بعد الاتهام المصري لإيران بقتل السفير
هل تنطلق رياح المواجهة من القاهرة؟
بقلم : علي عبدالعال
alyabdelal@gmail.com
28 يناير 2007


في سابقة لا تخلو من مغزاها، نشرت "الأهرام" ــ الصحيفة الرسمية الأولى في مصر ــ خبراً بارزاً على صفحتها الأولى الأحد 28/1/2007م، قالت فيه : إن مصادر دبلوماسية ــ لم تعلن عن هويتها ــ أبلغت مندوبها أن المخابرات الإيرانية هي التي تقف وراء مقتل "إيهاب الشريف" السفير السابق لدي العراق‏,‏ بهدف "قطع الرجل المصرية عن العراق" والحيلولة دون قيام القاهرة بدور هناك.

وأوردت "الأهرام" الخبر المفاجيء على لسان مندوبها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ــ حيث تتواجد وفود دبلوماسية عديدة من بينها الوفد المصري ووزير الخارجية أحمد أبو الغيط ، لحضور قمة الاتحاد الأفريقي ــ وأضافت الصحيفة أن هذه المصادر وصفت التساؤلات التي تدور حول أسباب التأييد المصري والخليجي والأردني للخطة الأمريكية الجديدة في العراق بأن "لها ما يبررها" ،‏ موضحة أن التأييد المصري للخطة لم يأت من فراغ‏,‏ وإنما "جاء لإنقاذ أشقاء مسلمين يتعرضون للتطهير الطائفي"‏,‏ خاصة في بغداد على أيدي "ميليشيات مسلحة معروف انتماؤها"‏.

وقد أثارت تلك المعلومات جدلاً كبيراً حولها، ما استدعى الخارجية المصرية إلى النفي رسمياً، وقال المتحدث الرسمي باسم الوزارة، علاء الحديدي، في تصريحات للصحفيين : إن ما جاء منسوباً إلى مصدر دبلوماسي بشأن قيام المخابرات الإيرانية باختطاف السفير إيهاب الشريف "لا أساس له من الصحة".
وخلال بثها للخبر قالت محطة "الجزيرة" : إن الخارجية المصرية عادت وأبلغت الصحفيين بعدولها عن هذا النفي.

ومن جهتها، نفت إيران ــ على استحياء ــ على لسان مصدر وصفته وكالة الأنباء الرسمية "ارنا" بالسياسي المطلع، قال : إن هذه الأخبار كذب محض ولا أساس لها إطلاقاً. مضيفاً أن نشر صحيفة مصرية رسمية لمثل هذه الأخبار الكاذبة والمغرضة، يمس بمصداقية هذه الصحيفة ولا تخدم هذه الأخبار مصالح وأهداف الدول.

وأمام هذا التخبط "المقصود" ــ على ما يبدو ــ يأتي الاتهام صريح وبدون أي مواربة من قبل المصريين، فالصحيفة كبيرة ومسئولة ودقيقة ــ خاصة في مثل هذه القضايا التي تضرب في صميم العلاقات الخارجية للدولة ــ وقد عنونت الخبر بشكل أكثر من مباشر، قائلة إن : "‏المخابرات الإيرانية قتلت إيهاب الشريف، للحيلولة دون قيام مصر بدور في العراق". وإذا ما أضيف إلى ذلك مدى ما تعرف به القاهرة من "تحفظ" شديد في إدارة علاقاتها الخارجية، تدرك ما تحتويه القضية من طلاسم بحاجة إلى من يفك ألغازها.

وعلى قصر الخبر إلا أن كلماته جاءت أشبه بالشفرات، أو الجمل التلغرافية السريعة التي تحمل الكثير من المعاني , فهو من باب يتهم إيران بقتل سفير القاهرة في بغداد إيهاب الشريف ــ الذي كان قد اختطف في الثالث من يوليو العام 2005‏,‏ وأعلن خاطفوه عن قتله بعد أربعة أيام من الاختطاف‏,‏ غير أنه لم يتم العثور علي جثته حتى الآن ـــ ومن باب آخر يبرر غياب الدور المصري تجاه ما يجري في العراق، رغم خطورته على مستقبل الدولة العربية المسلمة والأمن العربي بشكل عام.

ومن جهة ثالثة، يبرر أيضاً التأييد المصري الجارف للخطة العسكرية الأمريكية الجديدة في العراق، في ظل ما يثار حولها من جدل ورفض من قبل الأمريكيين أنفسهم، فضلاً عن استهدافها ــ في المقام الأول ــ المقاومة والمناطق السنية في بغداد.. حيث نقلت الصحيفة عن مصادرها وصفهم التأييد المصري، بأنه : "لم يأت من فراغ‏,‏ وإنما جاء لإنقاذ أشقاء مسلمين يتعرضون للتطهير الطائفي"‏.

ويأتي ذلك بينما تتصاعد حدة المواجهة بين إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش، ونظام الملالي في طهران، على خلفية الملف النووي والوجود الإيراني المتزايد في العراق، فضلاً عن استمرار العدائيات بين طهران وتل أبيب , حيث تسعى واشنطن لإيجاد تحالف عربي سني، في حال اضطرتها الظروف إلى خوض مواجهة عسكرية مع الدولة الشيعية.
ومن الجدير بالذكر، أن العلاقات المصرية الإيرانية ظلت لأعوام عدة تجابه بـ "فيتو" أمريكي، تجاه أي تقدم تحرزه العاصمتان في سبيل تطويرها، وكان الرئيس المصري، حسني مبارك، قد التقى الرئيس الإيراني السابق، محمد خاتمي، على هامش القمة العالمية لمجتمع المعلومات، 10/12/2003، بمدينة جنيف السويسرية في أول قمة من نوعها منذ ثورة الخميني عام 1979.. كما عقد وزراء خارجية البلدين عدة اجتماعات على مدار السنوات الماضية، إلا أنها لم تسفر عن أي استئناف للعلاقات الدبلوماسية بينهما.

وأمام هذا التجاذب بين البلدين، لا يملك أحد أن يبرأ الإيرانيين من دم السفير المصري أو غيره من أبناء السنة في العراق، في ظل ما يجري هناك من جرائم على أيدي الميليشيات الشيعية، لحسابهم، إلا أن إثارة قضايا معينة في ظروف معينة بحاجة أيضاً إلى التساؤل . فوزارة الخارجية المصرية التي اكتفت فقط بنفي اعقبه تراجع أمام الصحفيين لم تشر من قريب أو بعيد إلى القضية ــ رغم ما أثير حولها من جدل ــ على موقعها في شبكة الإنترنت، كما أنها لم تصدر ولو بياناً مقتضباً تصرح فيه بموقفها الرسمي. وحتى لو فعلت فالموازيين السياسية لاشك لن تعير له اهتماماً، لأن خبراً كهذا لم يكن ليرى طريقه إلى النشر دون موافقة قوية من جهات رسمية، غالباً ما توصف بالسيادية في الدولة