بسم الله الرحمن الرحيم
التدوين
( بحث فى تدوين تراث المسلمين .. متى وكيف ؟!!)
التدوين نوعان : التدوين الديوان الرسمى فى جهاز الدولة ، والتدوين العلمى فى المؤلفات
د, أحمد صبحى منصور


أولا : التدوين الديوان الرسمى فى جهاز الدولة

( الكتابة الديوانية ) بدأت مع وضع الدواوين فى خلافة عمر بن الخطاب الذى قام بتدوين الدواوين فى عام 20 هجرية ، وسجل فيه أسماء العرب المسلمين وعطاء كل منهم ، و أنشأ ديوانا للجند وآخر للخراج ، وتطورت الدواوين فى عهد الأمويين لتصل الى أربعة تشمل الخراج والرسائل والايرادات واكبرها وهو ديوان الخاتم الذى يحمل أوامر الخليفة. وكانت الدواوين تكتب بالفارسية والرومية فنقلها عبد الملك الى العربية ، وأكمل ابنه الوليد نقل ديوان مصر الى العربية.
وبتعريب الدواوين ازدهرت حرفة الكتابة الديوانية ، وصار لكل خليفة كتاب رسميون وموظفون فى كل الدواوين للتعامل مع الخارج والداخل و ضبط الايرادات والمصروفات , يقول ابن سعد مثلا عن قبيصة بن ذؤيب ت 86 ( كان آثر الناس بعبد الملك بن مروان، وكان على خاتم عبد الملك ، وكان يقرأ الكتب اذا وردت ،ثم يدخلها على عبد الملك فيخبره بما فيها ) ( الطبقات الكبرى 5 / 131 ). وصارت الكتابة الديوانية أكثر تنوعا فى العصر العباسى حتى لقد كتبوا فى تقعيدها مؤلفات مثل (الخراج )لأبى يوسف ت 182 ، و(الخراج وصناعة الكتابة) ، لقدامة بن جعفر كتابه وقد توفى سنة 328 وقيل سنة 337 في أيام الخليفة المطيع العباسي ، و(الأحكام السلطانية) للماوردى ت 450 ، ثم كتب القلقشندى (ت 821 ) فى العصر المملوكى موسوعته ( صبح الأعشى فى صناعة الانشا ).
ولمزيد من التوضيح عن مدى تقدم الكتابة الديوانية و تنوعها فى عصر المأمون ننقل القصة التالية التى حكاها عمرو بن مسعدة ت 217 وكان أشهر كتاب المأمون ، يحكى عن نفسه : (‏ كنت مع المأمون عند قدومه من بلاد الروم حتى إذا نزل الرقة قال‏:‏ يا عمرو أو ما ترى الرخجي ( كان الرخجى أحد قواد المأمون) قد احتوى على الأهوار وجمع الأموال وطمع فيها وكتبي تصل إليه في حملها وهو يتعلل ويتربص بي الدوائر‏!‏ فقلت‏:‏ أنا أكفي أمير المؤمنين هذا وأنقذ من يضطره إلى حمل ما عليه ‏.‏ فقال‏:‏ ما يقنعني هذا ‏.‏ قلت‏:‏ فيأمر أمير المؤمنين بأمره ‏.‏ قال‏:‏ تخرج إليه بنفسك حتى تصفده بالحديد وتحمله إلى بغداد وتقبض على جميع ما في يديه من أموالنا وتنظر في العمل وترتب فيه عمالًا ‏.‏ فقلت‏:‏ السمع والطاعة ‏.‏ فلما كان من الغد دخلت إليه فاستعجلني فانحدرت في زلال ( أى مركب شراعى ) أريد البصرة واستكثرت من الثلج لشدة الحر فلما صرت بين ( بلدة ) جرجرايا و( بلدة ) جيل ، سمعت صائحًا من الشاطئ يصيح‏:‏ يا ملاح ، فرفعت سجف الزلال فإذا شيخ كبير السن حاسر حافي القدمين خلق القميص ‏.‏ فقلت للغلام‏:‏ أجبه ، فأجابه ، فقال‏:‏ يا غلام أنا شيخ كبير السن على هذه الصورة التي ترى وقد أحرقتني الشمس وكادت تتلفني وأريد جيل ( أى الوصول الى بلدة جيل ) فاحملوني معكم فإن الله يأجركم ‏.‏ فشتمه الملاح وانتهره ، فأدركتني عليه رقة، فقلت للغلام‏:‏ خذوه معنا ، فحملناه ، فتقدمت بدفع قميص ومنديل إليه ، فغسل وجهه واستراح ، وحضر وقت الغداء فقلت للغلام‏:‏ هاته يأكل معنا ، ‏ فجاء فأكل معنا أكل أديب إلا أن الجوع قد بيّن عليه، فلما أكلت قلت‏:‏ يا شيخ أي شيء صناعتك ؟ قال‏:‏ حائك ، فتناومت عليه ( أى تظاهرت بالنوم )ومددت رجلي ‏.‏ فقال‏:‏ وأنت أعزك الله أي شيء صناعتك ؟ فأكبرت ذلك، ( أى استعظمت أن يخاطبنى بمثل ذلك ) وقلت‏:‏ أنا جنيت على نفسي ، أتراه لا يرى زلالي وغلماني ونعمتي وأن مثلي لا يقال له هذا، ثم قلت‏( أى لنفسى ) :‏ ليس إلا الزهد بهذا ( أى التغافل عما قاله ) فقلت‏:‏ كاتب ‏.‏ فقال لي‏:‏ أصلحك الله إن الكتاب خمسة ، فأيهم أنت ؟ فسمعت كلمة أكبرتها، وكنت متكئًا فجلست ، ثم قلت‏:‏ فصل الخمسة ‏.‏(أى اشرح بالتفصيل معنى الأنواع الخمسة للكتاب ) قال‏:‏ نعم كاتب خراج‏:‏ يحتاج أن يكون عالمًا بالشروط والطسوق والحساب والمساحة والبثوق والفتوق والرتوق وكاتب أحكام‏:‏ يحتاج أن يكون عالمًا بالحلال والحرام والاختلاف والأصول والفروع ‏.‏ وكاتب معونة‏:‏ يحتاج أن يكون عالمًا بالقصاص والحدود والجراحات ‏.‏ وكاتب جيش‏:‏ يحتاج أن يكون عالمًا بحلي الرجال وسمات الدواب ومداراة الأولياء وشيء من العلم بالنسب والحساب ‏.‏ وكاتب رسائل‏:‏ يحتاج أن يكون عالمًا بالصدور والفصول والإطالة والإيجاز وحسن الخط والبلاغة ‏.‏ قلت له‏:‏ فإني كاتب رسائل‏:‏ فقال‏:‏ أصلحك الله ، لو أن رجلًا من إخوانك تزوجت أمه وأردت أن تكاتبه مهنئًا له كيف تكاتبه ففكرت في الحال فلم يخطر ببالي شيء فقلت‏:‏ اعفني ‏.‏ فقال‏:‏ قد فعلت ‏.‏ فقلت‏:‏ ما أرى للتهنئة وجهًا قال‏:‏ فتكتب إليه تعزية ‏.‏ففكرت فلم يخطر ببالي أيضًا شيء فقلت‏:‏ اعفني ‏.‏ قال‏:‏ قد فعلت ولكن لست بكاتب رسائل ‏.‏ قلت‏:‏ فأنا كاتب خراج ‏.‏ قال‏:‏ لو أن أمير المؤمنين ولاك ناحية وأمرك فيها بالعدل واستيفاء حق السلطان فتظلم بعضهم من مساحتك وأحضرتهم للنظر بينهم وبين رعيتك فحلف المساح بالله لقد أنصفوا وحلفت الرعية بالله لقد ظلموا فقالت الرعية‏:‏ قف معنا على مسحه فخرجت لتقف فوقفوك على قراح كذا وكذا - لشيء وصفه - كيف تكتب قلت‏:‏ لا أدري قال‏:‏ فلست بكاتب خراج فما زال يذكر في حق كل كاتب حاله فلا أعلمها إلى أن قلت‏:‏ فاشرح أنت فشرح الكل فقلت‏:‏ يا شيخ أليس زعمت أنك حائك ‏.‏ فقال‏:‏ أنا حائك كلام ..فقلت‏:‏ فما الذي أرى بك من سوء الحال فقال‏:‏ أنا رجل دامت عطلتي فخرجت أطلب البصرة فقطع علي الطريق فتركت كما ترى فمشيت على وجهي فلما رأيت الزلال استغثت بك ‏.‏ قلت‏:‏ فإني قد خرجت إلى تصرف جليل أحتاج فيه إلى جماعة مثلك وقد أمرت لك عاجلًا بخلعة حسنة وخمسة آلاف درهم تصلح بها من أمرك وتنفذ منها إلى عيالك وتصير معي إلى عملي فأوليك أجله ‏.‏ قال‏:‏ أحسن الله جزاك إذًا تجدني بحيث ما يسرك فانحدر معي فجعلته المناظر للرخجي والمحاسب له فقام بذلك أحسن قيام فحسنت حاله معي وعادت نعمته ‏) ( المنتظم 11 / 6 ـ ).‏

وقبل ان نترك التدوين الديوانى الرسمى الحكومى الذى بدأ به عمر بن الخطاب فى خلافته فى شهر محرم سنة 20 نشير الى تأخر التدوين العلمى بعده . ان عمر الذى بدأ التدوين الرسمى الحكومى وأنشأ الدواوين هو نفسه الذى منع من كتابة الأحاديث القليلة التى كان يتناقلها الناس فى عهده وهم يتذكرون سيرة خاتم الأنبياء عليهم جميعا السلام. وقد فكّر عمر فى كتابة تلك الأحاديث حتى لا يدخلها الخلط والتحريف ثم رجع عن قراره طبقا لما جاء فى رواية تؤكد تشدد عمر فى رفض كتابة الأحاديث، وأنه قال فيما يرويه البيهقى وابن عبد البر "إنى كنت أريد أن أكتب السنن، وإنى ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فانكبوا عليها وتركوا كتاب الله. وإنى والله لا أشوب كتاب الله بشىء أبدا..".
أى انه منذ عصر عمر وطيلة الخلافة الأموية لم يقم المسلمون بشىء من التدوين سوى التدوين الرسمى فى جهاز الدولة لتسيير دولاب أعمالها. وربما بتأثير نهى عمر امتنعت كتابة الأحاديث وغيرها من شذرات العلوم البسيطة طيلة العصر الأموى ، ثم أتيح لها التدوين والكتابة فى العصر العباسى الأول ، ثم سيطر التدوين وتسيد الساحة العلمية منذ القرن الثالث الهجرى.
وندخل فى تفصيل أكثر عن تدوين الحركة العلمية فى الحضارة الاسلامية.


ثانيا :تدوين فكر المسلمين وعلومهم ثقافتهم خلال تاريخهم .

التدوين هنا ليس مقصودا به كتابة القرآن الكريم أو نسخ ـ بمعنى كتابة ـ المصاحف ، فقد استمر هذا منذ عصر النبى محمد عليه السلام وطيلة عصر الخلفاء الراشدين وغير الراشدين.
التدوين المراد هنا هو كتابة العلوم البشرية فى الحضارة الاسلامية.
ونبدا بابن الجوزى فى كتابه ( تلقيح فهوم أهل الأثر فى عيون التاريخ و السير) الذى أوجز فيه بعض خلاصات تاريخ المسلمين وسيرة النبى محمد عليه السلام ، وقد أشار الى أوائل من قام بالتدوين أو تصنيف العلوم فقال انهم بالبصرة : الربيع بن صبيح و سعيد بن عروبة ، وبمكة : عبد الملك بن جريج ، وباليمن : معمر بن راشد ، وبالكوفة سفيان الثورى ، اما المدينة فقد كان فيها مالك بن أنس وشعبة و الأوزاعى و أبو عوانة الوضاح ، ثم حماد بن سلمة بالبصرة و سفيان بن عيينة بمكة ومحمد بن اسحاق ووكيع بن الجراح والوليد بن مسلم بالشام وجريح بن عبد الحميد بالرى وعبد الله بن المبارك بخراسان وهشيم بن بشير بواسط وعبد الرزاق باليمن وابوعبيدة القاسم بن سلام .ويقول ابن الجوزى : ثم صار علم هؤلاء الى ثلاثة : ابن المبارك وعبد الرحمن بن مهدى. وقيل صار علم هؤلاء الى رجل واحد ولم ينتفع به الناس وهو يحيى بن معين. وعليه فان الكتابات الأولى أو المدونات الأولى لم تصل الينا.
ويستدرك ابن الجوزى فيقول : وقيل أول من صنف وبوّب الربيع بن صبيح. واختلف في المبتدىء بتصانيف الكتب فقيل سعيد بن ابى عروبة ، وقيل ابن جريج. ويضيف ابن الجوزى : ومنهم يحيى بن زكريا بن أبى زائدة ومحمد بن فضيل بن غزوان وهم جميعا بالكوفة ، و عبد الله بن وهب بمصر وأبو قرة موسى بن طارق باليمن وروح بن عبادة بالبصرة .. ثم اتسعت التصانيف.) ( تلقيح فهوم أهل الأثر : 457 : 458 . ط .مصر )
وما يقوله ابن الجوزى المتوفى عام 597 ـ فى عصر اتساع التدوين ـ يعكس الاختلافات فيمن ابتدأ بالكتابة والتدوين خلال تاريخ المسلمين. وبعض ما قاله يحوى خطأ واضحا فهو ينسب بعض مشاهير العلماء الى الى غير بلادهم ، فالأوزاعى هو عالم الشام ولكن جعله فى المدينة ، كما أنه وهو يتحدث عن الأقدمية الزمنية فى التدوين لم يذكر تاريخ وفاة أولئك الرواد فى مجال التدوين.
السبب فى الاختلاف و الاضطراب فى تحديد السابقين بالكتابة والتدوين فى تاريخ المسلمين وعلومهم يرجع الى أن التدوين جاء بعد فترة من الرواية الشفهية، وكانت هذه الرواية الشفهية معلما هاما فى تاريخ المسلمين الفكرى. تلك الفترة الشفهية عاش فيها أئمة الصحابة والتابعين الذين جعلوهم بعد موتهم روادا للحركة العلمية فى بدايتها ونشأتها البسيطة ،وفى عصر التدوين الذى جاء بعد الرواية الشفهية مصاحبا لاتساع الحركة العلمية وتعقدها و تفرعها فانهم أسندوا بالعنعنات تلك المعارف و المعلومات الى بعض مشاهير الصحابة وكبار التابعين ، وكانوا قد ماتوا من قبل بقرن وأكثر.
ولتيسير الموضوع فاننا نوجزه فى الحقائق التاريخية التالية:

1 ـ سبقت الرواية الشفهية التدوين فى القرن الأول الهجرى

فقد إنشغل العرب بالسياسة و الحروب و النزاعات فى القرن الأول الهجرى وطيلة العصر الأموى ، وهم عموما ليسوا أصحاب حضارة أو تخصص فى الكتابة وانما كانت لهم معارف يتناقلونها بالحفظ والرواية الشفهية يتركز معظمها فى الأدب والشعر وبعض الخبرات الصحراوية البسيطة. ولأنهم الحكام المسيطرون على مقاليد الأمور فقد كانت الرواية الشفهية العربية هى السائدة فى الحركة العلمية التى حافظت على بساطتها و شفويتها طيلة العصر الأموى. خصوصا وأن الدولة الأموية كانت دولة عربية عروبية خالصة.
2 ـ التدوين والموالى

سيطر العرب بالفتوحات على أمم ذات حضارة وكتابة وتدوين ، وأصبح بعض أبناء تلك الأمم من سباياهم وعبيدهم. وعاش أولئك السبايا والعبيد خدما للأسياد العرب ، وحتى الأحرار منهم عاملتهم الدولة الأموية بالعسف والاحتقار نظرا للتعصب الذى غلّف الدولة الأموية ، وقد تعصبت للعرب ضد غير العرب ، خصوصا أبناء الفرس فى العراق وأطلقت عليهم لقب ( الموالى ). وكان الموالى وأبناؤهم هم رواد الحركة العلمية فى تاريخ المسلمين ، بعد أن تعلموا اللغة العربية و عايشوا أسيادهم العرب من كبار الصحابة.وبينما إنشغل العرب بالسياسة و الحروب و النزاعات فى القرن الأول الهجرى وطيلة العصر الأموى فقد كان للموالى الوقت الكافى للتفرغ للعلم وكان لديهم الموروث الحضارى من أسلافهم ، وكان لديهم ما هو أقوى وهو دافع التميز على العرب السادة. لذلك كانوا الرواد وسادة التابعين. والتابعون مصطلح أطلقوه على العلماء والفقهاء فى الجيل التالى للصحابة والذى أخذ أخبار النبى وعصره من أفواه الصحابة. ولأن الموالى كانوا الخدم الملازمين لأولئك الصحابة ولأن أولئك الموالى ـ كان معظمهم يعرف الكتابة ـ فقد كانوا قادة التابعين فى العلم وفى التدوين.

3 ـ التدوين والاسناد للصحابة

لم يكن مقبولا فى ذلك الوقت أن يتجرأ أحد الموالى فيقول رأيه العلمى فكان المخرج أن ينسب رأيه لسيده العربى الذى يخدمه ويعيش فى ظله ويحمل ولاءه والانتساب اليه وفق ما كان سائدا فى القرنين الأوليين من الهجرة ، حيث ظلت عائلات أولئك الموالى تتوارث ولاء القبائل العربية والأسر العربية المشهورة حتى العصر العباسى الثانى . لذلك قام الموالى بالرواية الشفهية وكانوا ينسبون أقوالهم الى سادتهم من العرب من كبار الصحابة، باعتبارهم المرجعية لديهم فى العلم بالاسلام. ومن الممكن والمنتظر أن يكون بعض المنسوب للصحابة قد قالوه فعلا ورواه عنهم أتباعهم من الموالى وغيرهم ، ولكن يستحيل أن يكون كل ذلك الكمّ الهائل من المنقول عن الصحابة قد قاله فعلا الصحابة، فقد انشغل معظم الصحابة بالصراع السياسى و الحربى منذ الفتوحات الى الفتنة الكبرى الى الصراع الحربى والسياسى مع أو ضد الدولة الأموية. والحياة العلمية تستلزم تفرغا و تفكرا وتركيزا لمن يكون لديه أهلية للبحث والفكر، وهذا ما لم يكن متوفرا لدى معظم الصحابة خصوصا الرواة منهم.

4 ـ التدوين وتطور الحركة العلمية فى تاريخ المسلمين.

وكما جاء التدوين تاليا للفترة الشفهية فانه ارتبط ايضا بالتطور اللاحق للحياة الفكرية والعلمية فى تاريخ المسلمين وتأثر بها.وقام التدوين بالتعبير بأثر رجعى عن مدرسة الحديث فى المدينة و مدرسة الرأى والاجتهاد فى العراق .
فى العصر الأموى كانت مدرسة المدينة تمثل المحافظة والتقليد وتعيش في استرجاع امجاد عصر النبوة والراشدين حين كانت المدينة العاصمة الاولي للمسلمين قبل ان تنتقل عنها الاضواء للشام والعراق . ودارت الحركة العلمية في المدينة حول سيرة النبي ومغازيه وتخصصت في الاحاديث دون القول بالرأي و الاجتهاد واعتمدت علي اهل المدينة مصدرا من مصادر التشريع ، ولأن الحياة الصحراوية تسير علي وتيرة واحدة فان التقليد يفرض نفسه.
وفي مقابل المدرسة المحافظة المتزمتة في المدينة اقام ابو حنيفة ( ت 150 هـ ) مدرسة الرأي في العراق ، حيث جمع ابو حنيفة بين الفقه والفلسفة وعلم الكلام ، وحيث رفض الاسانيد التي يخترعها اقرانه من فقهاء الحديث والتقليد . وجاء العصر العباسى بزخم كبير أثرى الحركة العلمية المحافظة و المتحررة، وجاء التدوين الفردى والجماعى والشعبى والرسمى ليسجل كل ذلك التنوع فى العلوم والمعارف .

5 ـ التدوين والانتحال:

من سوء حظ الدولة الأموية أنها عاشت فى فترة الرواية الشفهية ، ثم جاء عصر التدوين فى عصر الدولة العباسية ـ الخصم التقليدى للأمويين. أى أن تدوين التاريخ للأمويين حدث بأثر رجعى فى عصر خصومهم العباسيين ، وجاء معتمدا على ذاكرة من يحفظ من الرواة وعلى أمانة من يكتب ثم يخترع اسنادا ينسبه الى رواة ماتوا من قبل ، والعهدة عليه فيما يكتب وفيما يسند و يروى . ومن الطبيعى أن تتأثر الراوية الشفهية والتدوين بالهوى المذهبى و العصبية القومية و الانتماءات المختلفة، ولكن يظل الأقوى تأثيرا هو العامل السياسى. وهنا تبرز الدولة العباسية كدولة دينية مذهبية سنية ترعى حركة التدوين وتطارد المخالفين لها فى الرأى تتهمهم بالزندقة وتقتلهم بحد الردة. وحتى من كان مشهورا بالتفتح والمرونة مثل الخليفة المأمون (الذى أنشأ بيت الحكمة والذى رعى حركة التدوين و الترجمة ) كان هو الذى أرغم الفقهاء على القول بخلق القرآن وهو الذى اشتهر بكراهية الأمويين والانحياز للعلويين الهاشميين حتى لقد اختار ولى عهده منهم.لذا فالمتوقع منهم أن يتدخلوا فى الحركة العلمية وتدوين العلم بما يخدم دولتهم ومذهبهم الدينى.

6 ـ أبن عباس جعلته الدولة العباسية المرجعية الكبرى للتراث المدون.

فالجد الكبر للخلفاء العباسيين وهو عبد الله بن عباس صار بالتدوين العباسى المرجعية الكبرى للفكر والتراث لدى المسلمين. لقد تضخمت الأحاديث المروية عن ابن عباس حتى لقد أسند له أحمد بن حنبل (1696) حديثاً.. هذا مع أن الآمدى فى كتاب (الأحكام فى أصول الأحكام) يقول أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله ( سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ) ( الآمدى: الأحكام 2/178: 180) ويقول ابن القيم " أن ما سمعه ابن عباس من النبى لم يبلغ عشرين حديثاً . (ابن القيم: "الوابل الصيب من الكلم الطيب : 77)وذلك الأقرب للصواب من خلال سيرة ابن عباس فى كتب التاريخ، فابن عباس أسلم مع أبيه قبيل فتح مكة وقابل الرسول محمدا عليه السلام بالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة، ومات النبى بالمدينة وابن عباس فى مكة فى العاشرة من عمره، وفى رواية أنه كان فى الخامسة عشر من عمره( سيرة ابن عباس فى تاريخ ابن كثير 8/290: 291، طبقات ابن سعد 2/192.). أى رأى النبى مدة يسيرة وكان فيها طفلاً ملازماً لوالده فى مكة، فكيف يروى عنه آلاف الأحاديث؟
ومع ذلك فقد تكفل التدوين فى العصر العباسى باسناد آلاف الأحاديث ـ بأثر رجعى الى ابن عباس تقربا للخلفاء العباسيين.

7 ـ مزاعم متناقضة عن وجود تدوين فى العصر الأموى

ومن الطريف أنه واجهتهم مشكلة عند تدوين أحاديث ونسبتها لابن عباس. فالثابت أن ابن عباس عاش فترة الرواية الشفهية فكيف يمكن قبول نقل كل ذلك العلم عنه شفويا دون خطأ أو نسيان؟
فى الاجابة على هذا السؤال تضاربت الروايات فى عصر التدوين ، بعضها يثبت لابن عباس آلاف المدونات ، وبعضها ينفى .
وهنا نستشهد أيضا بأقدم مصدر تاريخى وهو ( الطبقات الكبرى )لابن سعد .
يروى ابن سعد أن سعيد بن جبير ( أحد كبار التابعين و أحد زعماء الموالى فى العصر الأموى ، وتلميذ ابن عباس ) كان يسائل ابن عباس قبل أن يصاب ابن عباس بالعمى، فلما أصيب بالعمى أخذ يكتب عنه فبلغ ذلك ابن عباس فغضب منه ( الطبقات الكبرى 6 / 179 ) اذن فالمفهوم هنا رفض ابن عباس لكتابة علمه. ولكن تأتى رواية أخرى لها أيضا سند من الرواة ـ كالعادة فى منهجية ابن سعد فى كتابه ( الطبقات الكبرى ) ـ تقول الرواية أن ( كريبا ) وهو أحد موالى ابن عباس و تلامذته وقد توفى سنة 98 هجرية ، قد كتب ما يعادل حمل بعير من علم ابن عباس ، وأن على بن عبد الله بن عباس كان اذا أراد شيئا من علم أبيه قال لكريب : إبعث لى بصحيفة كذا وكذا فينسخها ويبعث له باحداهما ( الطبقات 5 / 216 ) فهنا تأكيد على أن لابن عباس كتبا كثيرة وأنه إئتمن عليها مولاه وخادمه كريبا ، ولم يأتمن عليها ابنه على..وقد يأتى التناقض فى نفس الصفحة ، فهناك رواية يقول فيها سعيد بن جبير ( كنت آتى ابن عباس فأكتب عنه ) ورواية أخرى تقول ( كان سعيد بن جبير يكره كتابة الحديث ) ( الطبقات .. 6 / 179 )، فكيف يكتب وكيف يكره الكتابة ولا يكتب ؟
ونفس التناقض فى الكتابة وعدمها قيل عن محمد بن سيرين (ت 110 هجرية ) أحد كبار التابعين من الموالى . فهناك رواية تقول انه قال محذرا من الكتابة ( إياكم والكتب ، فقد تاه من كان قبلكم أو ضلّ من كان قبلكم بالكتب) وقال بكار بن محمد بن سيرين ( لم يكن لجدى ولا لأبى ولا لابن عون كتاب فيه تمام حديث واحد ) ثم تليها رواية أخرى مناقضة تقول ( ان محمد بن سيرين كان لا يرى باسا أن يكتب الحديث ) ( الطبقات 7 / 141 )
ونفس التناقض فى الروايات فى سيرة الحسن البصرى (ت 110 هجرية ) أشهرعلماء الموالى والتابعين فى العصر الأموى ، تقول رواية ان علم الحسن البصرى كان فى صحيفة صغيرة قدر أصبعين ، وتتناقض رواية أخرى فتؤكد أن أن حميد أحد الرواة كان قد أخذ كتب الحسن البصرى فنسخها ثم ردها عليه، ( الطبقات 7 / 116 ، 126 ) والغريب ان سلسلة السند والعنعنة فى الروايتين تجد فيها نفس الرواة حماد بن سلمة عن حميد.

8 ـ دعوى احراق الكتب و دفنها و اتلافها فى عصر الرواية الشفهية

وللخروج من هذا التناقض اخترع بعضهم كذبة أخرى يثبت بها أنه كان لبعض كبارالصحابة والتابعين كتب كثيرة و لكنهم أحرقوها أو دفنوها أو محوها. فينسبون الى من اسمه سهل بن الحصين قوله : بعثت الى عبد الله بن الحسن البصرى : إبعث لى بكتب أبيك ، فبعث الى : إنه لما ثقل ( أى اشتد عليه المرض ) قال لى اجمعها فجمعتها له وما أدرى ما يصنع بها ، فقال للخادم : استجرى التنور، ثم أمر بها فأحرقت ..) ( الطبقات 7 / 127 ). ورواية أخرى أن حماد بن زيد قال عند موته ( ادفعوا بكتبى الى أيوب ان كان حيا وإلا فأحرقوها ) ( الطبقات 7 / 135 ) ويروون أن عروة بن الزبير(ت 94 هجرية ) أحرق كتب فقه كانت له يوم معركة الحرة ( الطبقات 5 / 133 ) ومما يدل على أنها رواية مصنوعة فى العصر العباسى أن مصطلح الفقه لم يكن قد جرى استعماله فى هذا العصر المبكر من التاريخ الأموى.
أما محمد بن عبد الله الفزارى المتوفى فى آخر خلافة أبى جعفر المنصورفقد ( سمع كثيرا من الحديث وكتب ودفن كتبه ) ( الطبقات 6 / 255 )وأن علقمة بن قيس ( ت 72 ) دعا بكتبه عند موته فمحاها وقال : أخشى أن يليها أحد بعدى فيضعونها فى غير موضعها ) ( الطبقات 6 / 63 ).

9ـ صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص

وهناك رواية مشهورة تزعم أن عبد الله بن عمرو بن العاص كتب عن النبى محمد عليه السلام صحيفة فيها بعض أقواله ، قال محمد بن سعد( أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى ادريس عن سليمان بن بلال عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن عمرو قال: استاذنت النبى فى كتابة ما سمعت فأذن لى فكتبته ، فكان عبد الله يسمى صحيفته تلك الصادقة ) ( الطبقات 7 /2 / 189 )
مما يؤكد كذب تلك الرواية هو موت عبد الله بن عمرو فى الثانية والسبعين من عمره، وقد اختلفوا فى سنة وفاته هل هى سنة 73 أو 67 أو قبل ذلك أو بعده ، وفى كل ألأحوال فقد كان طفلا صغيرا حين مات النبى محمد عليه السلام، وليس معقولا أن يعهد النبى محمد عليه السلام فى حياته الى طفل صغير بأن يكتب أقواله فى الوقت الذى منع الآخرين من ذلك ، فكيف يعطى استثناءا لطفل صغير لم يعطه لكبار الصحابة؟ .
لقد شارك عبد الله بن عمرو فى شبابه فى الفتنة الكبرى مع أبيه عمرو بن العاص متذرعا بأن النبى محمدا أمره ألا يخالف أباه، وهذا تبرير ساقط لأن التعاون لا يكون إلا على البر والتقوى وليس على الاثم والعدوان وسفك الدماء. وأفظع من الانغماس فى ظلم المسلمين و قتلهم و العدوان على أصحاب الحق أن يتم تبرير ذلك بأكذوبة ينسبها للنبى محمد عليه السلام بعد موته تزعم أن على الابن أن يطيع أباه حتى لو كان فى العصيان وسفك الدماء. بعد الفتنة الكبرى والحروب الأهلية عاش عبد الله بن عمرو معظم حياته فى مصر متمتعا بالوجاهة ضمن قلة قليلة من الذين امتد بهم العمر بعد أن رأوا النبى محمدا ، واستغل هذا فى تصدر الساحة دينيا بالاضافة الى وجاهته السياسية والاجتماعية فى الدولة الأموية التى شارك مع أبيه فى تأسيسها .وكان له أتباع نقلوا عنه تلك التقولات التى يحكيها عن النبى محمد وعن نفسه ومنها اسطورة تلك الصحيفة المزعومة التى لم يرد ذكر لما تحويه من الأحاديث، ولو كانت حقيقية لعاشت محمية محافظا عليها لتكون أهم مصدر يقوم عليه التدوين فيما بعد ،إلا أنه ليس لها وجود الا مجرد الحديث عنها فى كتب السّنة اللاحقة.
10 ـ أسباب ترك التدوين فى عصر الرواية الشفهية:

كان سعيد بن المسيب أشهر العلماء العرب فى العصر الأموى ، والشيخ الأكبر لمدرسة المدينة و للامام مالك فيما بعد. ومع ذلك لم يكتبوا علمه الغزير فضاع معظمه، ولما جاء عصر التدوين حزنوا على ما ضاع من علم سعيد بن المسيب ، يقول تلميذه يحيى بن سعيد ( ادركت الناس يهابون الكتب ولو كنا نكتب يومئذ لكتبنا من علم سعيد ورأيه شيئا كثيرا ( ( ابن سعد 5 / 104 ). أى كان هناك رهبة و هيبة بين العرب من تدوين العلم وكتابته، باعتبارهم أمة ليست الكتابة من مميزاتها ، بينما كان الحفظ والاستظهار من مفاخرهم فى ذلك الوقت.
وكان لعلماء الموالى العارفين بالكتابة أسباب أخرى لعدم التدوين ، فالشعبى (ت 104 ) هو أشهر الرواة فى العصر الأموى ومن كبار قادة الموالى ، وكان يعرف الكتابة إلا إنه رفض الكتابة وتدوين مروياته مكتفيا بالحفظ والسرد . يقول ( ‏ ما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته وما أحببت أن يعيده عليّ ‏.‏) ( ابن سعد 6 / 174). ويتضح من كلامه أنه كان يفاخر بمقدرته على الحفظ حتى لا يتفوق عليه العرب أصحاب تلك الموهبة ، أى أن الفخر كله كان للحفظ والسرد من الذاكرة ، وأن اللجوء للتدوين كان يعنى نوعا من النقص والعجز.
ودخل الى البادية العربية ابو العلاء ابن عمار القارى ( ت 154) ليجمع من الأعراب غريب اللغة العربية والشعر العربى ليتعرف منه على قواعد اللغة العربية وأصولها المنطوقة. وكان لا بد من تدوين ما يسمعه ، يقول عنه ابن الجوزى ( وكان قد كتب عن العرب الفصحاء ما ملأ به بيتًا إلى قريب من السقف ثم أنه تقرى فأحرقها كلها فلما رجع من بعد إلى علمه لم يكن عنده إلا ما قد حفظه وكانت عامة أخباره أعراب قد أدركوا الجاهلية ‏.‏). ( المنتظم 8 / 182 ) هذا الرجل عاش العصر الأموى وأدرك أكثر من عشرين عاما فى العصر العباسى ، ومع ذلك فان التحرج من التدوين لازمه فأحرق ما دونه فى رحلته متفاخرا بذاكرته فما أغنت عنه شيئا.
وبعضهم كانت له اسبابه الدينية فى رفض التدوين ، وهى أسباب غير مقنعة ، فقد كان عبد الله بن إدريس من أهل الحفظ واعتبر التدوين خطيئة لو فعلها لعوقب بنسيان القرآن ، يقول‏:‏ لولا أني أخشى أن ينفلت مني القرآن لدونت العلم . ( المنتظم 9 / 205 ) وعبد الله بن ادريس مات سنة 192 أى عاش ستين عاما فى العصرالعباسى ، ولكن ظل مشدودا للثقافة الشفهية الأموية حتى العصر العباسى الأول .
ونرجع للعصر الأموى حيث يقول حبيب بن أبى ثابت ت 119 ( ما عندى كتاب واحد فى الأرض إلا حديث واحد فى تابوتى ) ( الطبقات الكبرى 6 / 223 ) وبعضهم اضطر للكتابة فدافع عن نفسه كأنما يرتكب إثما ، يقول جامع بن شداد أنه رأى حماد بن أبى سليمان ( ت 120 ) ( يكتب عند ابراهيم النخعى فى الواح ويقول : و الله ما أريد به الدنيا ) ( الطبقات 6 / 232 ) هذا مع أن ابراهيم النخعى ـ وهو من كبار العلماء فى العراق الأموى كان يفخر بعدم الكتابة مع معرفته بها ، ويقول ( ما كتبت شيئا قط ) وقد قال له تلميذه فضيل ( إنى أجيئك وقد جمعت مسائل ..وأراك تكره الكتاب ، فقال : إنه قلّ ما كتب انسان كتابا إلا أتكل عليه ، وقلّ ما طلب إنسان علما إلا آتاه الله منه ما يكفيه ) ( الطبقات 6 / 189.)
والواضح أن الكتابة هنا تعنى الانصراف عن حلقات الدرس اكتفاء بالمكتوب مما يهدد مكانة الشيوخ و يقلل من عدد المستمعين لهم . وابراهيم النخعى كان لا يكتب ، وان كان يسمح لتلاميذه بالكتابة عنه ، وهو هنا يخالف قطر بن خليفة ت 155 الذى عاش فى الكوفة وأدرك أكثر من عشرين عاما فى العصر العباسى الأول وظل محافظاعلى عدم الكتابة الى درجة أنه ( كان لا يدع أحدا يكتب عنده ) ( الطبقات 6 / 253 ). أما عمرو بن دينار فقد كانت الكتابة مشكلة له ، لقد كان مقعدا يحملونه على حمار الى المسجد ، وفيه يلتف حوله الناس يأخذون عنه سماعا كالعادة فى الرواية الشفهية. وكان يقول ( اخرجوا عنى من يكتب عنى ) وقيل له أن تلميذه المقرب سفيان يكتب عنه فاضطجع وبكى وأمر باخراجه، وتاب سفيان من ذنب الكتابة وقال ( فما كتبت عنه شيئا، كنا نحفظ ) ( الطبقات 5 / 353 ). وواضح أن هذا الشيخ المقعد المشلول كان يخشى من أن يكتبوا عنه اليوم ثم ينصرفون عنه غدا مكتفين بما أخذوا منه ـ فتطرف فى منع الكتابة عنه حتى لا يفقد صحبتهم والأنس بهم.
11 ـ بداية التدوين
ومع ذلك بدأ التدوين على استحياء فى فترة جمعت بين الرواية الشفهية و التدوين المتفرق ، وكان ذلك بتشجيع قتادة أشهر علماء العصر الأموى المتوفى عام 117 ، وقد قيل لقتادة (نكتب ما نسمع ، فقال: وما يمنعك أحد أن تكتب ، وقد أنبأك اللطيف الخبير أنه كتب وقرأ فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى ) ( الطبقات الكبرى 7 / 2 / 2 )
ويرى ابن الجوزى أن أول من صنف الكتب هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح المكي ( المنتظم 8 / 124 ) ، وقد توفى ابن جريج سنة 150 ، أى أدرك ما يقرب من عشرين عاما فى العصر العباسى. ولكن ابن سعد يذكر أن سالم بن أبى الجعد المتوفى عام 101 (كان يكتب الحديث ، ولكنه كان إذا حدث شفهيا أكثر من الحديث) ( الطبقات الكبرى 6 / 203 )، أى سبق ابن جريج فى التصنيف، و لكن ابن الجوزى يتحدث عن شىء محدد وهو تصنيف الكتب ، وليس مجرد كتابة متفرقات من الأحاديث ، وعليه فابن جريج هو أول من قام بالتصنيف والتأليف وليس مجرد الكتابة والتدوين.
فى فترة الجمع بين التدوين و الرواية الشفهية اشتهر ابو عوانة الذى كان يملى ويروى بالسماع معا، يقول تلميذه عفان بن مسلم ( كان يتحفظ ويملى علينا ويخرج الحديث الطويل فيقرؤه أو يمليه ، وقد سأل : ما يقول الناس فىّ ؟ فقيل له : يقولون كل شىء تحدث به من كتاب فهو محفوظ ، ومالم تجىء به من كتاب فليس بمحفوظ) ( الطبقات الكبرى 7 / 2 / 43 ) وهنا تفضيل للتدوين على الرواية الشفهية بعد أن اتضح دورها فى نسيان العلم وضياعه.
ومن الطبيعى أن يحدث تنافس بين التدوين و الرواية الشفهية فى ذلك الوقت المبكر من تاريخ التدوين ، فقد قيل لجابر بن زيد الأزدى : انهم يكتبون عنك ما يسمعون ، فلم يغضب بل قال: إن لله ما يكتبون، فقال عفان: أنا أتحول عنه غدا ، وقال عارم: وأنا أرجع اليه غدا ) ( الطبقات الكبرى 7 / 131 ) اى اختلفت مواقف تلاميذه منه بعد تشجيعه للكتابة عنه ، منهم من هجره ومنهم من تمسك به. ويقول عفان بن مسلم أيضا ان شيخه جويرية بن أسماء بن عبيد كان يمتنع من الاملاء متمسكا بالرواية الشفهية فلما بدأ يملى علمه على الناس تركه عفان (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 38 ـ )
12 ـ اتساع التدوين الشعبى والفردى
لم يكن الحديث أبرز دوافع التدوين لأنه ارتبط أكثر بالسماع فكان عادة أن يقال فى ترجمة شيوخ الحديث انه ( سمع من فلان )، و ( سمع ) تعنى الرواية الشفهية.
ربما كان جمع اللغة العربية ومفرداتها وألفاظها وأبيات شعرها هو الدافع الأكبر حيث اعتاد علماء اللغة والأدب والبلاغة والشعر دخول البوادى العربية و سماع اللغة العربية من الأعراب الذين بقوا داخل الصحراء لم يتصلوا بالحضر فظلوا محافظين على نقاء لغتهم و لم يعرفوا اللحن فى اللغة.
بدأ هذه الرحلة للبوادى العربية العبقرى العربى الخليل بن أحمد ، ثم تفرغ فى البصرة لوضع اسس علوم جديدة كالعروض وقواعد النحو ، وأخذ عنه أعلام اللغة والبلاغة والأدب مثل سيبويه وغيره. وقد توفى الخليل بن أحمد فى بداية العصر العباسى على خلاف فى تحديد سنة وفاته. وقد تعلم الكسائى النحوى ت 189من الخليل الرحلة للبوادى والأخذ عن الأعراب وتدوين ما يجمع. التحق الكسائى بحلقة الخليل وسأله ‏:‏ من أين أخذت علمك هذا؟ فقال‏:‏ من بوادي الحجاز ونجد وتهامة ‏.‏ فخرج الكسائى الى الصحراء ورجع وقد أنفذ بخمس عشرة قنينة حبرًا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظه . ( المنتظم 9 / 169 ).
ثم دخل التدوين فى دور الاتساع والتنوع بفضل الموالى ، وكانوا فى العصر العباسى رواد علوم الطب والحكمة والفلسفة واللغة العربية و الأدب والحديث والسنة أيضا.
13 ـ الموالى وريادة التدوين
ومع التقدير لدورالخليل بن أحمد الفراهيدى للعلم العربى إلا إن ريادة التدوين ظلت فى أيدى الموالى ، كانوا رواد التدوين كما كانوا رواد الحركة العلمية الشفهية. يقول ابو العالية الرياحى المتوفى فى العصر الأموى سنة 90 ( كنت مملوكا أخدم أهلى فتعلمت القرآن ظاهرا و الكتابة العربية )( الطبقات الكبرى 7 / 2 / 8 ) وبالعلم علا شأن أبى العالية الرياحى وانتقل الى طبقة أخرى نسى الناس بها أصله القديم . وأشهر علماء الموالى كان عبد الله بن المبارك ( 118 181 ) وقد طبقت شهرته الآفاق فى عصره ، وقد جمع بين العلم والتدوين والتجارة والجهاد وكثرة الأتباع والنفوذ، وصنف كثيرا من كتب العلم وصنوفه ، وتخصص كثيرون فى نسخ كتبه ونقل علمه ( الطبقات الكبرى 7 / 2 / 104 ـ ) وكان منهم عياذ بن عثمان (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 108 ).
وظاهرة اسماء العلماء وألقابهم تؤكد أن أغلبية العلماء ـ ومن دونوا العلم ـ كانوا من الموالى.
العادة ان العربى ينتسب الى قبيلته ويهتم بنسبه ويرى فخره فى الانتماء القبلى ، بينما كان الانتماء فى البلاد الزراعية والحضارية للمكان وللحرفة . عند العرب يقال ( الخليل بن أحمد الفراهيدى ) نسبة لقبيلته ، و(هشام الكلبى ) نسبة لقبيلة كلب ، بينما يقال ( الحسن البصرى ) نسبة للبصرة ،لأن نسب الحسن الفارسى ليس معلوما فانتسب للبصرة بلدته، ويقال أيضا ( البخارى ) لابن برزويه أكبر وأشهر من جمع ودون الحديث وهو المولود فى بخارى فانتسب اليها باسمه مما غطى على اسمه الفارسى، ويقال ( اسحاق الموصلى ) نسبة للموصل ، او يقال ( الفراّء ) للعالم النحوى نسبة لصناعة الفراء أو (المبرد ) لعالم النحو الأدب وهى نسبة لصناعة التبريد ، وأيضا ( الزجاج ) نسبة لصناعة الزجاج ، وكان الزجاج من كبار علماء اللغة، و( الماوردى ) نسبة الى ماء الورد ، والماوردى هو على بن محمد أبرز فقهاء الشافعية فى القرن الخامس الهجرى .
وباستعراض أسماء قادة الحركة العلمية والتدوينية بل وقادة التشيع والتصوف والسنة تجد الأسماء التالية : الخشاب ، العطار ، الخياط ، الكحال ، الجوهرى ، الصيرفى ، الدهان ، الجزار ، القصاب ، الكيال ، الحلاج ، البزاز ، الطيالسى ، المزين ، الصباغ ، والسماك ، والنحاس ، الطحان ، النجار ، الجصاص ، الكسائى ، الأنماطى ، الفراش ، القواس ، الصفار ، الحداد ، الكتانى ، السقاء ، الحريرى ، الوراق ، الرياشى ، السفاطى ، الخبار ، الجمار ، الاسكافى ، الخلال ، الساعاتى ، الرفاء ، اللبان ، العلاف ، الهراس ، الخراز ، الشواء ، الصدفى ، الزعفرانى ، الخواص ، القواريرى ، الزيات ، الفحام ، المراكبى..الخ. ما يدل على أن اولئك العلماء انتموا الى طبقة العلماء الحرفيين بالأسرة أو عملوا بهذه المهنة او تلك ثم أرادوا تحسين وضعهم الطبقى بالاشتغال بالعلم والتدوين ، فدخلوا فى ميدان العلم وهم يحتفظون باسم الحرفة السابقة التى كانوا يمارسونها بالمهنة او تمارسها عائلاتهم .
وبتأثير أولئك الموالى العلمى والثقافى وريادتهم التدوين وقيادتهم المجتمعات ثقافيا ودينيا فقد انتهى احتكار الانتماء القبلى فى التسميات العربية وحل الى جانبه الانتماء الى البلد مثل ( ابن جريج المكى ) و( المدينى ) و ( الحلبى ) والانتماء الى القطر مثل ( المغربى ) و (المصرى ) والانتماء الى الحرفة كما سبق, وظل هذا ساريا طيلة العصرين العباسى والمملوكى.
وبجمع اللغة العربية وآدابها وجمع ما يشاع على الألسنة من حديث وتاريخ وسيرة بدأ التدوين يتسع و يتنوع ويزدهر عن طريق الأفراد ثم دخلت الدولة العباسية فى الميدان خصوصا فى خلافة المأمون.
14 ـ ازدهار التدوين الرسمى فى عهد المأمون

أخذ التدوين تطورا مذهلا فى خلافة المأمون العباسى. يكفى أن نأخذ العالم الفارسى الأصل الفراء (ت 207 ) نموذجا . لقد كان الفراء ثقة إمامًا فى اللغة العربية وقواعدها ، قال ثعلب‏:‏ لو لا الفراء ما كانت عربية لأنه خلصها وضبطها ‏.‏ توثقت صلة الفراء بالخليفة المأمون حيث كان الفراء هو معلم ولدى المأمون،يقول ابن الجوزى : ( وقد أمر المأمون الفراء أن يؤلف ما جمع به أصول النحو وما سمع من العرب وأمر أن يتفرغ للعلم في حجرة من حجر الدار، ووكل به جواري وخدمًا يقمن بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوق نفسه إلى شيء، حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة ، ووظف له الوراقين ( أى أصحاب الورق ) ,, وألزمه الأمناء والمنفقين فكان يملي والوراقون يكتبون حتى صنف الحدود في سنين وأمر المأمون بكتبه في الخزائن فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس وابتدأ يملي كتاب المعاني وكان ورَّاقاه‏:‏ سلمة وأبا نصر ‏...‏ فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني فلم يضبط ‏.‏ فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيًا فلم يزل يمليه حتى أتمه وله كتابان في المشكل أحدهما أكبر من الآخر....‏ فلما فرغ من إملاء كتاب المعاني خزنه الوراقون عن الناس ليكسبوا به وقالوا‏:‏ لا نخرجه إلى أحد إلا مَنْ أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم ، فشكى الناس ذلك إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك فقالوا‏:‏ إنما صحبناك لننتفع بك وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعيش به . فقال‏:‏ فقاربوهم تنتفعوا وينتفعوا، فأبوا عليه فقال‏:‏ سأريكم ‏.‏ وقال للناس‏:‏ إني ممل كتاب معان أتم شرحًا وأبسط قولاا من الذي أمليت، فجلس يملي ، فأملى الحمد في مائة ورقة فجاء الوراقون إليه فقالوا‏:‏ نحن نبلغ للناس ما يحبون . فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم ‏.‏ ( المنتظم 10 / 178 : )
نقلنا النصّ السابق من ابن الجوزى لنتعرف على أن التدوين صار له شهرة و مؤيدون ، وأزدهرت به حرفة (النشر) التى قام بها الوراقون وقد أرادوا احتكار ما كتبه الفراء وبيعه بالسعر الذى يريدون، ولولا موقف الفراء لنجحوا فى سعيهم.
15 ـ المظاهر الايجابية للتدوين
بالتدوين كثرت المدونات والكتب ،
ونأخذ أمثلة : قيل عن الشافعى ت 204 انه أخذ من محمد بن الحسن الشيبانى ت 189 مجموعة هائلة من الكتب‏( المنتظم 9 / 174) وأن الواقدى 207 (‏:‏ انتقل .. فحمل كتبه على عشرين ومائة وقر) ( ‏.‏ و كان له ستمائة قمطر كتب وكان الواقدي يقول‏:‏ حفظي أكثر من كتبي ‏.‏( المنتظم 10 / 174 ) وخلف يحيى بن معين ت 233 من الكتب ( مائة قمطر وأربعة عشر قمطرًا وأربعة حباب شرابية مملوءة كتبًا) ( المنتظم 11/ 205 ) وامتلأ بيت ابن الفرخى ت 271 كتبا ( المنتظم 12 / 248 ).
واتسعت المصنفات لتشمل كل نواحى المعرفة من فلسفة وحكمة وآداب و فقه و تفسير و لغويات وغيرها. كان ذلك فى فترة انتعاش الحركة العلمية فى العصر العباسى ، ثم حين سيطرالفقهاء الحنابلة واضطهدوا المعتزلة و العقليين و المتأثرين بالثقافات الأجنبية لحق الاضطهاد بكتبهم ورموها بالزندقة، وفى سنة 311 وفي نصف رمضان أحرق العوام فى بغداد ( أربعة أعدال من كتب الزنادقة فسقط منها ذهب وفضة مما كان على المصاحف له قدر)( المنتظم 13 / 220 )
وتم الاعتماد على المدونات فى العلم بدلا من الرواية الشفهية .
ونأخذ أمثلة : فقيل عن على بن الحسن ت 215 انه (كان يحفظ كتب ابن المبارك) ( المنتظم 10 / 270 ) وكان إبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمداني ‏.‏ت 255 (كثير الطلب للحديث منهمكًا في كتابته ) ( قال عبد الله بن وهب الدينوري‏:‏ كنا نذكر إبراهيم بن الحسين بالحديث فيذاكرنا بالقمطر وكان يذاكر بالحديث الواحد فيقول عندي منه قمطر ‏.‏( المنتظم 12 / 89 ) وتفرغ الزبير بن بكار للكتب التى ملأ بها داره واكتفى بزوجة واحدة لم يتزوج عليها ولم يشتر جوارى ، ومع ذلك كانت زوجته ‏ تقول:‏ والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر ‏.‏ ( المنتظم 12 / 110 )
وتنوع الاعتماد على المدونات العلمية
فهناك من تخصص فى رواية كتب علماء بعينهم ، مثل معاوية بن عمرو الأزدى الذى روى عن زائدة ابن قدامة كتبه ومصنفاته كما روى كتاب السيرة عن ابن اسحاق ، وقد توفى سنة 215 فى بغداد فى خلافةالمأمون ( الطبقات الكبرى 7 / 2 / 82 ). وكان اسحاق بن عيسى الطباع ت 201 قاضى العسكر فى خلافة المأمون ( يروى كتب أبيه ) (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 83 )
وهناك علماء قاموا باملاء علمهم من الذكرةمثل وهيب بن خالد بن عجلان الذى ( كان يملى حفظا ) (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 43 ) وهناك علماء اتخذوا لأنفسهم من يتخصص فى الكتابة عنهم ، فالليث بن سعد أتخذ لنفسه كاتبا هو عبد الله بن صالح الجهنى (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 205 ) وهناك علماء كتبوا علمهم بأنفسهم وقاموا بتدريسه ومنهم القاسم بن سلام من خراسان ، وقد اشتهر بالنحو ، وقدم بغداد ففسر غريب الحديث وصنف كتبا واسمع الناس ، وحج وتوفى بمكة عام 224 (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 93 ) وصنف خلف بن سالم المسند فى الحديث وقدم بغداد وكتب الناس عنه وتوفى فى بغداد عام 231 ، ومثله زهير بن حرب بن أشتال ت 234 (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 92 ).
والواضح أن القدوم الى بغداد كان هدفا لمن يريد الشهرة من العلماء.
و فيما بعد تكاثرت المؤلفات ، وبعضهم كانت له عشرات المصنفات ، ومنهم محمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى الذى نعتمد عليه هنا ، وقد اشتهر بكثرة مؤلفاته فى الحديث وغيره ، وقد توفى عام 230. واشتهر ابن سعد بلقب ( كاتب الواقدى ) اذ كان يعمل كاتبا للواقدى المؤرخ المقرب من الخليفة المأمون . وقد صنف الخطيب البغدادى ت 463 ( تاريخ بغداد ) يؤرخ فيه طبقا لمنهج المحدثين فى الاسناد والعنعنة لكل من دخل بغداد وعاش فيها من العلماء ، ومعظمهم من المشتغلين بالحديث وروايته وتدوينه.
انتشارالاستملاء:
وبازدهار التدوين أصبح الاستملاء ملمحا اساسيا للحركة العلمية بديلا عن مجرد الاستماع والحفظ الشفهى. فقيل عن كثير من العلماء فى العصر العباسى الأول انهم ( كتبوا عنه ) مثل منصور بن بشير ت 235 (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 86 ) وبشر بن شعيب (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 176 ) وعمرو بن هارون البلخى (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 106 )
والى بغداد قدم الحسن بن سواد فى خلافة المأمون يريد الحج فكتب عنه الناس ، ومات فى آخر خلافة المأمون (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 106 )
ويقول ابن الجوزى عن سليمان بن داود ت 204 مولى قريش وأصله فارسي انهم ( كتبوا عنه أربعين ألف حديث وليس معه كتاب) ( المنتظم 10 / 133) وقال قاسم بن زكريا المطرز ‏:‏ وردت الكوفة فكتبت عن شيوخها كلهم) .( المنتظم 12 / 41 )
وقال عن على بن عاصم ت 201 انه (كان يجتمع عند على بن عاصم اكثر من ثلاثين الفا وكان يجلس على سطح وكان له ثلاثة مستملين) ( المنتظم 10 / 103 ) وكان ابن المدينى ت 234 شيخا لابن حنبل وابن معين يقول الأعين ‏:‏ رأيت علي بن المديني مستلقيًا وأحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين عن يساره وهو يملي عليهما ‏.‏وقال عباسً العنبري يقول‏:‏ كان الناس يكتبون عن ابن المدينى قيامه وقعوده ولباسه وكل شيء يقول ويفعل.( المنتظم 11 / 215 ).
وكما اشتهر كثيرون بالعلم فانهال على مجالسهم الناس يستملون ويكتبون فان البعض الآخر انصرفوا عنه ، أو بتعبيرهم ( تركوا الكتابة عنه ) كان منهم ابراهيم بن محمد ت 184 (الطبقات الكبرى 5 / 314) ويحيى بن أبى أنيسة (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 182 )
وصاحب التدوين والاستملاء ازدهار صناعة الورق وظهور طبقة الوراقين ، وكانوا محترفى النشر وقتئذ، ومنهم آدم بن إياس المتوفى عام 220 (الطبقات الكبرى/ 2/ 186 )، كما ازدهر نسخ المصحف وكتابته بأجر أو تطوعا ، وممن اشتهر بهذه الحرفة مسلم بن كبيس الذى كان يكتب المصاحف للناس متطوعا ولا يشترط أجرا (الطبقات الكبرى 7/ 2 / 160)
16 ـ مظاهر سلبية صاحبت التدوين
وبرزت مصاعب فى التدوين. أهمها :
الأخطاء الاملائية من تصحيف وتنقيط وغيره ، وكان ينتج عنها تغيير المعنى, ونستشهد بهذا النص من ابن الجوزى ، يحكى الطوسى (كنا في مجلس اللحياني ‏.‏ فقال يومًا‏:‏ تقول العرب ‏"‏ مثقل استعان بذقنه ‏"‏ يريدون الجمل، فقام عليه ابن السكيت - وهو حدث - فقال‏:‏ يا أبا الحسين إنما هو تقول العرب‏:‏ ‏"‏ مثقل استعان بدفيه ‏"‏ يريدون الجمل إذا نهض بالحمل استعان بجنبيه، فقطع ( اللحيانى )الإملاء فلما كان في المجلس الثاني أملى فقال‏:‏ تقول العرب ‏"‏هو جاري مكاشري ‏"‏ فقام إليه ابن السكيت فقال‏:‏ أعزك الله وما معنى مكاشري إنما هو مكاسري كسر بيتي .. ‏.‏ فقطع اللحياني الإملاء فما أملى بعد ذلك شيئًا ‏).‏ ( المنتظم 11 / 312 ). فهذا العالم ( اللحيانى ) كان يملى ما كتبه خطأ، وقام ابن السكيت ـ وكان لا يزال حديث السن ـ بالتصحيح مرتين ، فما أملى اللحيانى بعدها. وقد مات ابن السكيت عام 243 .
الانتحال فى التدوين
كان معضلة أكبر. فقد كان بعض المستملين غير أمين فى كتابة ما يمليه الشيخ ، وقد قيل ليزيد بن هارون ( ت 206 ) ( إن هارون المستملي يريد أن يدخل عليك - يعني في حديثك - فتحفظ منه ) أى خذ حذرك منه( فبينما هو كذلك إذ دخل هارون فسمع يزيد نغمته فقال‏:‏ يا هارون بلغني أنك تريد أن تدخل علي في حديثي فأجهد جهدك لا أرعى الله عليك) ( المنتظم 10 / 156 ).
ويقول ابن سعد فى ترجمة ابن لهيعة المتوفى فى خلافة هارون الرشيد عام 174 ( كان يقرأ عليه ما ليس فى حديثه فيسكت عليه ، فقيل له فى ذلك فقال : وما ذنى ؟ انما يجيئون بكتاب يقرءونه ويقومون ، ولو سألونى لأخبرتهم أنه ليس من حديثى ..!! ) (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 204 )
وقد قيل فى ترجمة الزبير بن بكار (ت 256 ) انه كان ثقة ثبتًا عالمًا بالنسب عارفًا بأخبار المتقدمين وله ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏‏.‏ ولي القضاء بمكة وورد بغداد ( فلما أراد أن يحدث بها قال‏:‏ أعرضوا علي مستمليكم ‏.‏ فعرضوا عليه) ( المنتظم ‏ 12 / 110 ). فهذا القاضى العالم ـ من ذرية الزبير بن العوام ـ لم يثق فى المستملين الذين يكتبون علمه فى بغداد ، فاراد أن يختبرهم أولا. ومعناه أن الشك فى المستملين كان حقيقيا استوجب حذر العلماء المؤلفين.
ومن الطبيعى أنه بعد موت العالم فان المستملين الذين لا أمانة لديهم كانوا يزيفون ما أرادوا فى الكتب التى ينسخونها، بل و قد ينسبون كتبا الى غير أصحابها ، وهذا شائع فى التدوين العربى فى العصر العباسى .
ثم أصبح الانتحال خطيئة كبرى فى العصرالمملوكى بعد سقوط بغداد بيد المغول ، وقيام المغول بتدمير مكتبة بغداد واحراق معالمها الثقافية. جرى بعدها اعادة تدوين للتراث قامت به الدولة المملوكية فى القاهرة و العواصم الأخرى, وصاحب اعادة التدوين كثير من الانتحال بعضه كان بسوء نية وكان البعض الآخر بسبب الخلط والاضطراب ، و تعسر أدوات البحث والتحقيق.وأصعب من الانتحال الجزئى والكلى كان ضياع معظم المصادر الأصلية الأولى للعلوم.
‏أثر ضياع الكتب فى ضياع بعض العلم
فالمصيبة الكبرى تمثلت فى ضياع الكتب المؤلفة فى هذا العصر المبكر من التدوين.
وقد قيل فى ترجمة هوذة بن خليفة ( 125 ـ 216 ) أحد علماء عصر المأمون انه طلب الحديث و كتب عن يونس وهشام وعوف وابن عون وابن جريج والتيمى وغيرهم ( فذهبت كتبه فلم يبق عندهم الا كتاب عوف وشىء يسير لابن عون وابن جريج وأشعث والتيمى. (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 80 ) أى أن ما كتبه هوذة قد ضاع بعد موته ، وذلك وارد فى عصر بداية التدوين الفردى الذى عاشه هوذة ، فلما انتشر التدوين الجماعى والرسمى كان قد ضاع وتفرق بعض التدوين الفردى السابق.
وبعض الكتب ضاع فى حياة مؤلفها فتعرض للنقد و التجريح ومنهم كان الشاذكونى (ت 234 ) الذى تعرض لحملة تجريح اتهمته بالكذب والانتحال ، و بالتخليط والنسيان ، وبرر بعضهم ذلك بضياع كتبه ، يقول عنه ابن الجوزى ( قد طعن في الشاذكوني رحمه الله جماعة من العلماء ونسبوه إلى الكذب وقلة الدين فذهبت بتخليطه بركات علمه ‏.‏ فقال أحمد بن حنبل‏:‏ قد جالس الشاذكوني حماد بن زيد وبشر بن المفضل ويزيد بن زريع فما نفعه الله بواحد منهم ‏.‏ وقال يحيى‏:‏ كان الشاذكوني يكذب ويضع الحديث وقد جربت عليه الكذب ‏.‏ وقال البخاري‏:‏ هو عندي أضعف من كل ضعيف وقال النسائي‏:‏ ليس بثقة ‏.‏ وكان عبدان الأهوازي يقول‏:‏ لا يتهم الشاذكوني بالكذب وإنما كتبه كانت قد ذهبت فكان يحدث فيغلط ‏)‏.‏( المنتظم / 11 / 214 )
وتعقد الموضوع بعد تدمير بغداد و مكتبتها، فلم تستطع حركة اعادة التدوين فى العصر المملوكى العثور على كل التراث الذى تدمر و تفرق وضاع وتشرذم. ومن هنا تخصص التدوين المملوكى فى شرح ما تم العثور عليه فوضعوا الشروح على الكتب المشهورة فى الحديث ، فقام العينى و ابن حجر وغيرهما بشرح صحيح البخارى ، وسار على نفس الطريق آخرون ، كنوع من التعويض عما ضاع من مصادر أخرى فى نكبة بغداد. ومن المعهود لدى الباحثين أن نقرأ أسماء لتصانيف بالعشرات لعلماء فترة الازدهار فى العصر العباسى ثم لا نجد لها أثرا ..مجرد عناوين واشارات الى مؤلفات بائدة.
دفاع عن التدوين
على ان هذه السلبيات لا تقدح فى أهمية التدوين الذى حفظ التراث الى عصرنا، ويكفى ان الشاذكونى نفسه قيل عنه بعد وفاته فيما يزعم أحدهم ( سمعت إسماعيل بن طاهر البلخي يقول‏:‏ رأيت سليمان الشاذكوني ت 234 في النوم فقلت‏:‏ ما فعل الله بك يا أبا أيوب فقال‏:‏ غفر الله لي ‏.‏ قلت‏:‏ بماذا قال‏:‏ كنت في طريق أصبهان أمر إليها فأخذتني مطرة وكانت معي كتب ولم أكن تحت سقف ولا شيء فانكببت على كتبي حتى أصبحت وهدأ المطر فغفر لي الله بذلك ‏.‏ ‏.‏( المنتظم / 11 / 214 ) وهى بالطبع قصة مصنوعة ومنام كاذب ، إلا ان مخترع هذه القصة لم يرد الدفاع فقط عن الشاذكونى بل الدفاع أيضا عن التدوين.

6 1ـ هل ظهر النسخ التراثى فى مرحلة الرواية الشفهية فى العصر الأموى

نستطيع مما سبق الجزم بعدم وجود مؤلفات فى النسخ التراثى فى العصر الأموى ، عصر سيادة الرواية الشفهية ، ليس فقط بسبب عدم وجود تدوين ولكن لأن موضوع النسخ كان أعقد من أن تتحمله الحركة العلمية البسيطة فى العصر الأموى ، ولأن موضوع النسخ جاء ثمرة للتفاعل بين فكر المسلمين والفكر الأجنبى خصوصا اليهودى والتوراتى ، وهذا ما لم يكن واضحا أو مؤثرا فى العصر الأموى.
وعندما ظهرت فكرة النسخ كان التدوين قد استوى عوده فى العصر العباسى ، و جرى جدل حول موضوع النسخ استلزم من المؤيدين لفكرة النسخ أن ينسبوا كتبا وآراء فى النسخ لعلماء مشهورين فى العصر الأموى ، بل لبعض الصحابة والتابعين من ابن عباس الى سعيد بن المسيب.
وبعضهم نسب كتابا فى النسخ لقتادة بن دعامة السدوسى المتوفى سنة 117 فى العصر الأموى ،وأسماه ( الناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى) وزعم أن راوى الكتاب عن قتادة هو تلميذه سعيد بن أبي عروبة المتوفى فى العصر العباسى سنة 157 .
إلا ان أقدم كتاب لدينا فى التراجم والطبقات وهو ( الطبقات الكبرى ) لابن سعد لم يذكر لقتادة السدوسى أى كتاب مصنف ، ونذكر كل ما ذكره ابن سعد عن قتادة بالنص والحرف، يقول عنه :
( قتادة بن دعامة السدوسي
وكان يكنى أبا الخطاب وكان ثقة مأمونا حجة في الحديث وكان يقول بشيء من القدر( يعنى يؤمن بحرية الارادة أو القدرية بتعبير العصر )، أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا أبو هلال قال سمعت قتادة يقول: الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر. وقال عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا أبو هلال قال: سألت قتادة عن مسألة فقال لا أدري ، فقلت: قل برأيك قال: ما قلت برأي منذ أربعين سنة. فقلت بن كم هو يومئذ قال بن خمسين سنة وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة كنت أعرف حديث قتادة ما سمع مما لم يسمع فإذا جاء ما سمع قال حدثنا أنس بن مالك وحدثنا الحسن وحدثنا سعيد وحدثنا مطرف وإذا جاء ما لم يسمع كان يقول قال سعيد بن جبير وقال أبو قلابة وقال عبد الرزاق عن معمر قال قال قتادة جالست الحسن اثنتي عشرة سنة أصلي معه الصبح ثلاث سنين قال ومثلي أخذ عن مثله قال معمر وقال قتادة إذا أعدت الحديث في المجلس أذهبت نوره قال وما أعدت على أحد يعني ممن أسمع منه قال معمر وقال لسعيد بن أبي عروبة يا أبا النضر خذ المصحف قال فعرض عليه سورة البقرة فلم يخطىء فيها حرفا واحدا قال فقال يا أبا النضر أحكمت قال نعم قال لا بالصحيفة جابر بن عبد الله أحفظ مني لسورة البقرة قال وكانت قرئت عليه قال معمر قيل للزهري أقتادة أعلم عندك أم مكحول قال لا بل قتادة ما كان عند مكحول إلا شيء يسير قال معمر وكنا نجالس قتادة ونحن أحداث فنسأل عن السند فيقول مشيخة حوله مه إن أبا الخطاب سند فيكسرونا عن ذلك أخبرنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو هلال قال قيل لقتادة يا أبا الخطاب أنكتب ما نسمع قال وما يمنعك أحد أن تكتب وقد أنبأك اللطيف الخبير أنه قد كتب وقرأ في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى قال أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا سلام بن مسكين قال حدثني عمران بن عبد الله قال لما قدم قتادة على سعيد بن المسيب جعل يسائله أياما وأكثر قال فقال له سعيد أكل ما سألتني عنه تحفظه قال نعم سألتك عن كذا فقلت فيه كذا وسألتك عن كذا فقلت فيه كذا وقال فيه الحسن كذا قال حتى رد عليه حديثا كثيرا قال يقول سعيد ما كنت أظن أن الله خلق مثلك وقال سلام بن مسكين فحدثت به سعيد بن أبي عروبة فكان يحدث به قال سلام وكانت مسائل قد درسها قبل ذلك عند الحسن وغيره فسأله عنها وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة انه أقام عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام فقال له في اليوم الثامن ارتحل يا أعمى فقد نزفتني أخبرنا عفان بن مسلم قال كان قتادة يقيس على قول سعيد بن المسيب ثم يرويه عن سعيد بن المسيب قال وذاك قليل أخبرنا عفان بن مسلم قال قال لنا همام أعربوا الحديث فإن قتادة لم يكن يلحن وقال إذا رأيتم في حديثي لحنا فقوموه أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا حماد بن سلمة قال كنا نأتي قتادة فيقول بلغنا عن النبي عليه السلام وبلغنا عن عمر وبلغنا عن علي ولا يكاد يسند فلما قدم حماد بن أبي سليمان البصرة جعل يقول حدثنا إبراهيم وفلان وفلان فبلغ قتادة ذلك فجعل يقول سألت مطرفا وسألت سعيد بن المسيب وحدثنا أنس بن مالك فأخبر بالإسناد أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا قرة بن خالد قال رأيت خاتم قتادة في يساره أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرني إسماعيل بن علية قال توفي قتادة سنة ثماني عشرة ومائة وأخبرنا محمد بن عمر قال وأخبرني سعيد بن بشير قال توفي قتادة سنة سبع عشرة ومائة قال محمد بن سعد وكذلك قال موسى بن إسماعيل‏.‏) (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 1 ـ ).‏
ومن النص السابق نستنج المعلومات التالية:
1 ـ ان قتادة وان كان يشجع على الكتابة والتدوين فانه لم يؤلف كتابا ولم يدون شيئا.
2 ـ إن قتادة كان ينتمى الى مدرسة الحديث التقليدية التى قامت فى المدينة ، وكانت تشجب مدرسة الاجتهاد فى العراق والمسماة وقتئذ بمدرسة الرأى ، وقد رفض قتادة أن يقول برأيه فى فتوى ،وقال ( ما قلت برأي منذ أربعين سنة)
3 ـ ولكن قتادة كان فى حقيقة الأمر يقول برأيه ولكن يصيغه فى ثوب حديث ينسبه مباشرة للنبى محمد عليه السلام أو لكبار أصحابه دون أن يهتم بصناعة سند أو عنعنة كأن يقول روى فلان عن فلان، بل يقول مباشرة ( بلغنا كذا عن رسول الله ): يقول عنه ابن سعد (حدثنا حماد بن سلمة قال كنا نأتي قتادة فيقول بلغنا عن النبي عليه السلام وبلغنا عن عمر وبلغنا عن علي ولا يكاد يسند ) أى كان يؤلف الحديث ثم ينسبه مباشرة للنبى أو لكبار الصحابة كما لوكان قد سمعه بنفسه من النبىمحمد أو منهم. وهذا كان يحدث بعد موت النبى محمد باكثر من ثمانين عاما.
وأحيانا كان ينسب رأيه الى سعيد بن جبير أو الى غيره : (وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة كنت أعرف حديث قتادة ما سمع مما لم يسمع ، فإذا جاء ما سمع قال حدثنا أنس بن مالك وحدثنا الحسن وحدثنا سعيد وحدثنا مطرف وإذا جاء ما لم يسمع كان يقول قال سعيد بن جبير) أى انه من حيث الظاهر فان قتادة كان يسند بعض الأحاديث التى سمعها الى من رواها عنهم ، أما التى لا سند لها فقد كان يسندها الى سعيد بن جبير، وبالطبع فلم يقلها سعيد بن جبير، وكان ذلك بالطبع بعد وفاة أساتذته من الصحابة والتابعين : كأنس بن مالك و سعيد بن المسيب و الحسن البصرى و سعيد بن جبير، وبالتالى فلانعرف ان كانوا قد قالوا ذلك فعلا أم لم يقولوه أصلا.
ومع ذلك فقد تمتع قتادة بالثقة بحيث كان كبار الناس من حوله يرفضون أن يسأله شباب العلماء عن سند الأحاديث التى يرويها : (. وكنا نجالس قتادة ونحن أحداث فنسأل عن السند فيقول مشيخة حوله مه إن أبا الخطاب سند فيكسرونا عن ذلك)
4 ـ انه ( كان قتادة يقيس على قول سعيد بن المسيب ثم يرويه عن سعيد بن المسيب ) أى انه كان يخترع أقوالا على مثال ما كان يقوله سعيد بن المسيب ثم ينسبها اليه. وهذا تزوير فى السند لا شك فيه.
5 ـ أنه كان لا يعيد قول الحديث إلا مرة واحدة. ولم يكن فى طلبه للعلم وسماعه من شيوخه لم يكن يسمع الحديث الا مرة واحدة.: ( وقال قتادة إذا أعدت الحديث في المجلس أذهبت نوره قال وما أعدت على أحد يعني ممن أسمع منه )..وهذا أدعى للشك فيما سمع من شيوخه ، ومما سمعه منه تلاميذه.
5 ـ طبقا لما جاء فى روايات أخرى كثيرة فلم يكن الصحابة والتابعون يحفظون كل القرآن ، وانما يكتفى بعضهم بحفظ واستظهار بعض سور منه. وهنا نجد قتادة يفخر بأنه يحفظ سورة البقرة: (وقال لسعيد بن أبي عروبة يا أبا النضر خذ المصحف قال فعرض عليه سورة البقرة فلم يخطىء فيها حرفا واحدا قال فقال يا أبا النضر أحكمت قال نعم قال لا بالصحيفة جابر بن عبد الله أحفظ مني لسورة البقرة قال وكانت قرئت عليه ) هذا مع انهم اعتنوا أشد العناية بحفظ الأحاديث التى اصطنعوها ونسبوها للنبى محمد عليه السلام وأصحابه. ومن الطريف ما ذكره ابن الجوزى فى ترجمة المؤرخ الواقدى و صلته القريبة بالخليفة المامون ، وقد طلب منه المأمون أن يؤم الناس فى صلاة الجمعة وأن يخطب بهم فرفض لأنه لا يحسن قراءة سورة الجمعة ، وظل المأمون يقوم على تحفيظه سورة الجمعة فما أفلح فقال فى النهاية عنه ( هذا رجل يحفظ التاويل ولا يحفظ التنزيل ) أى يحفظ الأحاديث ولا يحفظ القرآن الكريم . ( المنتظم . 10 / 172 ـ )
هذا ما نستخلصه مما أورده ابن سعد من روايات فى تاريخ قتادة بن دعامة السدوسى.
فماذا قال ابن سعد عن تلميذ قتادة الشهير سعيد بن أبى عروبة الذى دون علم قتادة بعد موت قتادة وشهد حركة التدوين فى العصر العباسى ؟ هل أسند سعيد بن عروبة كتابا فى النسخ لقتادة بعد موت قتادة .؟
يقول ابن سعد :
(سعيد بن أبي عروبة
ويكنى أبا النضر واسم أبي عروبة مهران وكان ثقة كثير الحديث ثم اختلط بعد في آخر عمره ، قال وسمعت عبد الوهاب بن عطاء قال جالست سعيد بن أبي عروبة سنة ست وثلاثين ومائة ومات سنة سبع وخمسين ومائة، وقال غيره سنة ست وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر . قال وقال قريش بن أنس حلف لي سعيد بن أبي عروبة أنه ما كتب عن قتادة شيئا قط ، إلا أن أبا معشر كتب إلي أن أكتب له تفسير قتادة قال فقال تريد أن تكتب عني قال فلم أزل به . أخبرنا عفان بن مسلم قال قال لي همام جاءني سعيد بن أبي عروبة فطلب مني عواشر القرآن عن قتادة فقلت له أنا أنسخه لك وأرفعه إليك فقال لا إلا كتابك ، فأبيت عليه واختلف إلي فلم أعره ، أخبرنا عفان قال كان سعيد بن أبي عروبة يروي عن قتادة مما لم يسمع شيئا كثيرا ولم يكن يقول فيه حدثنا ، قال أخبرنا روح بن عبادة قال كان سعيد بن أبي عروبة من أحفظ الناس فكان إذا حدث ‏أعجبته نفسه.. ) (الطبقات الكبرى 7 / 2 / 33 ).‏
ونستخلص من هذه الروايات أن
1 ـ سعيد بن عروبة كان من أحفظ الناس : ،(كان سعيد بن أبي عروبة من أحفظ الناس) إلا أن حفظه ضاع فى نهاية العمر(وكان ثقة كثير الحديث ثم اختلط بعد في آخر عمره ). وهذا شأن بشرى لا جدال فيه، وهو يعنى أن الحركة العلمية الشفهية فى العصر الأموى انتهت الى لا شىء تقريبا فى العصر العباسى مع ضياع الذاكرة للرواة بعد أن يمتد بهم العمر ، والله تعالى يقول عن الشيخوخة ( ومنكم من يرد الى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) ( الحج 5 )
2 ـ ان سعيد بن عروبة كان ينسب لقتادة ما لم يقله قتادة من أحاديث (كان سعيد بن أبي عروبة يروي عن قتادة مما لم يسمع شيئا كثيرا ولم يكن يقول فيه حدثنا) وهو ما تعلمه من قتادة نفسه الذى كان يدلس الاحاديث و يختلقها و ينسبها مباششرة للنبى والصحابة أو أن يصنع لها اسنادا يصلها بشيوخه من الصحابة والتابعين.
3 ـ الروايا هنا متضاربة فيما كتبه و دونه سعيد بن عروبة ، هل هو منقول عن قتادة ، أم هو من تأليف سعيد نفسه.
4 ـ وفى كل الأحوال فلم يرد هنا أيضا أن هناك كتابا فى النسخ ( التراثى ) قد كتبه سعيد أو قتادة. انما هو كلام عن التفسير. بل ان عبارة ( نسخ ) جاءت هنا بمعنى الكتابة والاثبات وليس الحذف والالغاء : (فقلت له أنا أنسخه لك وأرفعه إليك )
الذى لا شك فيه أن الانتحال ارتبط بالحركة العلمية للمسلمين فى فترتى الرواية الشفهية والكتابة والتدوين وأن هذا الانتحال قد أثر فى موضوع النسخ التراثى و ما صاحبه من اختلافات، وكان الانتحال أبرز الطرق فى تأييد رأى أو تغليب رأى على آخر. كان من السهل فى العصور اللاحقة أن ينسب القائلون بالنسخ التراثى أقاويل فى النسخ التراثى لمن سبق فى عصر الرواية الشفهية والتدوين ـ بل وأن ينسبوا لهم كتبا ، ومن خلال هذا التلفيق يؤكدون آراءهم.