قصة زيارة للمشير سوار الذهب
بقلم : يوسف فضل
nfys001@yahoo.com
31 يناير 2007


عندما شاهدت المخرج حامد حسن على قناة إم . بي . سي وهو يطلب من الممثل احمد زكي (كتبت هذا المقال قبل وفاته ووضع على الرف ) الراقد على فراش المرض في إحدى مستشفيات فرنسا يصارع مرض السرطان الرئوي أن يعود مشافى معافى ليبدأ بتمثيل فيلم سوار الذهب . لأن الممثل أحمد زكي قد مَثّل سابقا فيلمين عن شخصية كل من السيد/ أنور السادات والسيد/ جمال عبد الناصر . دق ناقوس الذكرى عندي وهمست لنفسي بأنها ذات يوم أتيحت لها فرصة مقابلة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب وزير الدفاع في حكومة الرئيس جعفر محمد نميري . لكن ما عساي أن اكتب عن شخصية سودانية الكل يعرفها أو سمع عنها ، لكن لا يعرف احد آخر باستثناء قراء هذا المقال باني قابلت المشير/ سوار الذهب . وقدمت له واجب الاحترام والتقدير لرئيس سوداني أمين وصادق وحر . لأفتح كنانة ذاكرتي واستخرج منها أسهم مقالتي هذه عن تلك المقابلة بصدق لحظتها وواقعيتها البعيدة عن الإثارة ، لكن ليس بعد الآن !

ينحدر المشير عبد الرحمن حسن سوار الذهب من أسرة عريقة استوطنت مدينة أمدرمان ولها حي كامل يسمى السواراب نسبة لجدهم الكبير في حي ودنوماوي بامدرمان .

يعمل المشير سوار الذهب حاليا رئيسا لمنظمة الدعوة الإسلامية العالمية فرع الخرطوم وهو على علاقة وصداقة وثيقة مع السيد/ جعفر النميري الذي عاد إلى السودان وانشأ الحزب المايوي (قوى تحالف الشعب العاملة ) . والمشير هو من الزوار القلائل الذين يزورون السيد/ جعفر النميري الذي يعاني من الشيخوخة وأمراض القلب . كأن الحياة السياسية تفرق والهموم الاجتماعية توحد .

في عام 1987 كنت في عمان انهي إجراءات تأشيرة العمل لدى السفارة السعودية للسفر إلى السعودية . تصفحت جريدة الرأي الصادرة في عمان كما هي عادتي السيئة في قراءة الجرائد العربية لترميم الوعي بزيادة الألم فقرأت عنوان كبير في أول الصفحة " سوار الذهب يتجول في فندق الانتركونتننال" . فقد كان في زيارة للأردن . علمت لاحقا أن المشير سوار الذهب كان خريج الكلية العسكرية في الأردن لان النظام العسكري في الأردن والسودان يتبعان النظام العسكري البريطاني . أثار هذه العنوان الرغبة لدي لمقابلة هذا الإنسان الذي قاد انتفاضة شعبية عسكرية في 6/4/1985 ضد الرئيس جعفر النميري ونجح الانقلاب عندما كان السيد جعفر النميري في ذلك التاريخ في زيارة خارجية لأمريكا للعلاج وقامت انتفاضة شعبية ضده وكان المشير سوار الذهب قائد القوات المسلحة السودانية ووزير الدفاع فأمر الجيش بعدم التدخل لكنه وحقنا للدماء استولى على السلطة الحاكمة بالإكراه وابعد السيد جعفر النميري عن الحكم . إذ انضمت كافة قطاعات الجيش السوداني للانتفاضة الشعبية ورُشح المشير سوار الذهب بان يكون رئيس البلاد لأنه أعلى سلطة بعد رئيس الجمهورية . في البدء رفض المشير سوار الذهب أن يكون رئيس البلاد لأنه اقسم يمين الولاء للرئيس جعفر النميري فجاءت الفتوى الشرعية أن مصلحة الشعب فوق سلطة ومصلحة رئيس الجمهورية وان تحلله من يمين الولاء يكون بالصوم ثلاثة أيام . وقد القى المشير سوار الذهب بيانه الأول وهو صائم : " يا أبناء الشعب السوداني الأبي نوموا (ناموا ) وأعينكم يقظة . وأوضح بأنه قرر الانحياز للشعب السوداني والاستيلاء على السلطة وتكوين مجلس عسكري انتقالي مؤقت (كان هذا شرطة الأساسي لتولي رئاسة البلاد ) برئاسته ومجلس وزراء من المدنيين ورؤساء النقابات المهنية " ووعد الشعب السوداني بالتنحي عن السلطة بعد عام وإجراء انتخابات حرة ليختار الشعب السوداني قيادته برغبته . وقد شكل مجلس الوزراء مكون من 12 وزيرا من رؤساء نقباء المهن المنتخبين . فاختار نقيب الأطباء السيد/ الجزولي دفع الله رئيسا للوزراء ونقيب المحامين السيد/ عمر عبد العاطي وزيرا للعدل ( النائب العالم ) . واختار وكيل وزارة المالية المتقاعد السيد /سيد احمد وزيرا للتجارة . أما كبير الدبلوماسيين الموجود على رأس العمل بدون انتماء حزبي السيد/ ابراهم طه أيوب فوزيرا للخارجية . واختار ............... . وقد مدد فترة العام لعام آخر لتسليم السلطة للشعب السوداني وكانت نتيجة الانتخابات الديمقراطية أن فاز حزب الأمة بأغلبية الأصوات في البرلمان السوداني مما أهله بتشكيل الحكومة من حزب الأمة برئاسة رئيس الوزراء السيد/الصادق المهدي مع حزب الاتحاد الديمقراطي. أما رئيس الجمهورية فكان السيد/ احمد علي المرغني وهو من الحزب الاتحاد الديمقراطي .

وللتغني بالانتفاضة الشعبية السودانية جاء مطلع نشيد الانتفاضة:
في اليوم السادس من أبريل
تم النصر والتحرير
جددناك يا أكتوبر في ابريل
بعزم أكيد وعهد جديد
تلاحم جيش وشعب أصيل
مواكب هادرة وهتافات ديمقراطية في التعبير
وحدة جيش وشعب أصيل
مارس ماسك كتف ابريل
أعظم شعب وأعظم جيل

في العام الذي استلم المشير سوار الذهب حكم السودان بدل جعفر النميري كنت أتابع دراستي العليا في بريطانيا وكنت على علاقة وثيقة مع بعض أعضاء حزب الأمة السوداني الذين كانوا طلبة يتابعوا دراستهم العليا في بريطانيا ويتمتعون باللجوء السياسي فيها ومنهم السيد/ عصام الرَّيح إذ قدمني للسيد/ محمد عبد الجواد وزير الداخلية الأسبق عن حزب الوطني الاتحادي الذي كان يشرف على إصدار مجلة أسبوعية من لندن تحت عنوان " الدستور" والتي كان عدد مجلس ادارتها ثلاثة اثنان من حزب البعث العراقي والثالث من حزب الأمة السوداني . وقد كان رأيي أن ما حصل من انقلاب في السودان هو تبديل قبعات وان الذي يبدل القبعات والرؤوس هي أمريكا حسب مصالحها لكن تبين أن المشير سوار الذهب قد بر بوعده بتسليم السلطة طواعية عبر انتخابات ديمقراطية .

لم يصدق أعضاء الأحزاب السودانية أن المشير سوار الذهب سيبر بوعده كما لم يُصدق السياسيين وعامة الناس العرب ومنهم الداعي لكم بطول العمر والمتخصصين وجهابذة السياسة العربية ما قدمه المشير سوار الذهب من وعد . حتى أن جون كرنج علق بقوله :" انه ليس بمرغم على احترام ديمقراطية سوار الذهب "، إذ أجمعت غالبية الآراء أن إطلاق مثل هذا الوعد هو لذر الرماد في العيون ، كما اعتدنا أن يفعل أي رئيس عربي. إذ من سيحاسب الرئيس إذا اخلف وعده . . هكذا هي السياسة العربية ممارسة الأمور المكدرة وإطلاق قذائف الكذب من المسئولين على المواطنين لان المحاسبة لا تأتي من العامة المشغولة بكسب رغيف الخبز . وبقي السؤال لدي : " لماذا فعل ذلك ؟ " أي كيف له أن يكون صادقا ؟ وبقي هذا السؤال يلح على تفكيري دون جواب لأن البحث عن رئيس دولة عربية صادق كمن يبحث عن حصان عربي أصيل يعود نسبة إلى فصيلة احد الخيول العربية من أحفاد الابجر والاجدل أو فرس أبي طلحة المسمى المندوب والذي قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " وإنا وجدناه لبحرا " .

بعد قراءتي ما جاء في الجريدة جاءت فرصة الإجابة على السؤال . تذكرت أنني قبل ثلاثة أيام كنت في القدس وأحضرت معي من أسواقها الشعبية علّاقة مفاتيح تذكار لي من المدينة أحمله في ترحالي وسفري وأنا متوجه إلى مدينة الرياض وهي على شكل مفتاح نحاسي بطول 25سم يعلق على الجدار أو خلف الباب بسلسلة نحاسية . قلت أن هذا التذكار هو أنسب هدية أقدمها للمشير سوار الذهب ، مع عدم معرفتي به سابقا ، تعبيرا عن احترامي وتقديري لشخصه الكريم لما فعله ولما تربطني مع الأخوة السودانيين من صلات الصداقة والحب . ركبت التاكسي متوجها إلى فندق الانتركونتننتال لمقابلة المشير سوار الذهب وتوجهت مباشرة إلى قسم الاستقبال في الفندق مخاطبا موظف الاستقبال :" أريد أن أقابل سوار الذهب ؟"
موظف الاستقبال : يم سوار حاف ؟ ( أي يجب أن أحافظ على المسميات والألقاب )
يوسف : السيد/ سوار الذهب .
موظف الاستقبال : هو صديقك ؟
يوسف : لم أقابله من قبل ؟
موظف الاستقبال : من أين قادم ؟
يوسف : من الضفة الغربية .
موظف الاستقبال : كيف عرفت انه موجود في الفندق ؟
يوسف : من جريدة الرأي .
موظف الاستقبال : تفضل انتظر في صالة الانتظار .

جلست أنتظر في ركن منزو في بهو الفندق حوالي نصف ساعة أزجيتها في تصفح المجلات والجرائد . فجأة لمحت شخصان قادمان نحوي لكني تجاهلتهما فتوقف احدهما وتابع الآخر خطواته نحوي وكان أصلع من وسط رأسه إذ كانت صلعته تُنَصِّف رأسه كشارع أملس يحف به من الجانبان عشب النجيل ، وهو متوسط القامة يرتدي قميص نصف كم مشجر وبنطال قماش لون اسود ويلبس نظارات سوداء ويعلق نظارة أخرى على الجيب الأيمن لبنطاله فأدركت ( بكل صعوبة ) أنه من المخابرات . خلع نظاراته لكنها بقيت معلقة على رقبته بخيط اسود ووضع نظارات الجيب البيضاء .
الشخص : قال بدك تقابل السيد/ سوار الذهب ؟
يوسف : نعم . أريد مقابلته .
الشخص : شو السبب .
يوسف : حب معرفة وتعارف .
الشخص : هل تمثل جهة معينة ؟
يوسف : لا امثل إلا نفسي .
الشخص : ومن أين جئت ؟
يوسف : من مدينة جنين .
الشخص : مغلب حالك جاي تشوفه ؟
يوسف : ممنوع أشوفه ؟
الشخص : مش ممنوع . معك إثبات شخصية ؟
يوسف : جواز السفر. تفضل .
الشخص : شو تحب تشرب ؟
يوسف : شاي .
الشخص متفحصا أوراق جواز السفر : انتظر هنا .

تراجع وهو يحمل جواز سفري وأشار بيده للشخص الآخر بان يتبعه وغابا حوالي ربع ساعة وعادا وقال الشخص الأصلع لي بعد أن أعاد لي جواز سفري :" تفضل اذهب للطابق السادس جناح رقم خمسة . استخدم ذاك المصعد " .

كان المشير سوار الذهب في استقبالي حوالي الساعة الحادية عشر والربع صباحا . صافحته . هش وبش لي وهو رجل شعبي بسيط يسهل تقبله ومتواضع مما يزيد في محبته ورفعته في النفس . قادني إلى غرفة الاستقبال وهو يرحب بي ثم جاءنا ابنيه محمد واحمد يحمل كأسا من عصير البرتقال .

قدمت نفسي له وشرحت له أن سبب مقابلتي له هو ما صنعه بالتخلي عن السلطة اختياريا مما يثير إما الإعجاب به أو الشكوك حوله لعدم اعتياد المواطن العربي على الاستثناء الايجابي بخاصة في عالم السياسة والحكم إذ يعد هذا العمل غير مألوف في العالم العربي الذي تحكمه الديكتاتوريات بمسميات مختلفة وكلها( تُعنى) كذبا بصالح المواطن العربي البئيس . وانه عندما تسلم السلطة كنت في بريطانيا واعتقدت ومع الجالية السودانية أن ما قام به هو عملية تبديل قبعات وأنني هنا للحصول منه على جواب لسؤالي واحد وهو " لماذا صنعت ما صنعت ؟" . تبسم وأجاب :" الأمر بسيط وهو أنني فضلت الخيار الديمقراطي لان الشعب السوداني لا يثق بالعسكر وأنني مهما كنت أحب وطني ومخلص له في أفكاري وأفعالي لن يتقبلوا ذلك طالما أنا بزي عسكري ولسوف يكون لي معارضين سياسيين وقد اضطر إلى سجن البعض ولو مؤقتا للحفاظ على أفكاري أو برنامجي الإصلاحي أو ما اعتقد به أنه صواب وما يتوجب عمله من اجل مصلحة الوطن وقد يُقتل البعض منهم ولست على استعداد لتحمل أثم القتل السياسي وهذا بسبب وجود فجوة من الثقة بين المواطن المدني ورجال العسكر وبما أنني لن أكون عند حسن ثقة المواطن أي أن هذا المواطن سينظر لي على أنني عدوه كدكتاتور عسكري لذا إن اسلم الحلول هي في التخلي عن السلطة كما وعدت لان الخيار الديمقراطي هو ما يتطلع إليه الشعب السوداني وأي شعب آخر وأي أخطاء ترتكب في الممارسة الديمقراطية ستكون اقل وأسرع إصلاحا من وجود حكم عسكري واني سأشارك بالبناء الديمقراطي مثل أي مواطن عادي " . هذا ما كان جوابه لي ببساطه . أليس قول الصدق وحبه للإنسان كقيمة من صنع الله وما صنعه للإنسان السوداني هو من تقوى الله ؟ . لن ادخل بتأويلات لمثل هذا السلوك ، مثل هل هذا السلوك يعبر عن ضعف سياسي ؟ أم أنه يعاني من زيادة في جرعة الضمير الإيماني بحيث زهد بالحكم ؟ أو أنه يجنح للسلام في حياته وفضل أن يسود السلام في مجتمعه السوداني بطريقة سلمية ؟ أو أنه كان يحلم بطريقته العسكرية الخاصة فوضع خطة عسكرية هجومية للقضاء على الدكتاتورية ووضع خطة الانسحاب الى الديمقراطية من أجل بقاء بلده لذا قبل بمنصب الرئاسة مؤقتا لما فيه رضا لله ورضا الناس أو .... أو ......

جاء وفد من النقابات الليبية كان في زيارة ودية للأردن للسلام على المشير سوار الذهب فأمضيت بعض الوقت معهم ثم استأذنت بالانصراف وقدمت الهدية له وتقبلها مشكورا .

لقد وعد الفريق سوار الذهب وأوفى . والمستحيل في عالم السياسة العربية غدا ممكنا . وأن عمل الكبار هذا جعل الكبير أشمخ . هذا مقطوع به . مؤكد . ليت المسئولين في الحكم لديهم ما في قلب المشير سوار الذهب من ضمير أيماني وحب تجاه شعوبهم ؟