حريق العراق وتحليل الأوضاع..
عزيز الحاج
14 يناير 2007



أشار الصديق الدكتور رياض الأمير في مقاله الأخير إلى وجود نظرتين في تحليل أزمة العراق المتفاقمة. أما الأولى، فهي نظرة قاتمة لبعض الكتاب العراقيين وأما الثانية،، فشعارها الرئيسي هو "لا يصح إلا الصحيح." ويعتقد الكاتب أن النظرتين لا تلتقيان.
لا يخفى على قراءات مقالاتي أنني حقا من أصحاب النظرة الأولى التي ملؤها الغضب والحزن، والمرارة، والإحباط عندما أرى وطني يزداد لهب حريقه، وأرى الموت مجانيا وبالجملة، والشعب يزداد انقساما طائفيا وعرقيا، والتهجير الطائفي أصاب حتى اليوم عشرات الآلاف من العائلات، والمهاجرون للخارج، خوفا وطلبا للسلامة، وإذ بلغوا منذ سقوط صدام حوالي مليون ونصف عراقي. إن هذا كله يملؤني مرارة قاتمة وحزنا وغضبا، ولا أرى معه أي بصيص ضوء للخروج قريبا من نفق الظلام والموت؛ غير أنني في الوقت نفسه أؤمن بأن قوانين التاريخ والمجتمع، القاضية بالسير للأمام، لا بد وأن تنجح أخيرا في تصحيح المسار، أي في النهاية "لا يصح إلا الصحيح" مهما كانت العقبات والكوارث المتتالية والآلام.
النظرة الأولى إذن لا تعاكس الثانية لكونها ليست نظرة يائسة من المستقبل ولكنها في الوقت نفسه لا يمكن إلا أن تسجل بألم وغضب وشعور بالإحباط الأهوال التي يمر بها العراق بعد صدام بعد أهوال أمس وجحيمه الدموي.
إنني أعتقد أنه لكي يقترب موعد "التصحيح" فلابد من نخب وقيادات حكيمة وواعية وشجاعة ولها شعور عميق بالمواطنة العراقية وحب العراق، كما كان مثلا الزعيم الكريم قاسم، الذي انقضت عليه المؤامرات العربية والأجنبية، والصراعات الحزبية الدموية.
صحيح أن القيادات نتاج المجتمع ومن صلبه، ولكن هذا لا ينفي أنه وبرغم التخلف والظلم الطويلين بعد انتهاء الاحتلال العثماني الذي دام أربعة قرون فقد ظهرت في العراق ومن أبناء الشعب الجاهل المتخلف شخصيات سياسية، وفكرية، وثقافية، ودينية لامعة، استطاعت النجاح التدريجي نشر أفكار التجديد والوطن من أجل السير تدريجيا وخطوة خطوة نحو مستقبل أفضل. إن هذا يصدق أيضا على البلدان العربية التي ظهر فيها في منتصف القرن التاسع عشر أعلام متنورون في الفكر والدين والسياسة، ممن نشروا أفكار الإصلاح رغم مقاومة العوام، وقمع السلطات وتحكم رجال الدين والاحتلال الاحتلال الأجنبي. عندنا عشرات الأسماء من خيرة المفكرين، والعلماء، والساسة، والأدباء، ممن دعوا علنا للتقدم، ومكافحة الغيبيات التجهيلية، ولفصل الدين عن شؤون الدولة، ونشر العلوم الحديثة والانفتاح على منجزات الغرب. كما برز ساسة في بداية القرن العشرين يأخذون بالولاء الوطني كولاء أول ومشترك بين كل المواطنين بلا تمييز في الدين والطائفة والعرق.
إن قوانين المجتمع والتاريخ حتمية ولكن لا تعمل كالآلة، بل تستند لإرادة القيادات والنخب المتقدمة من أجل تعجيل التصحيح والسير نحو الأفضل. أي توفر العوامل الذاتية لتعمل العوامل الموضوعية فعلها بلا تبذير في الوقت.
إن تخلف العوام وعواطفهم الدينية أو المذهبية الهائجة وتهليلهم لشعارات القيادات السياسية والمراجع الدينية لا ينبغي أن تقيد النخب الحكيمة والشجاعة وذات الولاء العراقي من محاولات التصحيح المتدرج والصبور بشرط عدم القطيعة التامة مع الشارع. إن هناك طقوسا ومعتقدات دينية ومذهبية لا يمكن مسها حتى لو كانت عندهم متخلفة حيث أنها معتقدات راسخة منذ عشرات السنين، وتحرك الجماهير عند مسها بعواطف ثائرة وهائجة. لقد دعا العلامة والمصلح الشيعي الكبير محسن الأمين، وهو من لبنان وعاش في العراق، لتحريم الضرب بالسلاسل الحديدية وشج الرؤوس في عاشوراء، وأيده عدد من كبار رجال الدين الشيعة كالسيد أبو الحسن، الذي كان المرجع الشيعي الأعلى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. كما دعمه لفيف من المثقفين الشيعة من أمثال المرحوم جعفر الخليلي، الذي يحدثنا في كتابه "هكذا عرفتهم" عن ردود الفعل الغاضبة من الشارع النجفي ومن رجال دين آخرين وصلت لحد الشتم والتهديد بالقتل. وكتب الخليلي نقلا عن بعض كبار رجال الدين "لو جاء الإمام الشهيد الحسين نفسه ودعاهم لوقف تلك الطقوس لعارضه العوام. إن معتقدات وطقوسا مقدسة كهذه يجب عدم مسها وجاها لكون القضية اليوم ليست هذه الطقوس التي استمرت قرونا وفي عهود الحكومات العراقية المتتالية والتي يكاد الساسة من السنة يحتكرونها.
نحن أمام معضلات سياسية وفكرية حادة لا يجب أن نخضع في معالجتها لأهواء الشارع الذي تسيره اليوم، مع الأسف، الشعارات الغوغائية التي تنشرها وتشجع عليها بعض القيادات السياسية والطائفية من المذهبين، وحيث صار الولاء للعراق في آخر القائمة من الولاءات إن بقي منه شيء!!
لقد مرت على العراق بعد خراب صدام وجرائمه وجحيمه المشتعل لحظات هامة أكدت أن بعض القيادات هي التي تؤجج الشارع، وتلهبه عاطفيا باسم المذهب والدين؛ فعندما صدر قانون الجنسية الجديد لم يهز ذلك الشارع الشيعي ولكنه اهتز عندما عارضته القيادات الدينية ودعت الشارع لمعارضته. كما أن صدور قانون الإدارة عام 2004 لم يصدم الشارع وجماهيره، بل تقبلوه في البداية حتى جاءت الدعوات الغاضبة من أحزاب ومراجع دينية لوجوب سحبه. ونعرف أيضا قرار السيد الحكيم رقم 137 الذي كان يلغي قانون الأحوال الشخصية المدني لتحل أحكام الشريعة محله. ومن حسن الحظ فقد تم سحب القرار مؤقتا وإن عاد من الشباك عن طريق الدستور الدائم.
إن هذه بعض الأمثلة عن دور القيادات بالسلب أو الإيجاب، وتأثيرهم البالغ على تفكير الشارع وعواطفه. إن حركة معارضة شعبية للدستور المؤقت لم تصدر عند اعتماده، وإنما بعد تحريض رحال الدين وأحزاب الإسلام السياسي؛ أي أن جمهرة المواطنات والمواطنين كانوا سيرضون بالدستور المؤقت ولم يصدمهم ولم تتحرك العواطف إلا بعد تهييج بعض القيادات. ونضيف أن القانون المدني لعهد عبد الكريم قاسم استمر بعده مع بعض التعديل، ولم يكن إلغاؤه مطليا شعبيا كوقف القمع وحل المشاكل المعيشية والتمييز العنصري والمذهبي، وغيرها.
أجل، أشعر بمرارة عميقة من الجحيم الجديد في عهد "الديمقراطية" والانتخابات.
أما المسؤولية فتقع على عدة أطراف. أولا جرائم صدام وتركته المرعبة من القسوة والدم والمقابر الجماعية، والتمييز الطائفي والعنصري، ونهبه لأموال النفط وتهريبه حتى لإيران، وشراء الذمم بالكوبونات، وما خلف من خراب اجتماعي، وثقافي، وسياسي، واجتماعي. تأتي بعدها الأخطاء الفادحة جدا للأمريكان في العام الأول بعد انتهاء النظام الفاشي بانفلات الأمن، وقرار حل الجيش بدلا من تطهيره، ودعوة جمهرة الجنود والضباط غير الملوثين بالتجاوزات للعودة لثكناتهم، وصرف الرواتب لمن يفضلون ترك الجيش نهائيا. أما نظام المحاصصة الطائفية، الذي هو من الأسباب الكبرى لتدهور الوضع العراقي، فقد اعتمد مع الأسف في مؤتمر لندن قبيل الحرب وبحضور وإشراف السفير الأمريكي الحالي في العراق، الذي كان حريصا على كسب المجلس الأعلى بأي ثمن.
بعد هذا وذاك يأتي تدخل دول الجوار وسوريا وإيران خاصة، وجفاء وعداء معظم العرب من شارع وأنظمة ومثقفين، وتسرب الإرهابيين التكفيريين عبر سوريا وحتى إيران، وما تصرفه جهات خليجية ذات نفوذ كبير وأموال طائلة لتجنيد وتسليح أعوان صدام والإرهابيين من القاعدة. وهكذا نرى اليوم كيف تستغل ما حدث عند التنفيذ هذه الأوساط العربية المنافقة التي صمتت عندما كان بطلهم يقتل الأبرياء والنخب بالجملة ويشن الحروب العبثية ويحفر القبور الجماعية، وهم يواصلون الصمت المطبق إزاء المجازر التي ينفذها أعوان القاعدة والصداميون ويذهب ضحايا لها عشرات الأطفال والنساء والرجال العراقيين يوميا. إنهم يستثمرون بكل طريقة انتهازية وطائفية بغيضة عملية التنفيذ التي تم بها إعدام صدام، والتي تميزت بالنعرة الطائفية، وسيادة العناصر المتهيجة من أعوان مقتدى الصدر، المشبعين بعقلية القسوة الصدامية و وارثيها، ممن ظلوا يرقصون ابتهاجا أمام المشنقة إثناء إعدام الطاغية، ويهتفون باسم رجل كان أول من مارس العنف الدموي بعد يوم واحد فقط من سقوط صدام، والذي روعت عصاباته الإرهابية الممولة والمسلحة إيرانيا حتى أهالي النجف وكربلاء، واعتدت على المراقد المقدسة باستخدامها ساحات قتال ودروعا. إن هؤلاء الصدريين لم "يندسوا" كما يعلن بعض كبار المسؤولين بل كانوا مدعوين للتنفيذ كما تبين.
إن كل تلك المسؤوليات وأطرافها المارة الذكر، وكل الخراب الشامل الذي أصاب العراق والعراقيين في عهد صدام وورثها عهد ما بعده، لا تفسر لوحدها الأوضاع القاتمة المأساوية اليوم. فهناك مسؤولية خاصة وكبيرة جدا تتحملها الأحزاب الدينية الحاكمة باعتبارها تحتكر المفاصل الرئيسية في السلطة، سواء أمنيا، أو اقتصاديا، أو تعليميا. إن نقد تصرفات وإجراءات هذه القيادات ليس فقط ضرورة ملحة، بل هو واجب من الدرجة الأولى، ومثل هذا النقد ليس تحاملا على التشيع والشيعة كما يدعون، وهل من دليل أوضح من كون العديد من الكتاب العراقيين الشيعة يتصدرون النقد والاستنكار، وآخر ذلك الاحتجاج على عملية الإعدام وطلب محاسبة المسؤولين عنها أيا كانت مناصبهم لكونها لوثت وشوهت حكما قضائيا عادلا اتخذ بعد محاكمة طويلة، مارس خلالها المتهمون كل الحرية هم والمحامون، بما في ذلك التطاول على المحكمة والصراخ غير المؤدب.
إن إدانتنا ليست لعقوبة الإعدام كما يطرح المسؤولون العراقيون، بل لطريقة الإعدام والأجواء الطائفية المشحونة خلال التنفيذ، وإن أية مغالطات لا يمكنها طمس مسؤولية الحكومة نفسها ومستشاري السيد رئيس الوزراء.
إن استنكارنا وعدد من خيرة المثقفين العرب لما جرى لا يجب خلطه بالضجة المفتعلة والظالمة من العرب والفلسطينيين. إن هذه الأوساط استغلت ما جرى لتبييض صفحات طاغية دموي، والترويج للطائفية المقيتة ضد شيعة العراق، وتلويث صفحات مشرقة من تاريخنا الحديث برز خلالها مفكرون، وساسة، وأدباء، واقتصاديون، وأطباء من الطائفة الشيعية أعلام، عملوا بهاجس الوطنية، وتصدوا للطائفية، وقدموا خدمات جليلة للعراق. ترى هل يمكن التعتيم على من وضعوا أنفسهم ومواهبهم لخدمة العراق والعراقيين وإغناء الفكر والأدب، وطرح مشكلة الإصلاح الديني، ومسألة حقوق المرأة، أمثال علي الوردي، والجواهري وجعفر أبو التمن، وسعد صالح وجعفر الخليلي، والسيد محمد حسين آل كاشف الغطاء، والسيد أبو الحسن، وسلام عادل، ومحمد حسين أبو العيس، ومحمد حسين الشبيبي، وجعفر محمد كريم، وعشرات غيرهم، من الساسة، والمفكرين، والمبدعين، والعلماء، الذين وضعوا كل طاقاتهم لخدمة العراق، وعملوا جنبا لجنب مع أعلام كثيرين من السنة، والأكراد، والتركمان،، والكلدو آشوريين، والصابئة المندائيين [ تذكروا مثلا عبد الجبار عبد الله أول رئيس لجامعة بغداد]، ومن المسيحيين، واليهود وغيرهم. ولم يطالب ساستهم ولا رجال الدين بينهم بقيام نظام ديني.
إن ضجة العرب الهائجة هي لإعدام الطاغية، الذي يعتبرونه رجل الإسلام والعروبة و"التصدي" لإسرائيل وللأمريكان، والدفاع عن فلسطين. أما استنكار فريق من الكتاب العرب والعراقيين فليس موجها نحو حكم الإعدام ولا نحو عقوبة الإعدام بحد ذاتها، بل هو استنكار للطريقة المعيبة للتنفيذ، والتي أعطت كل الأعداء سلة ذهبية جديدة من الحجج، ونقول [جديدة] لأن حججهم لا تنتهي.
على هذا، فإن طرح السيد رئيس الوزراء للمشكلة كان غير موفق ولا يتناول القضية لأنه ركز على من احتجوا من العرب على العقوبة في حين إن القضية التي نثيرها هي قضية التنفيذ، لا إدانة للحكم ولا هي تبرير للجرائم الكبرى التي اقترفها الطاغية، وما لم تعترف الحكومة بهذا الخطأ الفادح، وتحاسب المسؤولين عنها، فإن كل رد آخر لا يتلاءم مع صلب القضية، ولا يمنع عدم وقوع مثلها.