جلادو البعث البائد في قصر النهاية !
صفحات منسية من جرائم البعثيين...
داود البصري
dawoodalbasri@hotmail.com


التظاهرات و الإحتجاجات في الشارع العربي المريض نفسيا على تنفيذ أحكام الإعدام القانونية بحق صدام و زمرته من القيادات البعثية العراقية التي مارست جرائم بشعة بحق كل العراقيين سنة و شيعة و عربا و أكرادا و تركمانا و إيزيديين لا يمكن تفسيرها منطقيا في ظل حالة خلط الأوراق و الحشد و التعبئة و الكراهية الطائفية التي تشوه المشهد السياسي العام في العراق ، و في ظل التشويه الشامل لكل المعلومات ولكن العنصر الأكبر في حالة التعاطف العربية مع مصير الجلادين و القتلة في العراق مرده لنقص المعلومات في الشارع العربي الذي لا يعرف حقيقة ما كان يجري في العراق من فظائع بسبب حالة الإعلام العربي لمرحلة ما قبل العولمة الإعلامية و لحالة الجهل و الأمية السياسية السائدة بل المتفشية في العالم العربي ، ثم علينا أن لا ننسى الدور الخبيث لبعض الفضائيات العربية التي نعرف و تعرفون و التي تسيرها توجهات طائفية وسياسية معينة و لا تهدف إلا لحجب الحقائق و تسليط الضوء على جوانب و إغفال و تجاهل جوانب مهمة أخرى ، فتلك الفضائيات قد تخصصت في برامج ( صناعة النجوم ) و تلميع الفاشيين القوميين أو الخوارج الإسلامويين ! ومتابعة كل ناعق ينعق ، و إمرار سيناريوهات خبيثة لفتن طائفية لا تبقي و لا تذر أو لإثارة حساسيات و عداء بين الشعوب العربية ووفقا لأجندات خفية تحاول توسيع الشقة بين الشعوب العربية كما يجب هنا أن لا نتجاهل دور الجماعات و التنظيمات و الأحزاب السياسية العربية في المشرق أو المغرب التي كانت قيادة البعث القومية ترتبط معها بخيوط العلاقات العملية و هي العلاقات التي لم تمنع البعثيين العلمانيين المعادين للأحزاب الدينية و القاطعين لرؤوس قادتها من التحالف مع بعض الإسلاميين في بعض بلدان المغرب العربي!! دون الحاجة لتسمية تلك الأحزاب لكي أضمن نشر المقال على الأقل ؟ فتنظيمات و أحزاب من أمثال ما يسمى بالمؤتمر القومي العربي الذي وصل لأمانته العامة عناصر معروفة بعلاقاتها الوثيقة بل التخادمية مع نظام البعث العراقي البائد لا يمكن أن تكون حيادية أبدا ، و لا يمكن إلا أن تكون إحدى أهم أدوات التبشير و التعبئة القومية و الإعلامية و هي من الحقائق المعروفة ، لذلك فإن جرائم نظام البعث التاريخية لم يقدر لها الإنتشار الإعلامي في ظل العوامل السابقة و تقاعس الحكومات العراقية التي خلفت الطاغية و فشلها الإعلامي و عدم وجود خطة إعلامية للوصول لقلب المواطن العربي و عرض المأساة العراقية على حقيقتها بعيدا عن عوامل و متطلبات الطائفية و السياسة وهي مهمة صعبة للغاية بل مستحيلة في ظل الواقع العراقي المريض و المعقد ، و بعيدا عن إشكاليات التداخل و الصراع في الساحة العربية وهي متداخلة و معقدة ، فإن التركيز على جرائم البعثيين وفتح ملفات الأسرار للدارسين و المهتمين و إعادة صياغة الخطاب الإعلامي العراقي من أجل إعادة كتابة تاريخ العراق أو بالأحرى تاريخ الجرائم السلطوية في العراق و التي يتحمل نظام البعث الشطر الأكبر في مسؤوليتها لأنه قاد العراق لأربعة عقود عجفاء و سوداء و مشؤومة هي الأطول في التاريخ العراقي المعاصر ، فتاريخ البعث العراقي حافل برموز و أسماء عريقة في الإرهاب و الإجرام عبر مختلف المراحل و الحقب و الأدوار ، و بعضها أسماء لا يعرفها الجيل الحالي و لكنها ظلت عنوانا لمرحلة ساهمت في صياغة و تشكيل واقع العراق الدموي الراهن ، فكثير من قيادات البعث العراقي قد تمت تصفيتها ضمن حالة الصراع الإنكشاري المشابه لصراع المماليك بينها ، و لعل من ترسب أو نجا من الصراعات السابقة ظل حتى لحظات النظام الأخيرة يمارس جرائمه السلطوية متصورا أن حصانته ستستمر للأبد!! وهنا تكمن مفارقة التاريخ و مأساته ، و لعل إنفراد صدام حسين بالسلطة المطلقة منذ عام 1979 وقيام سلطته على جثث 22 قيادي بعثي عراقي قد أنهى حزب البعث من الناحية العملية و حوله لتجمع عصابي عشائري عائلي ذو طبيعة مافيوزية يعتمد على الرأس الكبيرة و على الشخصية القيادية الأكثر دموية و حسما!! فأي عملية إعدام أو تصفية لرفيق من الرفاق لا تحتاج لمحاكمة طويلة و لا لمرافعات مملة بل لرصاصة من القائد تنهي الموقف و تحسم الخلاف كما فعل صدام نفسه مع عدد من وزرائه وضباطه ومنهم وزير الصحة السابق رياض إبراهيم حسين عام 1982 بعد أن لفقوا له تهمة مزيفة و سخيفة ، و سيناريو إرهاب السلطة في العراق قد إستند لدراسات نفسية و سايكولوجية و إجتماعية دقيقة بعضها صيغ ووضع ورسم خارج العراق ، وقام بتنفيذه زمرة من ( الرفاق ) الذين لا يخافون الله و كانوا من الشراسة و الإجرام بحيث لا يردعهم أي رادع أخلاقي أو ضميري ! لأن تكوين حزب البعث في العراق قد إعتمد أساسا على فئة ( السرسرية ) و ( الشقاوات و البلطجية ) أي أنه ( حزب السرسرية ) بإمتياز لا نظير له ؟ لذلك لم يكن غريبا أن يبرز أشخاص بلغوا من السفالة و الإجرام حدا لا مثيل له مثل القيادي البعثي السابق و مدير الأمن العام ( ناظم كزار) قائد معتقل قصر النهاية الرهيب حتى عام 1973 حينما تم إعدامه مع مجموعة من ضباطه في مؤامرة غامضة لم تعرف أسرارها الحقيقية حتى اليوم ، و هنالك سفاح بعثي آخر إسمه ( علي رضا ) و هنالك ( وهاب كريم الأعور) وكان هنالك عبد الكريم الشيخلي الذي إستعمل خبرته الطبية في نقل عدوى السل الرئوي للمعتقلين في قصر النهاية ثم أصبح وزيرا لخارجية البعث فيما بعد!!! يا للمهزلة ثم قتله صدام عام 1980 في الشارع العام ، وكان هنالك الأشقياء من أمثال ( جبار كردي و شقيقه ستار) الذين تم إستخدامهم في قتل الشيوعيين قبل أن يغتالا في الشارع العام ، وهنالك الآلاف المؤلفة من أجيال الإرهاب البعثية التي توجت بفرق الموت من فدائيي صدام و الأمن الخاص و الذين تحولوا اليوم لجماعات سلفية ودينية متعصبة وشكلوا جيوش عمر و الصحابة و المجاهدين و المهدي وبقية المسميات المريضة ، و لعل أخطر مورس في منظمة البعث الإرهابية ولم يسلط الضوء عليه كثيرا هو دور الإرهابي و الذي سينفذ به حكم الإعدام قريبا المدعو طه ياسين رمضان الجزراوي نائب الرئيس الأسبق!! و هو دور عريق في الإجرام يحاولون طمسه و التشويش عليه ، فالجزراوي كان أحد ركاب الوانيت الأمريكي الذي دخل قصر عبد الرحمن عارف الجمهوري في ذلك المساء الصيفي المشؤوم عام 1968 كما أنه كان أحد كبار رجال صدام المزروعين في بطانة الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر الذي كان لا يقل دموية وخبثا عن بقية جماعته من البعثيين رغم إدعاءاته التدين و الخوف من الله ، و ظل الجزراوي في قمة الهرم السلطوي رغم كل التصفيات الدموية حتى التاسع من نيسان عام 2003 وهو يوم سقوط البعث و حيث هرب كبقية البعثيين قبل أن يلقي الأكراد القبض عليه في مطبخ أحد المنازل في مدينة الموصل ليلاقي مصيره المحسوم قريبا ، فسجل جرائم هذا الشخص هو سجل عريق وقديم يعود للأيام الأولى لهيمنة البعثيين على السلطة ، ولعل أبرز من أرخ ووثق لجرائم الجزراوي هو المناضل الوطني و القومي العراقي الأستاذ ( أحمد الحبوبي ) الذي يعيش منذ عقود في القاهرة ، ففي كتيبه الصغير و الموسوم ب ( ليلة الهرير في قصر النهاية ) الذي نشر عام 1999 أي قبل كل الأحداث الجارية اليوم رسم الحبوبي تاريخا أسودا وواقعيا لنظام البعث العراقي ، وكان شاهدا حيا على أبشع المجازر البشرية في تاريخ العراق الحديث وهي مجزرة قصر النهاية ليومي 20/21 كانون الثاني ( يناير ) 1970 على خلفية مؤامرة غامضة لقلب نظام الحكم قيل أن بعض السياسيين يدبرونها لإبعاد حزب البعث عن السلطة!! وهي كانت مؤامرة مفبركة تهدف لقمع الحركة الوطنية العراقية وإرهاب الشخصيات العراقية و تصفية الخصوم وكانت جزءا من سيناريو الحرب الباردة وحيث كان للمخابرات السوفياتية دور معلوم في تلك الأحداث ومن خلال الحزب الشيوعي العراقي الذي عمل للأسف كدليل لحزب البعث في إرهابه في تلك الفترة المؤسفة ، فالكتيب يتطرق لدور محكمة الثورة القراقوشية التي شكلت على عجل لمحاكمة المتهمين وإصدار أحكام الإعدام و تنفيذها في دقائق دون محاكمات و لا مرافعات و لا دفاع و لا إستئناف !! ولا أي ضمانات قانونية أخرى وكانت تلك المحكمة المهزلة بقيادة ( طه الجزراوي ) و عضوية المقبورين المجرمين ( ناظم كزار ) و ( علي رضا )!! وكان مجلس قيادة الثورة وقيادة الحزب مجتمعين بالكامل في قصر النهاية لتنفيذ أحكام الإعدام الفورية في حديقة ( قصر النهاية ) التي ضمت أكثر من 60 جثة لسياسيين وعسكريين وإعلاميين لا علاقة لهم بأي مؤامرة!! وكانت التعليمات بالإعدام تصدر بمكالمات هاتفية من طه الجزراوي نفسه و ينفذها الجلادون من الجهاز الحزبي ، وكانت سادية القيادة البعثية قد أظهرت وحشيتها من خلال إعدام الشهيد و المناضل القومي المرحوم جابر حسن حداد بالتقطيع بالسكاكين و الخناجر!! وهي نفس السادية التي دفعت أبناء صدام لإعدام الدكتور راجي التكريتي عام 1994 بأسنان الكلاب الشرسة!!.. إنها سادية تتجاهلها الشعوب و النقابات والأحزاب العربية وهي تتباكى اليوم على مصير البعثيين وعلى العدل الآلهي الذي يطبق بحقهم ، إنني أدعو وزارة الخارجية العراقية لإعادة طباعة كتاب ( ليلة الهرير في قصر النهاية ) وتوزيعه على السفارات و الممثليات العراقية في الخارج لتوزعه على الشعوب العربية الغافلة عن تاريخ البعث الدموي الأسود وسنستمر في فضح وتعرية نظام القتلة البعثي حتى يقرر الله أمرا كان مفعولا.....