ضوءٌ من البرِّ الغربيّ
فاطِمَـة ناعـُوت
fatma_naoot@hotmail.com


مع جفافِ آخر قطرةٍ
في تانك السيارة،
ستجفُّ قطرةُ الضوءِ التي اقتحمت كراستي
من البرِّ الغربيّ.

العيونُ السودُ الحاسمةْ
التي (لا) تنظر نحوي،
الشفاهُ الدقيقةُ واللكنةُ الصعبةْ،
واليدُ البدويّةُ المباغتةْ
التي اختطفتْ شيئًا كان عالقًا بالصدر،
عبد الرحمن بن خلدون،
خانُ الخليلي،
تماثيلُ البازلت المكسورة،
مركبُ الشمسِ والسفرُ الأندلسيُّ نحو الغروب،
ومُحمدْ
الصيادُ الأسمرُ الذي (لا)
يحبُني،
طواجنُ السمكِ على ساحلِ "سيدي إفني"
والصِّنارةُ التي تشبه
قلبي المكسورْ.

برجُ العذراءْ
(العذراءُ تحديدًا)
ذاك أن الأزقّةَ ضيقةٌ جدًّا
وجافّةْ
لأن لا مارةَ يمرّون منذ سنين
فتصرخُ من الغضبِ كلما اخترقها شعاعُ شمسٍ،
حتى الأشعةُ الطيّبةُ توجعُ؟
مختنقةٌ ومنكمشةْ
الأزقّةُ
لا تشبه صحنَ النون الواسعَ
الذي ستسقطُ فيه النقطةُ
هذا المساءَ تحديدًا:
ن.

حقائبُ ضجرتْ من الكتبِ
ورقصتْ لهدايا الأطفال،
وردةٌ
نتركُها على الطاولةِ الخشبيةْ
لكيلا نجرحَ الحبيبةَ التي تنتظرْ
عند بوابةِ سوقِ العطّارين،
السمراءُ التي
يدُها على خدِها
وقلبٌ تحت عباءتِها.

أشعةُ الغروبْ،
والنظاراتُ التي وراء العيونِ السود
التي تنظرُ نحوي،
ابن خلدون مرةً أخرى
أقصد مكيافيللي،
لأن الهواءَ الذي يدخل الرئةَ لكيلا نموتْ
جلبناه من الزفيرِ الأخير لورقةِ شجرةْ
حبسناها في كتابْ،
لكننا سنقول:
جنونُ الفراعينِ والأطفالِ والشعراءْ،
ثم نرمق ساعتينا ونحسب فروقَ التوقيتِ
حسب جرينتش
ساعتان،
ثلاث،
هل غرق العلاّمةُ التونسيُّ حقًّا في المتوسط؟
أم تركَ الزوجةَ والولدَ في عمق الماء
وراح يحشو البايب من كيس التبغ الكوبيّ
(الذي على مكتبي الآن)
بعد أن نشر ثيابهما على فنار الإسكندرية؟

الأميرْ،
طِيبةُ والأندلسُ وأمريكا،
الفرحُ،
الحزنْ،
والطائراتُ الورقيةُ
التي تحمل أحلامَنا وتمضي،
كلُّ هذا وأكثر
كلُّ هذا وأكثر
سوف يجفُّ
مع آخرِ قطرةٍ من بنزين سيارتي
(المؤشرُ الآن يقربُ المنتصف)
تتبخّرُ
بمجرد أن تسقطَ قطرةُ الضوءِ المغاربيّ
في صحنِ البيت البعيد.

صحنُ النونِ الواسع.

القاهرة/ 5 ديسمبر 2006