عادل الجبير
سفيراً أمريكياً للسعودية في واشنطن
كتبه : علي عبدالعال
alyabdelal@gmail.com


تبدو الرياض وكأنها غير مستعدة لتفويت أي فرصة، تسنح لها، من أجل استعادة الدفيء لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، والتأكيد على صدقية تحالفها مع مؤسسات الحكم الأمريكية ووفائها لهذا التحالف، فضلاً عن استمرارها كوسيط أساس للأمريكيين في العالم العربي والمنطقة.

فلم تكد تنتهي العاصفة التي أحدتثها الاستقالة المفاجئة للسفير السعودي لدى الولايات المتحدة الأمير تركي الفيصل والتكهنات التي ثارت في أعقابها، حتى أعلنت رسمياً تعيين عادل الجبير ــ مستشار السياسة الخارجية للعاهل السعودي ــ سفيراً جديداً لها في واشنطن.

وحسبما كان مقرراً منذ الإعلان عن استقالة الأمير تركي الفيصل فقد بات الجبير (44 عاماً) ــ الذي درس في جامعة "نورث تكساس" وحصل على شهادة الماجستير من جامعة "جورج تاون" ــ مسير الدبلوماسية السعودية لدى القوى العظمى الوحيدة في العالم، وهو شخصية معروفة جيداً لدى الإدارة الأمريكية والإعلام. وهو ما اعتبرته صحيفة "واشنطن بوست" يمثل صعوداً بارزاً في الدبلوماسية السعودية، لرجل خدم في واشنطن كمساعد خاص للسفير الأسبق الأمير بندر بن سلطان.

وتثير خطوة تعيين عادل الجبير في المنصب المرموق تساؤلات عديدة لدى أوساط المتابعين لتطورات السياسة الخارجية للسعودية، حيث يعتقد البعض أن التعيين يعكس مدى نفوذ الأمير بندر بن سلطان، وهو ما يعكس في الوقت نفسه حالة من الانقسام داخل العائلة الحاكمة في الرياض، إزاء المدى الذي يجب أن تذهب إليه المملكة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل السياسة التي تتبعها إدارة بوش تجاه المنطقة.

ومؤخراً قالت الـ "واشنطن بوست" : إن مستشار الأمن القومي، الأمير بندر، عاد إلى واشنطن التي كان سفيراً بها، ليقوم بدوره المحوري كمحرك للعلاقات مع الأمريكيين، كما أشارت إلى أن بروز بندر ربما يعكس تضاؤل تأثير أبناء الملك فيصل الراحل.

ولعل تصعيد عادل الجبير لخلافة الأمير تركي ــ بما يتمتع به الأول من علاقة متميزة مع بندر ــ يأتي في هذا الإطار، فقد عاش الجبير 20 عاماً في الولايات المتحدة، ودرس في جامعاتها إلى أن تعرف على الأمير بندر بن سلطان وطلب منه العمل في الدائرة الإعلامية التابعة للسفارة السعودية. واستطاع أن يكسب ثقته حتى عينه مساعداً خاصا له، وظل الجبير مقرباً جداً من السفير ما جعل بندر يزيد من صلاحياته، حتى كاد أن يصبح الجبير هو المسير الفعلي للسفارة السعودية في واشنطن.

وفي إشارة إلى ما يميز شخصية هذا الشاب السعودي، وصفته "واشنطن بوست" بعاشق مناديل الجيب، في حين أنه كان إذا سافر الرياض يرتدي غترته وثوبه، ويضحك مع إصدقائه الأمريكيين قائلاً : إن السعوديين يحبون إرتداء الشراشف البيضاء. ومن المعروف عن الجبير أنه دائماً ما يفتخر بكونه لا يطيق اللباس الوطني السعودي ، وبكونه أعزب ، ومن الأعضاء المميزين لجماعة "مقهى ميلانو" في واشنطن.

وبينما لايشك العارفون بشخصية الرجل في أن هذا الشاب ــ الذي قضى جل حياته خارج أراضي المملكة ــ متحدث لايشق له غبار، استطاع لفت الأنظار إليه في سنوات قليلة. رأى المراقبون أن عملية تعيينه لا يمكن عزلها أبداً عن التطورات الداخلية التي تشهدها الولايات المتحدة، في ظل هيمنة ديمقراطية منتظرة.

ويعدّ الجبير من الشخصيات المألوفة لدى مؤسسات الإعلام الأمريكية، وخاصة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، حيث أوكل له النظام السعودي الرد على الانتقادات الحادة التي وجهها الأمريكيون، بعد أن ربطوا المملكة بما يسمى "الإرهاب" نتيجة اشتراك 15 سعودياً من بين 19 قاموا بالتفجيرات. وظهر الجبير على شبكة التلفزيون الأمريكية "سي إن إن" وغيرها من شبكات التلفزة، ليدحض ما يقال عن أن زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، يتمتع بشعبية كبيرة في المملكة العربية، وذهب ــ في معرض رده ــ إلى أن "المملكة في صدام مع القاعدة, وتحارب ــ من أسماهم ــ (الإرهابيين) ومن يدعمهم". لأن : "بن لادن يريد تقويض النظام السعودي" على حد رؤيته.

وسبق لعادل الجبير أن عمل ناطقاً رسمياً في عدة مناسبات، ممثلاُ السياسة السعودية في أمريكا، ومدافعاً عن شخصيات نافذة في الأسرة الحاكمة، وأدلى بالعديد من التصريحات لوسائل الإعلام.. فقد نفى لقناة "فوكس" الأمريكية ما ردده الأمير نايف بن عبدالعزيز، في حواره مع صحيفة "السياسة" الكويتية من أن الصهاينة وراء أحداث 11 سبتمبر، مؤكداً أن اسامة بن لادن وحده هو المسؤول عنها.

وفي العام 2004م حضر إلى واشنطن لإحتواء ردود الفعل الصهيونية واليمينية الأمريكية على التصريح الذي أدلى به الملك عبد الله بأن "أيادي صهيونية تقف خلف 95 في المئة من الهجمات المسلحة (في المملكة)". وسعى إلى تنظيم رحلة لوفد من اليهود الأمريكيين الأعضاء في الكونجرس، إلى الأراضي السعودية، حتى تتوقف هجمات اللوبي اليهودي ضد الملك عبد الله.

كما عقد مؤتمراً صحفياً كي يدافع عن الأميرة "هيفاء" زوجة مستشار الأمن القومي السعودي الأمير بندر بن سلطان ــ وقت أن كان سفيراً في واشنطن ــ حيث لا يرغب الأمراء السعوديون ــ في الغالب ــ بالظهور أثناء الأزمات الإعلامية، تاركين الأمر لمن يختاروهم من المساعدين.. وأمام 25 ميكرفوناً وعدد كبير من آلات التصوير وقف الجبير يدافع عن الأميرة والنظام السعودي، بشكل جعل الكثير يؤمن بأن الرجل "سلطان في التلفيق واللف والدوران" حسب إعلاميين أمريكيين.. حيث بدى جاهزاً لكل سؤال بإداراك كامل لأبعاد العلاقة بين العاصمتين (واشنطن والرياض).

وبسبب ما تمتع به من قدرات في العلاقات العامة، أوكلت إليه مهمة الاتصال بالجماعات اليهودية والإسرائيلية والتنسيق معها، وحول هذا الدور قالت صحيفة "جيروسيلم بوست" الإسرائيلية : إن عادل ظل ــ منذ بداية التسعينات ــ على اتصال وتنسيق مع الجماعات اليهودية بما فيها منظمة اللوبي الصهيوني الأمريكي "أيباك" وسبق أن التقى بـ (يوسسي بيلين) حينما كان وزيراً في حكومة العمل الإسرائيلية. وتفيد "جيروسيلم بوست" بأن الجبير هذا هو الذي أقنع الأمير عبد الله، بتوجيه دعوة لتوماس فريدمان وإفراده بلقاء خاص. ويصف (إبراهام فوكسمان) ــ الزعيم اليهودي الأمريكي والرئيس لاتحاد مكافحة التشهير ــ عادل الجبير، بأنه يفهم أمريكا ودائماً ما يخبرك بما تريد أن تسمع.

وهو يحاول ـــ كما تصفه "واشنطن بوست" ــ أن يقدم وجهاً ناعماً للقيادة السعودية، ويستعمل في ذلك عبارات قريبة من العقل الأمريكي، فمرة يصف نفسه بالممثل (كوجاك) وأخرى بـ (مايكل جوردان) لاعب السلة. لأنه محام جيد ويجيد اللهجة الأمريكية بطلاقة، كما يتفنن في تطعيم كلامه بعبارات قريبة من الأمريكي العادي ومقارنات يحبها المثقف.

وبشكل عام، فإن عادل الجبير مقبول كثيراً لدى الأمريكيين، ويعتقدون أنه يجب أن يكون قدوة للشباب السعودي ــ كما عبر عنه نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق ــ وقد لاحظوا عليه أنه يعتبر أمريكا بلده الأول، وأنه يرتاح في العيش بها ويعشق نظامها، أكثر من أي مكان آخر. وفي أكثر من تصريح رسمي له، كان الجبير قد أكد على تعاون بلاده التام مع الولايات المتحدة، وحرصها على تطبيق كل التوصيات في سبيل ما أسماه "الحرب على الإرهاب" والقضاء على كل ما ينمي البغض للغرب ويدعو إلى كراهيتهم.

وبالرغم من أن مجلة "التايم" الأمريكية الشهيرة، منحته في أحد أعدادها لقب رجل الأسبوع، إلا أن الرافضين لدوره ــ من السعوديين ــ يرون في الجبير رجلاً عاش طريقة أمريكية وأولع بها حتى أصبح أمريكيا، أكثر منه سعودياً، ويقولون : إنه انفق ــ في إحدى مهامه ــ 25 مليون دولار كانت نتيجتها أن 63% من الأمريكيين يكرهون السعودية. حيث يقال : إن الجبير متورط في قضية مالية، بالتعاون مع صديقه الأمريكي (مايكل بتروزلو) مالك شركة "كورفس" للعلاقات العامة، والتي استهلكت عشرات الملايين من أموال الدولة السعودية في حملات إعلامية فاشلة.

ومن الأعمال التي تظل محفورة في ذاكرة السعوديين والعرب والمسلمين عموماً، الدور الكبير الذي سعى الجبير للعبه من أجل حل "مؤسسة الحرمين الخيرية"، والتحريض على فصل المئات من خطباء المساجد والأئمة في المملكة، فضلاً عن دوره المُحرض على قضية مراجعة المناهج الإسلامية وإلغاء بعض السور القرآنية من الكتب الدراسية والتعليمية. ومما ينسبونه له من الآراء قوله : " لا يمكن أن تكون مسلماً إذا لم تؤمن بالعهد القديم والعهد الجديد ، ولا يمكن أن تكون مسلماً إذا لم تؤمن باليهودية والنصرانية".

ولكن كيف تمكن هذا الشاب ــ المولود في مدينة حرمة (180 كيلو شمال الرياض) وفي ظروف حياتية بدائية ــ من الوصول سريعاً إلى قلب القرار السعودي؟ حتى تبوأ مناصب حساسة في الديوان الملكي, وهو الذي عاش معظم حياته خارج السعودية ؟! وهنا يتوقف المراقبون كثيراً أمام ملحوظة أن (الجبير) ليس عضواً في الأسرة الحاكمة، وكان من المعتاد أن يحمل مثل هذه الحقائب البارزة في الدبلوماسية السعودية واحداً من أبناء العائلة الملكية.

وإن المتصفح بتأن السيرة الذاتية لعادل لجبير، لا يمكن أن يستبعد أن يكون هذا الشاب هو المُنسق الحقيقي للسياسة الأمريكية في السعودية والتحركات السعودية في الولايات المتحدة، وأهم قناة اتصال سعودية مع اليهود في أمريكا وخصوصاً منظمة اللوبي الصهيوني "إيباك".

ولد عادل الجبير العام 1962م، في قرية "حرمه" بمنطقة "سدير" وفي بيت لا ماء فيه ولا كهرباء، إلا أن والده ــ أحمد بن جبير ــ واصل تعليمه حتى أصبح ملحقاً ثقافياً للمملكة في ألمانيا، حيث تعلم عادل وأخوته الستة هناك. ولما انتقل أحمد الجبير ملحقا ثقافياً في الولايات المتحدة، رافقه زوجته وأولاده إلى المجتمع الجديد، وهناك استقر بهم المقام حتى كان الأب لا يأتي إلى الوطن إلا نادراً.

إلى أن تقاعد أحمد الجبير بعد 20 سنة قضاها في أمريكا ، ما رغبه في العودة إلى المملكة السعودية إلا أن زوجته وأولاده رفضوا هذا الإجراء، بعد أن تأقلموا في المجتمع الأمريكي وفضلوا البقاء فيه، ما حدا بالأب إلى العودة وحيداً إلى المملكة السعودية.

 ألتحق عادل بالدراسة في الولايات المتحدة ، حيث أكمل دراسته في جامعة شمال تكساس وحصل هناك على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1982م ، ثم حصل على ماجستير العلاقات الدولية من جامعة جورج تاون في العاصمة واشنطن عام 1984م .

وفي العام 1986م استطاع الجبير أن يكسب ثقة السفير السعودي، حتى عينه الأمير بندر بن سلطان مساعداً خاصا له، وظل الجبير مقرباً جداً من بندر بن سلطان ، ولذا فقد زاد بندر من صلاحياته حتى كاد أن يصبح هو المسير الفعلي للسفارة في واشنطن.

وكان أول ظهور رسمي له أمام الإعلام الأمريكي إبان أزمة الخليج (1990-1991م) حيث ظهر بصفته متحدثاً رسمياً باسم السفارة السعودية. وفي العام 1999م عُين مديراً لمكتب الإعلام السعودي هناك ، وبعد سنة أي في عام 2000م استدعاه الملك عبدالله ــ عندما كان ولياً للعهد وكان هو المسير الفعلي للدولة منذ 1995م بسبب حالة الملك فهد الصحية ــ إلى الرياض كي يكون بجواره مستشاراً خاصاً لشئون السياسة الخارجية ، ومن ثم صار الجبير موزعاً بين واشنطن والرياض، وبعد أن أصبح عبد الله ملكاً (2005م) عَين عادل الجبير مستشاراً في الديوان الملكي برتبة وزير.

وحسب مصادر توصف بالمطلعة، فلقد تفاجأت أسرته من تسارع ظهوره وذياع صيته ، ومن ثم عودته إلى البلاد ليتبوأ هذه المكانة العالية.. ويعتقد الكثير من أسرته أن عادل الجبير تربية أمريكية، ويحمل فكر أمريكي، وصنيعة أمريكية، وأن ذياع صيته ــ بهذا الحجم في المملكة ــ إنما حصل بمساعدة أجنبية خارجية لهدف مُعين يرونه. خاصة وبعد التحاق الجبير بديوان الملك عبد الله، خلفه في واشنطن شقيقه نائل الجبير، الذي سرعان ما أقاله السفير الجديد آنذاك ــ الأمير تركي الفيصل ــ واستبدله بجمال خاشقجي، الذي كان يعمل معه في لندن.. حيث ترى المصادر أن عادل الجبير لم يُعرف عنه أنه كان من أنصار التيار الذي يمثله أبناء الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز، بل إنه يميل بقوة إلى جناح من يطلق عليهم مجموعة "السديرية".