيم ، في الأولى نحتاج إلى جهود وبرامج وأموال وقوانين وخطط معلنة ، وفي الثانية يمكننا أن نكتفي بالشعارات والأدبيات السياسية.

تدعي الحكومة أنها اتخذت عدة خطوات لكسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني ، وتتفاخر بأنها أحدثت عدة اختراقات مهمة في هذا الحصار ، فيما يبرهن الواقع المعاش على أن الحصار يزداد صلابة ومتانة ويطبق على شعبنا من كل جانب ، ونتساءل هنا : إذا كنا نرفض الاعتراف بالمبادرة العربية ونرفض شروط الرباعية ونعتقد بأن قرارات الشرعية الدولية ظالمة ومجحفة وبأن ساحتنا الداخلية والأصوات المعارضة فيها لنهج الحكومة هي أصوات صهيو أمريكية ومرتدة ومارقة وخائنة وكافرة ومنافقة وفاسقة ومتمردة وانقلابية ، فما هو يا ترى مفهوم حكومتنا الرشيدة للسلام في المنطقة ؟! ، وما هو الخطاب الذي يمكن أن نقنع به الفلسطينيين والعرب والمسلمين والأوروبيين والمجتمع الدولي برمته؟!.

تدعي حماس أنها تستمد شرعيتها من خمسة جهات ، أولها السماء ، لكننا نشير هنا إلى مسألة غاية في الأهمية ، وهي أن اللجوء للخيار الشعبي هو واجب كل من يريد للديمقراطية أن تظل أداة لتداول السلطات ، باعتبار أن الشعب الفلسطيني هو مصدر السلطات وهو الذي يمتلك حق تفويض من يقود عجلة الحياة على أرضه ، وهنا نحن لا نحاسب حركة حماس على أيديولوجيتها ، تنازع الأيديولوجيات مكانه الساحة الحزبية ونقاش الأدبيات هو مهمة المنظّرين والمتناظرين ، نحن نحاسب الحكومة المسؤولة أمام الرئيس والبرلمان على برنامجها وانجازاتها وإخفاقاتها ، وواجبنا كما واجب كل معارضة في الدنيا وفي كل النظم الديمقراطية أن تناكف الحكومات على طريق مصلحة الوطن والمواطن.

تفتخر حكومة حماس بإنشائها للقوة التنفيذية التابعة لوزير الداخلية ، وتتباهى أنها تضم عناصر من عدة تشكيلات مسلحة على الساحة الفلسطينية ، وأن ولاءها للوطن وليس لهذه الجهة أو تلك ، ونقول هنا إن القوة التنفيذية التابعة لوزير الداخلية هي فرقة موت جماعية ، وتعكس برنامج فصيل بعينه ، هو حركة حماس ، ولا داعي للالتفاف على الواقع وقلب الحقائق ، وعلى يدها ـ أي القوة التنفيذية ـ وبفضل جهودها في حماية أمن الوطن والمواطن فقد أكثر من خمسين مواطناً حياتهم وأصيب المئات بجروح ، كل هذا برصاص حماة الوطن والمواطن.

تقول حكومة حماس أنها تعد الملفات المطلوبة للشروع بمحاسبة الفاسدين ، وتتلاعب بهذا الملف وكأنه ورقة مساومة ، بمعنى أنه إذا واصلت فتح ضغوطها على الحكومة ، فإن ملف الفساد سيفتح ، وهذا يعني أنه إذا توقفت فتح عن حملاتها في معارضة نهج الحكومة الاقصائي ، فإنه في هذه الحالة من الممكن إغلاق هذه الملفات وإزاحتها جانباً حتى لا تعترض مسار التحسن المرجو في العلاقات الوطنية !! وهنا يتوجب علينا القول أن مكافحة الفساد هو جزء أساسي من برنامج الرئيس عباس الذي يتعاون بكل ثقله مع النائب العام في كشف الفاسدين وفتح ملفات الفساد ، والعمل جارٍ على هذا الصعيد ، وهي مهمة وضعتها فتح نصب أعينها وملتزمة بها ضمن برنامجها ، وستقاتل في سبيل فضح كل فاسد وكشف كل قضية فساد ، لأن الفساد لا تنظيم له ولا هوية ولا غطاء للفاسدين.

أعلنت حكومة حماس أنها بصدد إعادة فتح ملف استشهاد الرئيس ياسر عرفات ، وكأن هذا الملف قد أُغلق ، وهنا يجب التنويه بأن حكومات فتح السابقة هي التي فتحت ملف استشهاد الرئيس عرفات ، وهي ملتزمة بمواصلة التحقيقات حتى كشف اللثام عن وجوه من وقفوا خلف اغتياله ، وهو ملف لم يتم إغلاقه ولن يغلق إلا بعد كشف الحقيقة وإعلانها على الملأ.

خاتمة
تدعي حكومة حماس أن الأزمة الوحيدة في الساحة الفلسطينية مرتبطة بمسألة الرواتب ، وتعتبر أن هذه أزمة مفتعلة ، باعتبار أن القطاع الأوسع من الموظفين قد تقاضوا ما يزيد على 65 % من مستحقاتهم المالية من السلف التي تقدمها الحكومة ، ونقول هنا إن أزمتنا ليست أزمة رواتب فحسب ، أزمتنا في كل مناحي الحياة ، كم مدرسة بنتها الحكومة الجديدة وكم مستشفى أقامت وكم مدينة سكنية أنشأتها لمن هُدمت بيوتهم ، كيف عالجت الحكومة ملفات التعليم والصحة ، وهل التوفير الذي أحدثته في الموازنة هو بالضبط مقدار ما كانت تنفقه الحكومات السابقة على مرضى القلب والسرطان والفشل الكلوي الذين كانوا يتلقون علاجاً على نفقة السلطة الوطنية في الخارج ، هل تسمي حماس ما يحدث انجازاً ؟؟!! وكيف تتعامل الحكومة مع شرائح الأسرى والجرحى والمعوقين وأسر الشهداء ، ما هي برامجها ومشاريعها للشباب والأطفال والنساء ، كيف تتصرف تجاه موضوعات الكهرباء والإنارة وتعبيد الطرق والمياه العذبة ، وكيف تنظم برامج دعم صمود العمال والفلاحين ، وكيف تبني اقتصاداً وطنياً قادراً على المنافسة ومواجهة المعيقات والصعاب؟!!

تعود حكومة حماس من جديد وتؤكد أنها وُجدت للتمسك بالثوابت ، مدعية ظلماً وبهتاناً أن الآخرين يطالبونها بالاعتراف بشرعية الاحتلال ، وهنا نؤكد أن فتح لا تعاني من مشكلة تمسك بالثوابت ، وقد دفع الشهيد ياسر عرفات حياته ثمناً لذلك ، ولن يقدم فتحاوي واحد على التفريط بأي من ثوابتنا ، وهي مزايدة غير مقبولة من أحد ، ومن ادعى على فتح ظلماً تفريطها بالثوابت عليه أن يعتذر.

المشكلة لا تكمن في الحصار الذي يعيشه الشعب الفلسطيني ، أو بانقطاع الرواتب طوال الأشهر السبعة المنصرمة ، أو حتى بحالة الفلتان الأمني ، والصراعات على الحكم والالتصاق بها بحجة خيار الشعب والديمقراطية ، كل هذه نتائج مباشرة ، ولكن الآثار غير المباشرة والتي ستظهر مستقبلاً أكبر وأشد تأثيراً على المجتمع الفلسطيني الذي تراجع سنوات للخلف على مختلف الصعد ، فالموظف الذي أضطر للاقتراض من البنوك وقع في مصيدة القروض لسنوات قادمة كان في غنى عنها لولا ما فُرض عليه ، والديون التي تراكمت عليه لمختلف المؤسسات قصة أخرى ، والطالب الذي لم يتسجل للجامعة بسبب قلة ما باليد قصة أخرى تضيع خلالها سنين من عمره لم تكن في الحسبان ، والمؤسسات الوطنية التي بنيت على دماء الشهداء تدمر ويطلق عليها صواريخ مضادة للدروع ، مشروع وطني هو حصيلة نضال ما يزيد عن أربعين سنة يهدم لا شيء إلا للكرسي ، وأصوات تكمم ، وإذاعات محلية تحرق في وضح النهار ، وحرية الكلمة أصبحت في خطر ، والناس تهيم على وجوهها ، ولا أحد يدري ما الخطب ، وإلى أين نتجه ، في حين أن الاستماع إلى رؤوس الحكومة الحالية يدفعنا في اتجاه الغوص في خطاب عدمي له أول وليس له آخر ، وهو خطاب لا يبني وطناً ولا يعزز مقاومة.