امريكا ومنطق استعباد الشعوب
بقلم / يحي أبوزكريا
22 اب 2006


منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية كدولة وكيّان بعد إبادة دمويّة مطلقة للهنود الحمر السكان الأصليين في أمريكا و مفهوم القوّة هو أبرز رقم في معادلة السياسة و تركيبة القرار الأمريكي , وفي مفردات الثقافة الأمريكية أنّ هذه القوة ضرورة ومشروعة لبسط سلطة العدل و محاربة الأشرار طبعا العدل على المقاس الأمريكي والأشرار الذين يصنفهّم العقل الأمريكي في خانة الأشرار , وجذر هذه التركيبة الفكرية يعود إلى شعور الإنسان الأمريكي المحتل والمستعمر لأمريكا بعقدة الذنب تجاه إبادة مطلقة للهنود رجالا ونساءا وشيوخا وشبابا , وتكفيرا عن الجرائم الفظيعة في حق الهنود الحمر أوجد الأمريكان الجدد منطلقا فكريا لإجرامهم وأعتبروا بذلك الخير شرا والشر خيرا , وهذا ما يفسّر إعتبار أمريكا نفسها على حق دائما وتعتبر إرسال جحافلها العسكرية إلى القارات الخمس في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وكوبا وأوروبا من باب الإنتصار لما تراه خيرا و خدمة للإنسان , ولعلّ أفضل من وصف الشخصية الأمريكية الإستعماريّة هو سيمون بوليفار أحد أبطال محاولات الإستقلال في أمريكا اللاتينية في أواسط القرن التاسع عشر والذي قال : يبدو أنّه كتب على الولايات المتحدة أن تقوم بتعذيب وإذلال القارة بإسم الحريّة

وفي كتابه الشهير الديموقراطية في أمريكا والذي ألفّه في سنة 1840 قال توكفيل : إنّي لا أعرف شعبا يحتّل فيه حبّ المال حيزا كبيرا في قلوب الناس أكثر من هذا الشعب الأمريكي شعب يشكّل تجمعا من المغامرين والمضاربين . وتوكفيل الذي ولد في سنة 1805 وتوفيّ سنة 1859 هو كاتب وسياسي فرنسي , درس في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد إلى فرنسا بكتاب الديموقراطية في أمريكا حيث عينّ في فرنسا وزيرا لخارجية فرنسا

هذه الشهادات وغيرها كثير و التي واكبت إنطلاقة أمريكا تؤكّد أنّ القوة هي السمة البارزة في السياسة الأمريكية ولم تتغيّر هذه السياسة بتاتا وتكفي قراءة متأنيّة لما كتبه نعوم شومسكي وروجي غارودي وجاك تني وبول فندلي عن أمريكا اليوم لإكتشاف أنّ أمريكا اليوم هي إمتداد لأمريكا القديمة التي قامت على أنقاض جماجم الهنود و غيرهم

وقد لا يكون من باب الصدفة ولع كل الرؤساء الأمريكيين الذين توالوا على الحكم في أمريكا على مشاهدة أفلام الغرب الأمريكي وأفلام رعاة البقر الذين يلاحقون الهنود الحمر ويشنقونهم ويتلذذّون بشنقهم , و في كتابه إيديولوجيا وإقتصاد قال نعوم شومسكي أنّ بنيامين فرانكلين أبو الأمة الأمريكية وبإسم التنوير طرد السكان الأصليين كي يفسح المكان لأمته

وعلى إمتداد مسلكيتها السياسيّة تحالفت أمريكا مع محاور الشر والقوة وتعذيب الآخرين تحالفت مع الفاشيّة الإيطاليّة وقد وصف السفير الأمريكي في روما بإيطاليا عام 1922 الفاشية بأنّها الثورة الشابة والجميلة ومسحت مدينة هيروشيما اليابانيّة يوم 02 أوت أغسطس 1945 بفعل قنبلة نووية أمريكية من الخارطة اليابانيّة , وفي الداخل الأمريكي قامت منظمة كولكس كلان الأمريكية بالدفاع عن سيادة الإنسان الأبيض وألحقوا أفظع الأضرار بالإنسان الأسود والذي كان الأمريكان يقومون بسرقته من براري إفريقيا ويبيعونه في أسواق النخاسة في الولايات المتحدة الأمريكية , وما زال السود محرومون من العديد من الإمتيازات السياسيّة وعلى رأسها رئاسة أمريكا نفسها. لقد أدى إعتماد أمريكا على مبدأ القوة وبالمناسبة فهذا عنوان لكتاب وهو أمريكا ومبدأ القوة وضعه مستشار الأمن القومي الأسبق زبغينو برجنسكي , إلى تكريس هذا المبدأ في السياسة الأمريكية , حيث كلما كانت الإدارة الأمريكية تخيّر بين حلّ سياسي وديبلوماسي وحلّ عسكري أمني قمعي كانت تختار الحل العسكري القمعي والأمني وقد أحصى الباحثون العسكريون مئات التدخلات العسكرية الأمريكية في القارات الخمس , والتي كانت تؤكّد أنّ واشنطن مصابة حقيقة بداء الشيزوفرانيا السياسة فهي تدعو إلى دمقرطة العالم وتنصّب حكاما عسكريين , و تدعو إلى حكم الشعب والجماهير وتعيّن حكاما تابعين لها رغم أنوف الشعوب وإرادتهم وتطلعاتهم , تدعو إلى حكم الأغلبية و تكرّس حكم الأقليّات , تدعو إلى إحترام الخصوصيّات وتعمل على وأد الخصوصيّات من خلال عولمتها وكوكبيتها وسيطرتها على مقدرات العالم

وعلى الرغم من أنّ مبدأ القوة الذي كانت إعتمدته واشنطن منذ تأسيسها قد جلب لها الكثير من التقهقر والتراجع إلاّ أنّها ماضية في مسلكيتها القائمة على منطق إستعباد الشعوب وقد إزدادت تجبرا بعد إستفرادها بصناعة القرارات العالمية والمفارقة الكبيرة هي أنّ أمريكا لا تريد على الإطلاق إجراء مراجعة لسياستها الخارجية القائمة على مبدأ القوة رغم ما ألحقته من أضرار بالشعوب في أمريكا اللاتينيّة و القارة الأسيوية في الفيتنام وغيرها و في القارة الإفريقية في الصومال وتوابعها وأخيرا في عالمنا الإسلامي فلسطين حيث الدولة العبرية تحارب بأسلحة أمريكية متطورّة الشعب الفلسطيني الأعزل و الشعب اللبناني العملاق و في أفغانستان و العراق

ومبدأ القوّة الأمريكي سيدخل الإدارة الأمريكية في منعطفات خطيرة ينبئ ببداية التراجع الأمريكي خصوصا وأنّ واشنطن المنبهرة بقوتها وزعت قواتها في القارات الخمس وفتحت جبهات متعددة في العديد من المواقع الجغرافيّة الأمر الذي يؤشّر إلى بداية التفكك وقد تلتهم هذه القوة الأمريكية التي قامت على أساس الجبروت بإبتلاع نفسها وتلك سنّة الله في الخلق حيث قد تكون بداية السقوط في أوج القوّة كما تؤكّد حركة التاريخ