From : Souad Thamer <souad-64@hotmail.com>
Sent : Monday, January 8, 2007 11:45 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : مقالة


ألم تروا كيف فعل ربكم بصدام حسين ؟
د.علي ثويني


تمر ذكريات جميلة في خاطري لأيام بغداد الخوالي، وتحديدا لشارع يطل على نهر دجلة من جهة الغرب، كنا نسميه(كورنيش الكاظمية) للتمييز عن (كورنيش الأعظمية) التي أستولى عليه البعثيون ،فأمسى قصور لساجدة زوج صدام. ويمتد هذا الكورنيش من ساحة عبدالمحسن الكاظمي حتى جسر الأئمة، نعرج له من ساحة(الشوصه) متمشين حتى نصل منتزه 14 تموز الذي انشأه الزعيم الشهيد عبدالكريم قاسم .وفي السياق فأن مصمم هذه الحديقة المعماري العراقي هشام منير(مولود في بغداد 1930)،وتعتبر من بواكير المساهمات في العمارة الفردوسية landscape architecture. ويتاخم هذا المنتزه جسر الأئمة ، ليفصلة عن فضوة وبستان نخيل يدور مع إنحناءة النهر في منطقة المحيط،وعادة ما فضلنا هذا المكان لنتعمد في ماء دجلة الرقراق لضحالة ماءه ،ولعدم وجود دوامات الماء (سويرات) ، سببت في غرق الكثيرين.

حينما زرت بغداد عام 2003 بعد سقوط البعث ،متلهفا لكل نخلة تركتها فسيلة قبل 28 عام،ولكل زقاق دلفته،وكل صديق و ذكرى ومناسبة ومكان زرته، فكان منها كورنيش الكاظمية هذا. حيث كان سكانه حينئذ من علياء القوم،فأهتموا بالشجر والرياحين،حتى أمسى التمشي فيه متعة لاتدانيها متعة، بما يعنيه من ملئ الصدور المتعبة من غبار، والأذن من ضجيج المناطق الشعبية،بشذى الرياحين و خرير دجلة الرقراق ،والتمنظر بمشهد زرقة الماء والأفق الأعظمي وسامق فيروزي قباب إمام العراقيين المبجل ابو حنيفة النعمان.

لم أجد المتنزه لأجد ذكرى تركتها، فقد ضمت برمتها الى دائرة المخابرات(الشعبة الخامسة) التي أنشأت في الثمانينات، كالقلعة المتضامة بمسناة على النهر، وحلت محل الفضوة النهرية. لكن حينما وطأت قدماي الكورنيش لم أجد عبق الرياحين ،بل شممت رائحة نتنة ،وجيف تزكم الأنوف.فسئلت صديقي عادل الذي دللني وأدلني، عن مصدر هذه الرائحة بأنها ظاهرة بدأت منذ أن أنشأت البناية.وتبين لاحقا بعد السقوط البعثي أنها كانت تضم مثارم اللحم البشري التي توزعت بينها وبين مركز آخر في منطقة الثرثار.

تبين لاحقا أن هذا اللحم الناتج عن ثرم الناس كان يرمى في النهر مباشرة، ويجري الدم والبقايا العضوية مع تيار الماء على طول الكورنيش، حتى تجمعت تباعا على الضفاف،وأدت بعد تفسخها الى تلك الرائحة النتنة، وأمست سببا عرضيا في طرد سكان هذا الحي الجميل من بيوتهم، بعدما سفر أهلها باحاجي بعثية معتادة، أو صفي جسديا أو هرب مذعورا.وهو ما صب في صالح أجهزة السلطة، حيث أختصت بعض دور هذا الحي ببعض المهام السرية كي لايطلع عليها بقية المنتسبين، أو خصصت لسكن قيادات تلك (الشعبة) .

وعلى عكس الناس المتضررين من تلك الروائح ،فان سمك النهر قد أنتعش ،وأتذكر أنه كان في أيامنا ، يتهافت على الصابون الذي نغتسل به ، فما بالك اليوم و"الرفاق العروبيون" يرمون له اللحم البشري الطازج المثروم بعناية وتقنية عالية. وتناقل العامة أن التغذية الجيدة والعلف "البروتيني" الصميم، قد جعل من أسماك تلك البقعة من نهر دجلة تتضخم وتصبح بأحجام مهولة،لم تعتد عليها الأعين ولا الأفواه،بعدما أصبحت تلك الأسماك البريئة آكلة لحوم العراقيين. وهكذا حرم في تلك البقاع من شرائع دجلة(شواطئه) صيد السمك ،بعدما تقزز الناس منها،ونفروا عنها وأضربوا عن شرائها،فبارت.ووجدت في (علوة) السمك في الكاظمية والأعظمية،من يقسم لك مسبقا بأنه لم يجلبها من تلك الشريعة(الشاطئ).

في ذلك المحل إين تقبع المثارم البشرية ،وفي تلك البناية "العزرائيلية"، أعدم صدام شنقا، وحشر مع الفراعنة والطغاة ،وأستقبله معاوية ويزيد والحجاج وقرقوش وشاوشيسكو وستالين ،وهتلر وموسليني. ألحق العراقيون صدام بكل هؤلاء ليستأنس بهم، لكنه قوبل بإمتعاض بعض الأعراب،الذين حاكوا أسماك (شريعة) الكاظمية ،بعدما أكلوا لحم العراقيين سحتا، وأزدروهم،فكان العراقي يبعث للدفاع عن "شرف الأمة" في جبهات العراق، وحرائر العراق ينتهكن من عدي وزمر الفساد البعثية والأعراب التي تعج بهم بغداد، ومنهن من يتاجر بلحومهن في عمان ودبي ودمشق. لقد أمدهم صدام بأسباب الثراء والسطوة ،وجعل بلدانهم تنتعش من فقر ،ومدن تقام من خواء. لكن العبرة في ذلك أن العراقيين أصبحوا وقودا لهؤلاء الأعراب في قتل الإيرانيين تحت شعارات واهية ،يخجل العراقي من ترديدها اليوم . واليوم أصبح العراقيون وقودا إيرانيا لقتل العرب و"ممثليهم" من أهلنا السنة"هكذا"،وكما يريد العرب أن يفسروا أسباب حمام الدم في العراق، بأنه مجزرة لطرد"العرب" والقضاء على "السنة"،كل ذلك من أجل أن يشتتوا النظر من كون البعث وعصابات صدام والسلفيين هي الضالعين في كل مايحدث من جرائم.

لقد قامت القيامة على إعدام صدام من مصطفى بكري الذي ورد أسمه في قائمة سحت النفط مقابل الغذاء والرئيس حسني مبارك الذي أعتبره(شهيدا)(.........).ونجد طبقة الممتعضين ممن حاكى صدام، فتآمر وأغتال، وتبع مطيعا لأملاءات الأيدي الخفية الآمرة من (وراء البحار) ، أو عاش أفاقا وقفز بقدرة قادر من حضيض القوم الى عليائها.والأكثر وضوحا كان قذافي الذي أحس بنموذج نهاية صدام تقترب من رقبته ،فأبن وعزى نفسه مسبقا.

سمعنا "الشريف" فيصل القاسم، يقول أن صدام أعدم في أرض (إيرانية) ويقصد الكاظمية. وإذ أشهد أن أرض الشعبة الخامسة عراقية قتل فيها خيرة العراقيين بأوامر من صدام. وأن الكاظمية بغدادية،وأنها حوت وتعطرت بروضة الشهيد أبو الجوادين سبط النبوة العربية،وسكانها عراقيون من أعراب تميم ومشاهدة والطارمية وحضر ،خليط بين سنة وشيعة،عرب واكراد وتركمان وفرس، مثلما هو كل العراق.أما تأسيهم على توقيت يوم العيد، فكم من جريمة أقترفتها عصابات البعث والسلفيين في تلك المناسبة، حتى لم يعد للعيد طعم عند العراقيين من جراء مفخخاتهم وإغتيالاتهم.

قبل عام ونيف وعلى تخوم مكان إعدام صدام وقعت كارثة جسر الأئمة ،و مات من جرائها الف وخمسمائة نفس عراقية بريئة، تروم التبرك بأبو الجوادين.و لم نسمع بعد الحادث أن مصطفى بكري قد أعلن الحداد، او أقام صلاة الغائب في الأزهر ،وأن قذافي تجشم و عمل نصبا تذكاريا لهؤلاء ، ولم تقم سرادق في غزة وعمان والرباط وصنعاء وتونس وسرينغار وإسلام اباد وبيروت وصيدا وعمان ونابلس على الأرواح العراقية، بالرغم من حشدها. كل ذلك يدلل أن موازين المروءة والمكارم قد تخلخلت عند المسلمين بعدما فقدوا فرص التأهيل الإنساني و الحضاري، فهم يتأسون على مجرم ويقيمون سرادق العزاء له،بعدما قتل ملايين المسلمين في العراق وإيران والكويت.

لا إكراه في (المحبة) وأن الناس يجبرون على كل شئ إلا عواطفهم. كل ذلك يدعونا للتساؤل: اي محبة يرتجيها العرب من العراقيين، وأي انتماء ووحدة يرومون أن ننتسب لها ؟. أن من يحزن على أفراحنا ويتشفى من ألمنا ويترحم على قاتل أهلنا، ويطمع ويسرق ماحبانا الله به،ويتطلع لأحتوائنا،ويسعى لبيعنا في سوق النخاسة،ويستغل ضعفنا، وينكل بمن لجأ من أهلنا، هو أبعد أن يكون أخا لنا،حتى لوجمعتنا اللغة والدين،فاللغة تراكمية ومكتسبة ونحن أهلها وماسكي ناصيتها، والدين براء من الخسة، ويمكث ممارسة للمكارم والنفحات الإنسانية ،بعدما تجرد هؤلاء منها ،ليعلنوا قطيعة نفسية بيننا وبينهم ويحفروا خندق للمرحمة والوصل بيننا. كل ذلك سوف يتداعى الى أن يصبح العراق لقمة سائغة للاحتواء الإيراني والأمريكي،وساحة للاستغلال الذي تقوده قوى الظلام من قوميين أكراد وطائفيين شيعة وسنة على حد سواء،وأجزم ثمة من هؤلاء من له كل المصلحة في ضياع العراق.

لقد حمل الأعراب لنا الضغائن و الكراهية المبطنة والإزدراء والشماته وأنتظروها فرصة ليعلنوا عنها ،وها هم جزلين من الإقتتال الطائفي وقصدهم إفراغ العراق من أهله،وقد قرأت لأحدهم على موقع (دنيا الوطن) الفلسطيني يدعوا الى إفناء العراقيين عن بكرة أبيهم وجلب "مجاهدين" من كشمير والقوقاس وأفغانستان وفلسطينيين وإسكانهم أرضه.

وبالنتيجة نقول أن قضاء الله قد أوحى للعراقيين "بغض النظر عن السلبيات التي رافقت الحدث" بان خير مكان لأعدام صدام هو ذلك المكان الذي أمست أجساد خيرة أهلنا علف للأسماك فيه. وها نحن نشهد على مصير صدام جزلين حامدين الله أن أرانا فيه وعصابته يوما.لكن نأينا الزماني عن حدث أبرهة الحبشي وأصحاب الفيل،يجعلنا ننصح الأعراب ممن لم يتذكروا ما فعله الله بأصحاب الفيل، أن يتعظوا اليوم من قسطاسه ويتعلموا: ( الم تروا كيف فعل ربكم بصدام حسين).