صحافة قذرة وصحفيون أذناب
صلاح المومني
s_4_momani@yahoo.com
www.arabissues.net


حينما قرأت مقالة المدعو "فؤاد الهاشم" ، وكانت تهجماً سافراً على الشعب الفلسطيني ، أصبت بالاشمئزاز والقرف ، ثم قررت بعدها أن اكتب شيئاً في هذا الموضوع ، متوخياً أقصى درجات الحذر لأكون موضوعياً وبعيداً عن ردة الفعل ، لأنني على قناعة تامة أن هذا الذي كتب وأراد إهانة الشعب الفلسطيني لا يمثل الكويتيين ، بل ربما لا يمثل حتى أهله وأقرب الناس إليه، ولا أظن أن عدد من يؤمنوا بهذا الرأي يصل إلى حد اعتبار الأشقاء الكويتيين مسئولين عنه ، وبالتالي لا أجد مفراً من القول: إن أول دافع له للكتابة لا يتجاوز مفهوم "خالف تعرف".

ثم لا شك بأن كل مواطن عربي يعرف ،بل متيقن أن الوحدة العربية والإسلامية ، وتجنب الطائفية والعرقية والقطرية أمر لا مفر منه ومطلب لا نملك إلا أن نتبناه منهجاً وعقيدة ، ولا بد أن نرسمه هدفاً أسمى من أي هدف لكي نتجاوز ما نحن فيه.

"فؤاد الهاشم" مثلاً من الصحفيين المأجورين الذين يسعون لخلخلة الصف الصحفي والفكري العربي الداعي للوحدة ونبذ الخلافات ، وليس له من شأن الكتابة إلا التهجم على الشعوب العربية ، وكأننا نحن العرب خلقنا من طينة غير طينة البشر وانه هو ومن هم مثله قد خلقوا معدن خاص يعطيهم الحق لكي يتعالوا على البشر ، ولو كنت وأعوذ بالله أن أكون معترضاً على خلق الله ، ولو كنت أود تصنيف الناس لقلت بأن هذا "الخاشم" وأمثاله بمثل هذه الأفكار ليسوا إلا مخلوقين من زفت البترول الذي جعلهم مؤهلين بحكم سعر البورصة ليقولوا للعالم "نحن بشر" ،ثم ليتعالوا على الآخرين "بسبب البورصة أيضاً" ليقولوا للعالم أن هذا الشعب يحتاج لكذا وذاك الشعب يحتاج لكذا ... مع العلم أن من يطلق مثل هذه الدعايات ومثل هذه الهتافات الرخيصة يطلقها من واقعه الذي تمليه عليه عقدة النقص.

صدقاً ، لن أخوض بالدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي أراد له "الخاشم" أن يبحث عن أطباء نفسيين ليعالجوه من أمراضه المزمنة ، فإنجازات الشعب الفلسطيني وحدها جعلت العالم يقف مشدوهاً مندهشاً ، ولو أريد لشعب آخر ما أريد للفلسطينيين لتلاشى الشعب ولاختفت آثاره في عقد أو أقل من السنين وما حكاية الهنود الحمر عنا ببعيدة.

الشعب الفلسطيني لم يلجأ إلى فنادق "خمس نجوم" بعد احتلال بلاده بمساعدة أعراب الهزيمة من الطابور الخامس كما كان حال الآخرين ، والذين لم يطلقوا رصاصة واحدة لتحرير بلدهم من صدام ، إنما كانت الخيمة والكهف وبيت "الزينكو" ، وكلها بيوت في مخيمات تجاوزاً أسميناها بيوتاً .

هذا الشعب يا سادة وكلكم تعرفون ، خرج للعالم بكل أصناف المقاومة وإثبات الذات ، كان منه العالم المتميز ، وجامعات الكرة الأرضية كلها تشهد بذلك ، وبجانب علمه حمل قضيته ، لقد كان منه الفدائي الذي طورد في كل بقاع الأرض ثم عاد ليعلن الثورة من داخل الأرض ، شعب وأشهد له انه تميز بالعطاء وتشبث بالأرض رغم كل محاولات اقتلاعه ، منه كانت ولا تزال المرأة التي خاضت رحلة النضال إلى جانب الرجل ، ولم تسلم نفسها لمغتصب الأرض لتكون له متعة وهناء ، بل تحولت قنبلة لا نزال نسمع دويها مع كل حملة على مخيمات فلسطين أو مدينة أو تجمع ، هذه الأم أنجبت طفلاً ،بل أطفالاً وقدمتهم قرباناً لوطنها ، بكتهم بحنان الأمهات لكنها لم تسمح لدموعها أن تمنعها من تقديم القرابين.

يا هذا "الخاشم" أيكون من أمثالك التطاول على شباب صمدوا عشرات السنين أمام أقوى جيش في المنطقة ، جيش لم تصمد أمامه جيوش وعروش ، فلم هذا التجني ؟!! هل أعطاك موقعك "بياع كاز" حق الحكم على هذه الشعوب ، وحق تقييمها ، ثم ما هذه الأدلة التي تسوقها مع بيانك الذي يفتقد أدنى درجات الموضوعية ؟!!

يا عزيزي الفلسطينيون لم يفسدوا في الأردن أو لبنان بمثل ربع الفساد الذي يمن عليكم الهنود به في عقر داركم ، فهلا كتبت مقالة واحدة تطالب دولتكم بالتخلص من الأيدي العاملة الهندية التي لا ترقب في الكويتيين ذمة ولا رحماً ، ثم ما بالك أن تحولت الكويت إلى قاعدة لضرب العواصم العربية، عليك أن تكافح هذا الفساد المستشري في عالمنا العربي ومنها بلدكم "بلدنا" الكويت ، فنحن لا يطيب لنا ما يحدث لأهلنا الكويتيين ، وما طاب لنا أن قام صدام باحتلال الكويت ، وما الفرق بين احتلال صدام للكويت وبين احتلال الهنود والجيش الأمريكي ، إلا أن أحدهم جاء بعساكره لحمايتكم وآخر استقدمتموه بأنفسكم ، فتمكن في بيوتكم أكثر من أهل الدار ، فهل لك أن تتحدث عن المشاكل التي نتجت عن مثل هذا الاحتلال الطوعي سواء العسكري الأمريكي أو الهندي أو حتى الإيراني ؟!!

يا صاحبي؛ إن كنت صحفياً يفهم حق الصحافة، وحقها الكلمة الحرة، ألم تعلم أن كل ما حدث في المنطقة كان ملعوباً وتمثيلية، لعب الكويتيون والعراقيون والأردنيون والفلسطينيون وكل شعوبنا دور الضحية فيه ؟ كلنا كنا الضحية، وها أنت اليوم تكرس مفهوم العداء القطري والقبلي، في الوقت الذي تتعالى فيه صيحات الوحدة القومية والدينية والمذهبية.

ألم يصل إليك بعد أن التعميم في التجريم يكون جريمة أقسى من الجريمة نفسها ؟ فكيف تجرم الشعب الفلسطيني بأخطاء قيادته أياً كانت ؟ وهل يجوز لي إن أخطأ حكام سوريا أن أحمل الشعب السوري مسئولية ذلك الخطأ ؟ كذلك الأمر بالنسبة للعراق وغير العراق، منذ متى يستشيرنا حكامنا بتصريحاتهم وبياناتهم ؟ ربما تنادينا وتطالبنا بتغيير الحكام واستبدالهم ، كلام معقول جداً ، هل لديك القدرة على نقد آل الصباح ولا أقول تغييرهم ، وأعدك حينما تستطيع أنت كصحفي أن تنتقد أميرك ، سأعلن من طرفي ثورة على كل حكامنا وليس نقداً ، كن موضوعياً يا "غر" الصحافة ، فليس هذا بالأسلوب الناجع لتصحيح المسار ، "وما هكذا تورد البعارين" ، لأن حالة التردي التي نعيشها مزمنة واستئصالها سيأخذ زمناً ، والتغيير يبدأ بأساسيات الوحدة ، وأسس الوحدة تبدأ بالتوقف عن شتم الشعوب وتجريمها ، ثم نعلن بعد ذلك انطلاق المسيرة الوحدوية ، فليس من المعقول أن يتخذ الساسة والحكام في الكويت قراراتهم بمنأى عن الأمة كلها ثم نطالب الأمة أن تحذو حذو الكويت ، ففكرنا القومي وبعدنا العقائدي أكبر بكثير من محنة الكويت ، إذ نحن أمة مستهدفة بكل حضارتها ، فهل تريدنا أن ننحصر في زاوية احتلال صدام للكويت ومنه نطلق مسيرتنا التصحيحية ، فكرياً وعقائدياً ؟ وهل تنتظر منا أن نظل نبكي على الكويت بينما تقطع رؤوس العراقيين وفق فتنة طائفية كنتم بقصر نظركم جزءاً منها ؟ أفق يا هذا فالعمر لا يتكرر ومواقف الرجال مشهود لها ، كما أن التاريخ يسجل للخائنين كل خياناتهم ، فلربما نعجز عن التغيير في واقعنا اليوم ، لكننا سنسجل كل مواقفنا في لوحة الشرف ليتسلمها أبناؤنا من بعدنا إذ ربما يقدرون على ما لم نقدر عليه، أما أمثالك فسيلقيهم تاريخنا في مزبلته ليزكم أنوف أجيال المستقبل ، فلا تستغرب أن يكون أحد دروس التاريخ "الخاشم ومزبلة الصحافة"

نحن نسعى ونريد أن يعود الكويتيون إلى صف الأمة ، وأن لا يكونوا كالقاصية من الغنم ، فالأمة كلها مستهدفة وكل منا على ثغرة ، وهذا ما نؤمله من عقلاء الصحافة في الكويت ، أن يسودوا ويعلنوا مبادرتهم لنبذ القطرية ويخرجوا من بين ظهرانيهم من لا يشرف الكويت انتماؤهم.

مثل هذا الحديث يا عزيزي يأخذني ساعات وساعات ، وتكفيني هنا الإشارة لمن يفهم ، فهل سيصبح مثلنا القادم "الخاشم من الإشارة يفهم" ويعلن توبته القومية؟ واحدة أخرى من أمنياتي وإن لم تتحقق فلا آسى على القوم الظالمين.