عن خطة بوش وفرص نجاحها
عزيز الحاج
16 يناير 2007


استطاع الرئيس الأمريكي اتخاذ قراره الصعب رغم أن معارضة خطته ومجمل سياسته في العراق تزداد وتتسع في الولايات المتحدة، خصوصا بعد نجاح الديمقراطيين في الانتخابات.
إن الخطة التي أعلنها تبدو متكاملة، عسكريا وسياسيا، حيث وضعت على عاتق الحكومة العراقية مسؤولية خاصة عن نجاح الخطة في محاصرة وضرب قوى الإرهاب والعنف والتطهير العرقي. وواضح، وكما أعلن المسؤولون العراقيون أنفسهم، أن خطة بوش بعد مشاورات مع الحكومة العراقية.
إن بوش يستدرك واحدا من الأخطاء الأمريكية الكبرى في العراق بعدم زج قوات كافية رغم أن عددا من كبار العسكريين الأمريكان في العراق اقترحوا ذلك أكثر من مرة ولكن وزير الدفاع السابق لم يقتنع.
كان هذا التقدير الخاطئ يضاف لعواقب ترك أعمال النهب والعنف تتوسع بعد سقوط صدام دون أي تحرك لوقف تلك الموجة التي شجعت تدريجيا أعوان النظام السابق لتنظيم صفوفهم واتخاذ مبادرات الهجوم المقابل على انتصار 9 نيسان. كما لم تتخذ قوات التحالف إجراءات كافية لضبط الحدود وعلى الأخص من جهة سوريا وإيران.
إن هذه الأخطاء وغيرها ساعدت على انتشار العنف والإرهاب، حيث فسرت قوى الإرهاب تلك السياسة الرخوة بالضعف، فتشجعت على تنفيذ عملياتها الدموية.
إن عدد العسكريين الأمريكان المقرر إرسالهم يمثل في نظرنا الحد الأدنى المطلوب لأن الوضع الأمني متدهور للغاية، والإرهاب، والتطهير والعنف المذهبيين في اتساع، وعلى الخصوص في بغداد. ولا تزال العناصر السلفية الإرهابية التكفيرية العربية تتسلل، والأموال من الخليج تضخ لها، بينما، من الجانب الآخر، يتفاقم الدور التخريبي والدموي لمليشيا الصدر بدعم إيراني متواصل. ومعروف أن النظام الإيراني لا يساعد الصدر وحده برغم كونه ورقته الرئيسة في العراق كحزب الله اللبناني. إن إيران تصرف أكثر من مليار دولار كل سنة في العراق منذ سقوط صدام، وتنشر ضباط الحرس الثوري والمخابرات في مختلف أنحاء العراق، وفي الجنوب خاصة، وتمول منظمات "خيرية"، وتشتري وتستأجر لوكلائها المندسين بالجملة مباني ومساكن وفنادق في كربلاء وغيرها؛ وإذ تدعم الصدر وجيشه الدموي وبعض الأحزاب الشيعية الأخرى، فإنها تتبع سياسة مكيافيلية شديدة الخبث والمكر بتقديمها التسهيلات لعناصر القاعدة التكفيرية المتواجدة بعض قواعدها في إيران، وكان المجرم الزرقاوي حرا في التنقل بين العراق وإيران. إن من الوهم والخطأ الفاحش الاعتقاد بأن النظام الإيراني يعمل لمصلحة شيعة العراق بل من أجل حساباتها ومصالحها لا غير، وهذا موضوع سنعود إليه في مقال مستقل، علما بأنه سبق لنا قبل عامين أن نشرنا مقال بعنوان "إيران تحرق شيعة العراق."
إن التحديات الأمنية التي يواجهها العراق كثيرة ومتعددة الأطراف.
أولا - هناك قوى الإرهاب الصدامي المدعومة سوريّا ومن بعض الدوائر الخليجية، التي تدعم أيضا الأصوليين التكفيريين الدمويين الذين يتسللون باستمرار، ويشاركون القوى الصدامية في عمليات تفجير الشيعة، والقتل، والخطف، وقطع الرؤوس، والتطهير الطائفي، والتفجير المستمر للمتطوعين الجدد في سلك القوات المسلحة العراقية.
ثانيا - التدخل الإقليمي في شؤون العراق وخصوصا من النظام الإيراني وسوريا، ولا تزال الحدود مع إيران خاصة مفتوحة وليس عليها رقابة حقيقية.
ثالثا - تزايد خطر جيش المهدي ودوره في التطهير الطائفي، وحسب في بعض التقديرات المنشورة فإن عدد أفراد عصابته قد يصل ما بين 20000 إلى 30000 على نطاق العراق، وهم مدربون وحسنو التسلح وذوو حماس تام لاستعمال العنف بكل أشكاله وقد جاء عدد كبير منهم من فدائيي صدام وما سمي بجيش القدس المدربة على العنف بكل صوره. وآخر ما عرفنا دور الصدريين في كيفية إعدام صدام التي فجرت موجة غضب، وحملات تأليب وتحريض ظالمة ضد شيعة العراق، مع أن أمثال مقتدى لا يعملون لخدمة العراق وشيعته، وليس هو ممثل كل الشيعة، مثلما كان نظام صدام يقتل ويغتال ويعذب السياسيين ورجال الدين من السنة المعارضين له لا من الشيعة وحدهم، وهذا مثلا ما فعل مع رفاقه في القيادة ومع الشيخ عبد العزيز البدري. إن الصدريين يستمدون قوتهم أيضا من تساهل الحكومة معهم، واستغلال دعمهم التكتيكي للسيد المالكي لترؤس مجلس الوزراء بعد الانتخابات الأخيرة.
رابعا: عدم وصول القوات العراقية بعد لأخذ مبادرات مستقلة ضد قوى العنف والإرهاب، وكل التقارير قد أكدت على كون أقلية من وحداتها قادرة على أخذ المبادرات العسكرية لوحدها. والأخطر امتلاء هذه القوات بعناصر المليشيات الحزبية، لا سيما في سلك الشرطة، وإن ما صارت تدعى بفرق الموت في البصرة وبغداد تتشكل أحيانا من بعض عناصرها والبقية تلقى التستر والتشجيع والعون اللوجستي من أفراد في القوات العراقية. ويضاف لهذا وذاك كون الولاء للأحزاب والطوائف والأعراق هو الغالب على أفرد القوات العراقية، بدلا من الولاء أولا للحكومة ولمصالح الوطن. ومن الأخطاء الكبرى للأحزاب الحاكمة أن فهمها لمشكلة "حل المليشيات" يطبق بدمج أفرادها بالجملة في الشرطة والجيش كما جرى مثلا مع قوات بدر، مما يجعل ولاءها لأحزابها وحدها مستمرا؛ ولو تقرر "حل" جيش المهدي بهذه الطريقة، أي ككتلة واحدة، لظل ولاؤهم لمقتدى الصدر وتحركاتهم بأوامره.
خامسا انتشار السلاح في كل مكان، حتى أنه لدى أغلبية عائلات بغداد أسلحتها، ولم تجر محاولات جديدة لنزع السلاح من المواطنين وحصرها في القوات الحكومية، والإجراء الوحيد جرى زمن حكومة الدكتور علاوي بشراء قطع السلاح من المواطنين، ولكن عدد ما تم جمعه بقي هامشيا.
إن كل هذه المخاطر والتحديات تتضاعف خطورتها بوجود نظام المحاصصة المسؤول عن معظم مآسي اليوم ومشاكله، خصوصا بتقسيم الوزارات طائفيا وعرقيا، مما يضع في معظم الأحيان الرجل غير المناسب في منصب خطير.
مما مر، أرى أنه لإنجاح خطة بوش وكل خطة أمنية عراقية، فهناك جملة شروط ومستلزمات لا يتوفر اليوم معظمها، وتتحمل الحكومة العراقية مسؤوليات استثنائية لتدارك الأمور، علما بان التفاصيل الدقيقة للخطة الأمنية وفي وضعنا لا يجب طرحها على مجلس النواب بل فقط الخطوط العامة والأهداف المبتغاة. ترى كم من خطورة لو أعطيت معلومات دقيقة لمقتدى الصدر ونوابه!!؟
لا أعرف مدى قدرة الحكومة على معالجة نقاط الخلل الكبرى في الناحية الأمنية، حيث مرت سابقا تجارب عن خطط أمنية عديدة، ووعود لم ينفذ منها غير القليل. صحيح، أن القوة الأمريكية الجديدة والخطة العسكرية المقررة معها لن تلغي العنف والإرهاب، حيث يتطلب ذلك صبرا ووقتا طويلا؛ وصحيح أن المشكلات معقدة، والتحديات كبيرة جدا؛ ولكن العراق يحترق، وجهنم العراق يرى كل يوم عشرات القتلى وعشرات العائلات المهجرة من مساكنها، فضلا عن الهجرة العراقية لبلدان الجوار ولبعض الدول الغربية كالسويد، مما يلزم كل القيادات والأحزاب والمسؤولين بالانكباب أخيرا، وبجد وتفان ونكران ذات، على ما يخدم مصالح شعبنا ووطننا وما يخص سلامة المواطنين والخدمات العامة.
أتمنى من القلب لو توفرت أخيرا فرص نجاح الخطط الأمنية، وما تستلزم من تعديل جرئ في المواقف السياسية والتحالفات وتغيير في المناصب الكبرى. إن العراق أمانة في أعناق الجميع. إنه أكبر من كل الحزبيات والطوائف، ومفترض أن يكون خيمة آمنة لجميع الألوان والأطياف القومية والدينية والمذهبية في ظل نظام ديمقراطي حق وفيدرالي.
لا أدري هل يقرا أي من كبار المسؤولين في الرقعة الخضراء مقالا واحدا فقط لكتاب وطنيين تحترق قلوبهم أسىَا لمحنة شعبنا؟! فليسمعوا مثلا الكاتبة ريم قيس كبة في كلماتها المؤثرة تعبيرا عن حال المواطنين:
" حينما تحس أن إنسانيتك قد سلبت منك.. وحياتك وحياة أطفالك لم تعد تهم سواك.. فأنت عراقي!
" حينما تحس بالمهانة لحظة تترك بيتك متوجها إلى أي كوكب في العالم، خال من الموت والدم والخراب... فأنت عراقي!"
" حينما تحس أنك لم تعد تستحق الحياة.. ولكنك مع ذلك لا تنتحر...فأنت عراقي!"
طبعا لا يمكن إلا للقلة من أصحاب المجمعات والأرصدة استيعاب مثل هذه المشاعر بعد أن انتشر البذخ والفساد المالي والتزاحم على المناصب والامتيازات على نطاق لم يشهد له العراق الحديث مثيلا. أما ما تحقق من حريات بفضل يوم 9 نيسان ، فما أصدق جورج أورويل إذ يقول:
" الحرية هي حرية أن تقول 2 + 2 يساوي 4." فهل للمواطن مثل هذه الحرية وهو تحت سيوف الرقابة متعددة الرؤوس، وحياته مهددة على الدوام؟!
أخيرا، ورغم كل شئ، فلندعُ جميعا لنجاح خطة بوش، والخطة الحكومية معها من أجل تطهير العراق، ولا سيما بغداد من قوى العنف والإهاب والتطهير المذهبي. آمين!