عبد الباري عطوان... زعلان
رشاد الشلاه
rashadalshalah@yahoo.se


بيد تخط الجُمل، وأخرى تكفكف الدمع عن المقل، وفي ساعة حزن و زعل، كتب الأستاذ عبد الباري عطوان افتتاحية صحيفة القدس العربي اللندنية لعددها يوم السابع والعشرين من شهر كانون الأول/ ديسمبر،تحت عنوان " سيذهب الى المشنقة مرفوع الرأس"، وهي رد فعل متوقع منه على خبر تصديق حكم الإعدام بدكتاتور العراق السابق. ولست هنا بمعرض مناقشة الأستاذ عطوان حول تعاطفه وولائه لصدام حسين فهذا شأنه، ولكن أجدها مناسبة للتذكير بان مدرسة الاعلامي المصري المرحوم احمد سعيد لا تزال لها من المريدين، تلك المدرسة التي تصنع الأباطرة، وتحقق الانتصارات الباهرة على الأثير، وفوق الورق، وتوقع الويل والثبور بالغزاة على وقع" الله فوق المعتدي". بينما استباح المعتدي الصهيوني أراضي ثلاث دول عربية العام 1967 وفي ستة ايام، وفي العام 2003 سقطت بغداد تحت أقدام الغزاة الأمريكيين في اقل من ثلاثة اسابيع. ولا أسبغ هذه الصفة على الأستاذ عطوان جزافا بل أضع أمام القارئ نماذج خطاب مدرسة احمد سعيد ، كتبها الأستاذ عطوان عشية الاستعدادات لغزو العراق وبعده مباشرة.

ففي السابع من كانون الثاني/ يناير العام 2003 كتب افتتاحية قال فيها " الرئيس العراقي لن يهرب من بغداد، ولن يسقط في ثلاثة أسابيع، وخطابه الذي ألقاه بالأمس خطاب الرجل الواثق من نفسه ومن شعبه، وليس خطاب الخائف المرتجف، ". ثم نقرأ من افتتاحية يوم الحادي والثلاثين من نفس الشهر غامزة القيادة الكويتية ما يلي: " الرئيس العراقي لن يترك بلاده، ولن يلعب الغولف مع عيدي أمين رئيس اوغندة السابق في جدة، على الأقل حتى يحرم الرئيس بوش من هذه السعادة التي يتطلع إليها. كما انه لن يهرب مثل الآخرين مع سقوط أول صاروخ على عاصمة بلاده طلبا للنجاة". فهل كان هذا هو الواقع ولم يهرب الرئيس العراقي من بغداد ولم يسقط في ثلاثة أسابيع؟؟.

وفي تلك الأيام العصيبة التي عصفت بالعراق والمنطقة، وجهت دعاوى ومناشدات مخلصة عراقية وعربية ودولية لصدام حسين بالتخلي عن السلطة" فداء" للعراق الذي يدعي تقديم نفسه له هذه الأيام، ولكن بعد خراب البصرة حقيقة وليس قولا مأثورا، إلا انه رفض ذلك مختزلا بلاده وطنا وشعبا ومقدرات في كرسي حكمه وشخصه فقط ، فماذا كان موقف الأستاذ رئيس تحرير صحيفة القدس العربي اللندنية آنذاك بعدما سمع بقرار مؤتمر قمة شرم الشيخ إرسال وفد الى بغداد لإقناع الرئيس العراقي بترك السلطة وتجنيب البلد خراب ما بعده خراب؟ الموقف نقرأه في افتتاحية عدد يوم الرابع عشر من آذار/ مارس العام 2003 التي تقول،:" أحسنت القيادة العراقية صنعا بتأجيلها استقبال وفد القمة العربية الذي كان من المقرر ان يصل العاصمة العراقية صباح اليوم، لان مهمة هذا الوفد" غامضة". وربما نذهب الى ما هو ابعد من ذلك ونقول إنها "مهينة". مهينة للعراق". ثم كرر ذات الموقف في افتتاحية صحيفته يوم الثامن عشر من الشهر نفسه بقوله: " لا نعتقد ان الرئيس العراقي سيستجيب لإنذار بوش، ويتنحى عن الحكم، ويخرج الزعماء العرب من أزمتهم، ويسلم بغداد عاصمة الرشيد الى الغزاة الجدد، فربما يكون ديكتاتورا ظالما، وسجل نظامه هو الأسوأ في مجال حقوق الإنسان، ولكنه قطعا ليس جبانا أو عميلا". وفي الاقتباس السابق يقلل الأستاذ عطوان من الاعتقاد بأن صدام حسين دكتاتورا ظالما، وسجل نظامه هو الأسوأ في مجال حقوق الإنسان، بإيراده حرف الجر" ربما" الذي يفيد التقليل. والكاتب " ربما " محق في ذلك. والدكتاتور" ليس جبانا" وقد تجلت شجاعته بشموخ رأسه أمام الطبيب وهو يفحصه بعد القاء القبض عليه.



الأستاذ عطوان وبحكم علاقته الوثيقة باركان نظام صدام كان يعرف المآل الذي سيكون العراق عليه إذا ما بدأ الغزو، ومع ذلك فهو يثق بهؤلاء وبصمودهم ومقاومتهم، فيقول في افتتاحية يوم العشرين من آذار العام 2003 :" مسؤول عراقي قال لي بالحرف الواحد ان العراق على دراية كاملة بالفارق الهائل في الإمكانيات العسكرية بين بلاده وأمريكا، مثلما يعرف جيدا ما يمكن ان تسقط على بلاده من قنابل وصواريخ أمريكية ولكنه اعد العدة للصمود والمقاومة". ويستزيد بهذه الثقة موثقا : " المسؤول العراقي نفسه قال بالحرف الواحد: " لقد سودنا وجوهكم عام 1991، ولم نرتق الى مستوى تطلعاتكم القتالية، ولكننا سنبيض وجوهكم هذه المرة، لأننا نعرف عدونا جيدا، ولأننا نعتمد على أنفسنا، ولا نعول على الأشقاء العرب". فهل صدق هذا المسؤول وصمد وكانت العاقبة ان ابيضت الوجوه!!!؟.

وبعد مرور أسبوع على بدء الغزو، والقصف يتصاعد و يطال المدن العراقية، ويحيلها أنقاضا على رؤوس المواطنين العزل، والإعلام الرسمي العراقي يكذب ويكذب على العراقيين والعرب والعالم، إعلام أبو العلوج محمد سعيد الصحاف، ويردد هذا الكذب والخداع الاعلام العربي المتعاطف معه ومنه صحيفة السيد عطوان. في ذلك الوقت كتب الأستاذ عطوان افتتاحية يوم الثامن والعشرين من آذار/ مارس قال فيها : " القيادة العراقية كسبت الحرب الإعلامية، وبدأت تحقق انتصارات في ميادين المعارك، ودون ان تدفع إلا بربع قواتها، الأمر الذي يؤكد ان إدارتها للازمة أفضل كثيرا من معظم التوقعات" . وهنا نتساءل هل حقا كسبت القيادة العراقية الحرب الإعلامية، أم تحول ظهور وزير الإعلام العراقي على الفضائيات آنذاك الى فرجة، بل الى متعة تسر الناظرين.

أما افتتاحية يوم الثامن من نيسان/ ابريل 2009 أي ليلة دخول القوات الأمريكية الى قلب بغداد، فكانت من العيار الثقيل في الفخر و المحاججة، يقول الأستاذ رئيس التحرير فيها : " القادة العراقيون لم يهربوا في سيارات المرسيدس، ويتركوا عاصمتهم، وشعبهم، يواجه الغزاة وحده، مثلما فعل ويفعل الشامتون الشتَامون، بل يقودون المقاومة من خنادق الشرف والكرامة. لم نشاهد قائدا عسكريا كبيرا يستسلم، ولم نر طارق عزيز أو محمد سعيد الصحاف، أو ناجي صبري الحديثي،أو صدام حسين أو حتى اصغر مرافقيهم رتبة، يرفعون الرايات البيضاء، ويفرون الى دول الجوار".

صحيح ان الأستاذ عطوان لم يشاهد قائدا عسكريا كبيرا يستسلم، لان القادة العسكريين الكبار تخلوا عن الدكتاتور الذي أذلهم في حروبه الداخلية والخارجية الخاسرة، وكذلك لم ير طارق عزيز أو محمد سعيد الصحاف، أو ناجي صبري الحديثي،أو صدام حسين أو حتى اصغر مرافقيهم رتبة، يرفعون الرايات البيضاء، ويفرون الى دول الجوار، لان طارق عزيز اختبأ في بيت قريب له، و " سعدي" الصحاف والحديثي لم يهربا الى دول الجوار بل هربا الى ابعد من دول الجار ولا زالا هناك، أما القائد العام للقوات المسلحة فقد ترك جنوده أهدافا لرصاص الغزاةَ الذين سلمهم عاصمة الرشيد وضم نفسه في" احد خنادق الشرف والكرامة" ذلك الجحر القميء ومعه بندقية. والموطن العربي المخدوع بإعلام مدرسة احمد سعيد يتساءل، لمن البندقية؟ ولا احد يجيبه.

وبعد ان استفاق الأستاذ رئيس التحرير على هول الفجيعة بسقوط بغداد بأيدي الغزاة، أدرك متأخرا انه كان مخدوعا بالمقاومة التي كان يترقبها أو يتمناها، فكتب يوم الحادي عشر من نيسان محبطا متألما :" نشعر، مثل عشرات الملايين من أبناء هذه الأمة، بالإحباط والألم، لسقوط بغداد بهذه الطريقة المخجلة والمهينة، ودون المقاومة التي توقعناها، أو بالأحرى تمنيناها".

مع كل تلك الحقائق والعشرات غيرها التي سببت للمواطن العربي الخجل والإهانة، ووفق السيد عطوان بان هكذا ديكتاتورا "سيذهب الى المشنقة مرفوع الرأس " . وبذلك حققنا النصر المؤزر على الأعداء والشامتين .
rashadalshalah@yahoo.se